علي الطريق حكـايـات أسمـا ×4 والاخير

مرّت سنوات بعد ذلك.

ولم تعد حادثة الطريق تُذكر كثيرًا داخل البيت.

ليس لأنها نُسيت.

بل لأنها استقرت في مكان هادئ من الذاكرة.

مكان لا يختفي.

لكنه يتوقف عن النزيف.

أصبحت مريم في الثالثة عشرة.

طالبة متفوقة.

مرحة.

وذكية بطريقة كانت تفاجئني كل يوم.

أحيانًا كنت أنظر إليها وأتعجب.

كيف تحولت تلك الطفلة المرتجفة التي كانت تخشى أن أخرج من الغرفة إلى فتاة مستقلة وواثقة؟

لكنني كنت أعرف الإجابة.

الأمان لا يمحو الجروح فورًا.

لكنه يمنحها فرصة للالتئام.

أما أمي فقد تغيرت ببطء.

تغيرًا لم أكن أعتقد يومًا أنه ممكن.

كانت تتصل بمريم وتسأل عنها.

تحضر حفلات المدرسة.

وتتذكر أشياء صغيرة كانت تنساها سابقًا.

في البداية ظننت أن الأمر مؤقت.

لكن السنوات أثبتت غير ذلك.

كانت تحاول.

ربما متأخرة.

لكنها تحاول.

وفي إحدى الأمسيات بينما كنا نتناول العشاء سألتني مريم فجأة:

“ماما؟”

“نعم؟”

“إنتِ سامحتي تيتا؟”

توقفت يدي في الهواء.

كان سؤالًا بسيطًا.

لكن إجابته لم تكن بسيطة أبدًا.

فكرت قليلًا.

ثم قلت:

“سامحتها… لكن عمري ما نسيت.”

هزت رأسها وكأنها فهمت تمامًا.

ثم قالت:

“أنا كمان.”

ولم تضف شيئًا آخر.

مرت السنوات أسرع مما توقعت.

المدرسة الإعدادية.

ثم الثانوية.

ثم امتحانات مصيرية.

وأحلام كبيرة.

وكانت مريم تكبر أمام عيني يومًا بعد يوم.

حتى جاء اليوم الذي وقفت فيه أمام باب الجامعة.

حقيبة على كتفها.

وعيناها تلمعان بالحماس.

شعرت بالفخر والخوف معًا.

كل أم تعرف هذا الشعور.

الرغبة في رؤية طفلك يطير.

والخوف من أن يبتعد أكثر مما تستطيعين احتماله.

عانقتني بقوة قبل أن تدخل.

ثم ضحكت وقالت:

“متعيطيش.”

قلت بسرعة:

“مش هعيط.”

فقالت:

“كذابة.”

ثم دخلت وهي تلوح بيدها.

وبالفعل بكيت.

في تلك الفترة أصبح أبي أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.

كان المرض قد أخذ من قوته الكثير.

لكنه أصبح أقرب إلى الصراحة.

وفي إحدى الليالي اتصل بي.

وقال:

“ممكن أقولك حاجة؟”

“طبعًا.”

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال:

“اليوم ده كان أكبر غلطة في حياتي.”

أغمضت عيني.

لم أكن بحاجة إلى شرح.

كنت أعرف أي يوم يقصد.

أكمل:

“كنت فاكر إني بحافظ على راحة الناس.”

ثم ضحك بمرارة.

“وفي الحقيقة كنت بضحي بأضعف شخص في العربية.”

لم أجب.

لأنني لأول مرة شعرت أن الكلمات خرجت من قلبه فعلًا.

وقال بعدها:

“كل ما أشوف مريم دلوقتي أفتكر إنها كان ممكن متبقاش موجودة.”

ارتجف صوته في آخر الجملة.

وأدركت أن هذا الخوف لم يتركه أبدًا.

كما لم يتركنا نحن أيضًا.

بعد عامين توفي أبي.

رحل بهدوء.

في نومه.

بعد رحلة طويلة مع المرض.

وفي الجنازة كانت مريم تقف بجواري.

لم تعد طفلة.

بل شابة طويلة القامة تشبهني كثيرًا.

أمسكت بيدي طوال الوقت.

وعندما عدنا إلى المنزل قالت:

“كان بيحبني.”

نظرت إليها.

فأكملت:

“حتى لو غلط.”

هززت رأسي ببطء.

“أيوه.”

جلست صامتة للحظات.

ثم قالت:

“أحيانًا الناس بتحب… بس بتؤذي.”

كانت جملة أكبر من عمرها.

لكنها كانت صحيحة.

مؤلمة وصحيحة.

بعد سنوات أخرى.

وفي صباح هادئ من صباحات الربيع.

كنت أجلس في الحديقة أقرأ كتابًا.

عندما سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.

رفعت رأسي.

ورأيت مريم تنزل منها.

لكنها لم تكن وحدها.

كان بجوارها شاب يبتسم بخجل.

ضحكت فورًا.

لأنني فهمت قبل أن تتكلم.

