استقبال حافل حكايات اسما الجزء الأول

رجعت البيت متأخرة من المستشفى، جوزي ضـ,ـربنـي بالقلم وهو بيصـ,ـرخ: إنتِ عارفة الساعة كام يا خاطيـه؟ أنا وأمي قاعـدين من غير أكل!

حاولت أشرح له إني كنت في الطوارئ… لكنه ضربني تاني.

وبره الباب… كان أبويا واقف وشاف كل حاجة…. هما ماكانوش يعرفوا أبدًا مين أبويا الحقيقي…

اتفتح باب الشقة الخشب بتقل… وهو بيعمل صوت.

ريحة بيتزا رخيصة وصوت لعبة فيديو عالي ضربوا مايا في وشها أول ما دخلت.

مايا كانت لسه راجعة من المستشفى.

لابسة جلابية مستشفى واسعة شوية… ووشها شاحب جدًا.

قبل ساعات قليلة بس…

كانت فقدت الجنين اللي في بطنها.

جسمها استسلم أخيرًا بعد شهور من التعب…

وهي بتنضف البيت وتمسح الأرض طول اليوم علشان ترضي طلبات حماتها المستحيلة.

ليث، جوزها…

كان ممدد على الكنبة نفسها اللي كانت مايا واقعة عليها من الألم قبل كده بساعات.

حتى ما بصش لها.

قالت حماتها أمينة وهي باصة في التابلت بتاعها:

أخيرًا! اضطرينا نطلب بيتزا.

كنتي فين طول اليوم؟ البيت كله مقلوب.

ليث رمى ذراع لعبة البلايستيشن على الترابيزة وقام بعصبية، ووشه أحمر من الغضب: قال وهو بيصرخ: إنتِ عارفة الساعة كام؟

أنا تعبان طول اليوم في الشغل… أرجع ألاقي الأرض مبلولة ومفيش عشا!فاكرة نفسك أميرة؟”

مايا سندت ضهرها على الحيطة علشان ما تقعش.

قالت بصوت ضعيف: كنت في الطوارئ يا ليث…

بعتلك رسايل… وكلمتك كذا مرة.

صرخ ليث: كنت مشغول!

إنتِ دايمًا بتألفي قصص علشان تهربي من شغل البيت!”

قالت مايا بهدوء غريب وهي باصة في عينيه: أنا أجهضت يا ليث.

الطفل مات.

الدكتور قال إن ده حصل بسبب الضغط والتعب… والمشيمة انفصلت.

سكتت الأوضة لحظة… مايا كانت مستنية…

حتى لمعة ندم صغيرة… أي حاجة تدل إنه إنسان.

لكن بدل كده…

ليث ضحك بسخرية… كلام فاضي!

إنتِ بتكذبي علشان نسيتي تعملي الأكل.

إنتِ مثيرة للشفقة… حتى طفل مش عارفة تحافظي عليه.

بـاااح!

إيده ضربت وشها بعنف…. وقعت مايا على الأرض…

وطعم الدم ملأ بُقها.

صرخ ليث بغضب: ما تكذبيش عليّا!

قرب منها… وهو أطول منها واقفة على الأرض.

ورفع إيده تاني…

مستعد يضربها ضربة أقوى.

“قومي حالًا!

وهتنضفي البيت ده دلوقتي!”

رفع ليث قبضته وضرب بكل قوته…

لكن الضربة ماوصلتش.

إيد ضخمة…

لابسة جوانتي جلد أسود…

طلعت أسما السيد فجأة من ضلمة باب الشقة.

مسكت معصم ليث في الهوا… وضغطت عليه.

طَق!

صوت عظمة بتتكسر دوّى في الأوضة.

صرخ ليث صرخة حادة من الألم.

لفّ بسرعة…

ووشه مليان صدمة.

الشخص اللي واقف في الباب كان راجل ضخم… بعينين باردة جدًا.

وماحدش في البيت كان يعرف…

إن الراجل ده كان… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الراجل الضخم دخل الشقة بخطوات هادية… لكن الهيبة اللي كانت طالعة منه خلت حتى صوت أنفاسهم يختفي.
ليث كان لسه ماسك إيده المكسورة وبيصرخ من الألم، بينما أمينة قامت من مكانها بسرعة وهي بتقول بخوف:
إنت مين؟! دخلت هنا إزاي؟!
الراجل ما ردش.
عينيه كانت ثابتة على مايا اللي كانت واقعة على الأرض وشفايفها بتنـزف.
في اللحظة دي… ملامحه القاسية اتحولت لحاجة أخطر بكتير.
الغضب.
نزل على ركبة واحدة قدامها بهدوء غريب، ومد إيده يساعدها تقوم.
مايا بصت له بخوف وتردد… لأنها ما شافتوش قبل كده في حياتها.
لكن أول ما لمست إيده…
شهقت.
كان في نفس الخاتم الفضي القديم اللي أمها الله يرحمها كانت محتفظة بصورة ليه طول عمرها.
قال الراجل بصوت منخفض لكنه مرعب:
مين اللي عمل فيكي كده؟
ليث حاول يتكلم رغم الرعب اللي بدأ يبان على وشه:
دي مراتي… وأنا حر فيها!
الراجل لف له ببطء… لدرجة إن ليث نفسه رجع خطوة لورا بدون ما يحس.
وفجأة…
البوكس نزل على وش ليث كالصاعقة.
جسمه طار واتخبط في الترابيزة الزجاج واتكسرت تحت ضهره.
أمينة صرخت وهي بتجري عليه:
هتموته! حرام عليك!
الراجل قرب أكتر وقال ببرود:
الحرام… إنكم كنتوا فاكرين إنها لوحدها.
مايا كانت لسه مش قادرة تستوعب اللي بيحصل.
قالت بصوت مرتعش:
حضرتك… مين؟
سكت ثواني… وبعدين طلع صورة قديمة من جيب الجاكيت الجلد.
صورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.
الطفلة كانت مايا.
أما الست… فكانت أمها.
قال وهو يبصلها بعين مليانة وجع:
أنا كنت بعيد غصب عني… لكن عمري ما نسيتك.
شهقت مايا وهي حاسة الدنيا بتميل حواليها:
إنت… تعرف أمي؟
رد بصوت متكسر لأول مرة:
أنا مش بس أعرفها…
أنا أبوكي الحقيقي يا مايا.
الصمت قتـ,ــ,ـل الأوضة.
حتى ليث نسي ألمه وبص له بصدمة.
أمينة وشها اصفر وهي بتقول:
مستحيل… أمها قالت إن أبوها مات!
الراجل ضحك ضحكة قصيرة كلها قسوة:
كان لازم تقول كده… علشان الناس اللي كانوا عايزين يقـ,ــ,ـتلوني ما يوصلولهاش.
مايا حست قلبها هيقف.
كل حياتها كانت فاكرة نفسها بنت راجل فقير مات قبل ما تتولد… وإن أمها اشتغلت طول عمرها خياطة علشان تربيها.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
الراجل وقف باستقامة وقال:
اسمي سليم الحديدي.
أول ما الاسم خرج من بقه…
اللون اختفى من وش ليث.
حتى أمينة فتحت عينيها برعب حقيقي.
اسم سليم الحديدي ماكانش اسم عادي.
كان واحد من أخطر وأغنى رجال البلد… راجل الناس بتهمس باسمه.
رجال أعمال… وسياسيين… وحتى ضباط كبار كانوا بيخافوا منه.
ليث بلع ريقه بصعوبة:
أ… أكيد في سوء تفاهم.
لكن سليم قرب منه لحد ما بقى وشه قدام وشه مباشرة وقال:
إنت ضربت بنتي.
الكلمة نزلت على مايا نفسها كأنها حلم.
بنتي.
عمرها ما سمعتها من حد.
ولا حتى من أمها قبل ما تموت.
ليث حاول يتراجع وهو بيتلعثم:
أنا… ماكنتش أقصد… هي عصبتني بس.
لكن سليم مسكه من ياقة قميصه ورفعه بسهولة مرعبة وقال:
وأنت فاكر إن ده يديك الحق تمد إيدك عليها؟
مايا قامت بسرعة رغم تعبها وقالت بصوت باكي:
خلاص… كفاية أرجوك.
سليم بص لها… والغضب اللي في عينيه هدي فورًا.
أنزل ليث على الأرض باحتقار كأنه كيس زبالة.
وبعدين خلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتف مايا علشان يغطي هدوم المستشفى.
قال بهدوء:
يلا يا بنتي… هنمشي من هنا.
أمينة صرخت:
تمشي إيه؟! دي مراته!
سليم لف لها وقال ببرود قاتل:
من اللحظة دي… لو حد فيكم قرب منها هعتبره حكم على نفسه.
ليث كان لسه واقع على الأرض وهو بيحاول يستوعب المصيبة اللي وقعت فوق دماغه.
مراته اللي كان بيهينها كل يوم…
طلعت بنت سليم الحديدي.
مايا خرجت مع أبوها وهي حاسة رجليها مش شايلينها.
لكن قبل ما يخرجوا…
سليم وقف عند الباب وقال بدون ما يلف:
بالمناسبة…
البيت ده باسمي.
والشركة اللي شغال فيها يا ليث؟
أنا صاحبها.
اتحول وش ليث لرمادي.
أما سليم ففتح الباب ومشى مع بنته بهدوء…
وساب وراه صمت مرعب.
لكن مايا ماكنتش تعرف إن اللي حصل الليلة دي…
كان مجرد بداية لحرب هتخلي حياة ناس كتير تتحول لجحيم.
الكتابة
أول ما باب العربية السودا اتقفل…
مايا ماقدرتش تمنع نفسها من الارتجاف.
التعب… النزيف… الصدمة… وكلمة “أنا أبوكي” كانوا أكتر من إن عقلها يستوعبهم مرة واحدة.
سليم قلع الجوانتي الجلد ببطء، وبص لها من المراية الأمامية.
ولأول مرة… ملامحه ماكنتش مرعبة.
كانت مكسورة.
قال بهدوء:
خدي نفسك يا مايا… محدش هيأذيكي تاني.
لكن مايا رجعت لورا تلقائيًا وهي ضامة الجاكيت على جسمها.
قالت بصوت متقطع:
ليه… ليه سبتنا طول السنين دي؟
السؤال ضربه كأنه رصاصة.
لف وشه ناحية الشباك ثواني قبل ما يرد:
لأن أمك طلبت مني أختفي.
مايا عقدت حاجبيها بعدم فهم.
سليم طلع نفس طويل وقال:
زمان… كان ليا أعداء كتير. ناس مستعدة تقتـ,ــ,ـل أي حد قريب مني. ولما عرفت إن أمك حامل… طلبت منها تتجوزني رسمي وأسافرها برا البلد.
سكت لحظة… وعينيه سرحت.
لكنها اختفت فجأة.
مايا همست:
اختفت؟
هز راسه ببطء:
في نفس الليلة اللي كان المفروض نهرب فيها… العربية بتاعتها اتضرب عليها نار.
شهقت مايا وهي حاطة إيدها على بُقها.
قال بصوت مليان ذنب:
فضلت سنين فاكر إنها ماتت… لحد ما عرفت بعد فترة إنها هربت وغيرت اسمها وعاشت مستخبية علشان تحميكي.
دموع مايا نزلت بصمت.
كل حياتها كانت عبارة عن نص حقيقة.
حتى أمها كانت شايلة سر مرعب لوحدها.
العربية وقفت قدام قصر ضخم محاط بحراسة.
بوابة حديد اتفتحت تلقائي… والحراس وقفوا فور ما شافوا سليم.
مايا نزلت ببطء وهي مذهولة.
المكان كان أكبر من أي حاجة شافتها في حياتها.
رخام… نافورات… وإضاءة خافتة تخلي