دخلت وهي تحاول إخفاء توترها.

ثم جلست أمامي.

وقالت:

“ماما…”

قلت مبتسمة:

“قولي.”

فقالت:

“في حاجة مهمة.”

وبعد دقائق قليلة عرفت أنها مخطوبة.

نظرت إليها طويلًا.

ثم تذكرت شيئًا غريبًا.

تذكرت الطفلة الصغيرة الواقفة بجوار اللافتة الصدئة.

الطفلة التي كانت تبكي تحت الشمس.

وتظن أن العالم كله تخلى عنها.

والآن ها هي أمامي.

تبني مستقبلها.

وتختار حياتها.

وتضحك.

كم يمكن للإنسان أن يبتعد عن أسوأ لحظات حياته؟

أحيانًا أكثر مما يظن.

في ليلة زفافها.

بعد انتهاء الحفل.

وقبل أن تغادر.

جاءت وجلست بجانبي.

كان الجميع منشغلين.

والقاعة بدأت تفرغ.

نظرت إليّ فجأة وقالت:

“فاكرة اليوم بتاع الطريق؟”

توقفت أنفاسي للحظة.

ثم ابتسمت.

“أيوه.”

قالت:

“أنا كمان.”

ساد الصمت بيننا.

ثم أمسكت يدي.

وقالت:

“عارفة أكتر حاجة فاكراها؟”

“إيه؟”

ابتسمت.

نفس الابتسامة التي كانت تملكها وهي طفلة.

ثم قالت:

“إني لما شفت عربيتك جاية حسيت إن الدنيا كلها رجعت مكانها.”

امتلأت عيناي بالدموع.

لكنني ضحكت.

لأنها كانت ليلة فرح.

ولأن بعض الدموع لا تكون حزنًا.

أبدًا.

وقبل أن تقوم للعربة التي ستأخذها إلى حياتها الجديدة.

انحنت وقبّلت جبيني.

ثم همست:

“شكرًا إنك جيتي.”

أغلقت عيني للحظة.

واحتفظت بتلك الكلمات داخل قلبي.

لأنها كانت أعظم مكافأة يمكن أن تحصل عليها أم.

أن يعرف طفلها…

أنه مهما ضاع الطريق.

ومهما تأخر الجميع.

فهي ستأتي. دائمًا.بعد زفاف مريم، ظننت أن الفصل الأهم من الحكاية قد انتهى.

لكن الحياة كانت تخبئ لنا فصولًا أخرى.

أهدأ.

وأعمق.

وأجمل أحيانًا.

مر عام تقريبًا على زواجها.

وكانت تزورني كل أسبوع تقريبًا.

تأتي محملة بأكياس الطعام والحلوى وكأنني أنا التي أعيش وحدي وأحتاج إلى الرعاية.

وفي كل مرة كنت أضحك وأقول:

“أنا أمك مش بنتك.”

فتجيب فورًا:

“دلوقتي دوري.”

ثم تضع الأغراض في الثلاجة رغم اعتراضاتي.

أما أمي فقد أصبحت عجوزًا حقًا.

بعد وفاة أبي بدا العمر وكأنه لحق بها دفعة واحدة.

اختفت صلابتها القديمة.

وأصبحت أكثر هدوءًا.

وأقل كلامًا.

وفي بعض الأيام كنت أراها جالسة في الشرفة لساعات طويلة تنظر إلى الشارع دون أن تنطق بكلمة.

ذات مرة سألتها:

“بتفكري في إيه؟”

ابتسمت ابتسامة باهتة.

وقالت:

“في حاجات كان نفسي أرجع أصلحها.”

لم أحتج إلى سؤال آخر.

كنت أعرف.

وكانت تعرف أنني أعرف.

في إحدى الأمسيات الشتوية جاءني اتصال من مريم.

لكن صوتها هذه المرة كان مختلفًا.

مرتجفًا.

ومختنقًا بالبكاء.

قفز قلبي من مكانه.

قلت بسرعة:

“مالك؟”

سكتت ثواني.

ثم قالت:

“ماما…”

“قولي.”

وبصوت متقطع قالت:

“أنا حامل.”

ساد الصمت.

ثم انفجرت بالبكاء أنا أيضًا.

ضحكنا وبكينا في الوقت نفسه.

ولعدة دقائق لم نستطع تكوين جملة مفهومة.

كان الخبر أكبر من أي كلمات.

طفل جديد سيأتي إلى العائلة.

بداية جديدة.

وحياة جديدة.

طوال شهور الحمل كنت أرافقها في كل شيء تقريبًا.

المواعيد الطبية.

شراء الملابس الصغيرة.

اختيار الأسماء.

وترتيب غرفة الطفل.

وفي أحد الأيام بينما كنا نطوي بعض الملابس القطنية الصغيرة، سألتني فجأة:

“ماما؟”

“نعم؟”

قالت وهي تنظر إلى قطعة ملابس لا يتجاوز حجمها كف اليد:

“إزاي كنتِ قادرة تشيليني وأنا صغيرة كده؟”

ضحكت.

“كل الأمهات بيقدروا.”

لكنها لم تضحك.

بل ظلت صامتة.

ثم قالت:

“دلوقتي فهمت خوفك عليا.”

نظرت إليها.

وأدركت أنها بدأت ترى العالم بعينيّ لأول مرة.

وفي ليلة صيفية هادئة.

رن الهاتف بعد منتصف الليل.

عرفت فورًا أن اللحظة قد حانت.

انطلقت إلى المستشفى بأقصى سرعة.

كانت يداي ترتجفان كما ارتجفتا قبل سنوات طويلة وأنا أقود إلى الطريق الصحراوي.

لكن هذه المرة كان الخوف مختلفًا.

خوف ممزوج بالأمل.

وصلت إلى المستشفى.

وبعد ساعات طويلة من الانتظار.

سمعت أخيرًا صوت بكاء طفل حديث الولادة.

الصوت الذي يغير العالم كله في لحظة واحدة.

خرج الطبيب مبتسمًا.

وقال:

“مبروك.”

شعرت أن ركبتيّ لم تعودا قادرتين على حملي.

جلست على أقرب كرسي وأنا أضحك وأبكي معًا.

وعندما سمحوا لي بالدخول.

وجدت مريم على السرير.

مرهقة.

وشاحبة.

لكنها كانت تبتسم.

وفي ذراعيها كانت هناك طفلة صغيرة.

صغيرة جدًا.

لدرجة أنها بدت كأنها حلم.

اقتربت ببطء.

ونظرت إلى وجهها.

أصابعها.

أنفها الصغير.

وجفونها المغلقة.

فهمست:

“سبحان الله.”

ضحكت مريم.

وقالت:

“شايفة؟”

هززت رأسي.

لكنني لم أستطع الكلام.

لأن شيئًا غريبًا حدث في تلك اللحظة.

فجأة رأيت صورتين في وقت واحد.

الطفلة الصغيرة بين ذراعي ابنتي.

والطفلة الصغيرة التي كانت واقفة يومًا على الطريق وحدها.

وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

بعد أيام قليلة عادت مريم إلى منزلها مع طفلتها.

وفي إحدى الليالي اتصلت بي مرهقة جدًا.

قالت:

“مش عارفة أنام.”

قلت:

“طبيعي.”

قالت:

“كل شوية أبص عليها أتأكد إنها بتتنفس.”

ضحكت.

“كل الأمهات بيعملوا كده.”

لكنها لم تضحك.

بل قالت بهدوء:

“لا يا ماما.”

وسكتت لحظة.

ثم أضافت:

“أنا بخاف أسيبها ثانية واحدة.”

هنا فقط فهمت.

بعض الذكريات لا تختفي.

حتى عندما نصبح كبارًا.

بل تتحول إلى دروس نحملها معنا.

كبرت الصغيرة.

وأصبحت تنادي مريم: ماما.

وتناديني: تيتة.

وكان ذلك من أجمل الأصوات التي سمعتها في حياتي.

أما أمي فقد كانت سعيدة بها بشكل لا يوصف.

كأنها تحاول أن تمنح تلك الطفلة كل الحنان الذي قصّرت فيه قديمًا.

وفي أحد الأيام كانت حفيدتي تلعب في الحديقة.

تركض هنا وهناك.

وتضحك بصوت مرتفع.

وفجأة تعثرت وسقطت.

فقفزت أمي من مقعدها بسرعة مدهشة بالنسبة لعمرها.

وركضت نحوها.

وحملتها بين ذراعيها وهي ترتجف.

وتكرر:

“أنا هنا… أنا هنا…”

وقفت أراقب المشهد.

ثم لاحظت شيئًا.

كانت أمي تبكي.

تبكي بقوة.

أكثر من الطفلة نفسها.

وفي تلك اللحظة فهمت.

بعض الندم لا يرحل أبدًا.

في تلك الليلة.

بعد أن غادر الجميع.

جلست أمي بجواري.

وقالت فجأة:

“عارفة؟”

“إيه؟”

حدقت طويلًا في الظلام خارج النافذة.

ثم قالت:

“أنا عمري ما سامحت نفسي.”

لم أجب.

لأنني لم أكن أملك جوابًا.

أكملت بصوت خافت:

“كل يوم بفكر… لو كانت ضاعت فعلًا؟”

ثم انهارت باكية.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة.

مددت يدي.

وأمسكت يدها.

فقط أمسكتها.

دون لوم.

ودون نقاش.

ودون العودة إلى الماضي.

لأن الماضي كان قد قال كل ما لديه.

وبعد دقائق طويلة من الصمت.

استندت برأسها إلى الكرسي.

وقالت:

“الحمد لله إنك وصلتلها.”

نظرت إلى السماء من خلف الزجاج.

وتذكرت الطريق.

والحر.

والخوف.

وصوت مريم وهي تصرخ:

“ماما!”

ثم ابتسمت.

وهمست:

“وأنا كمان الحمد لله.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *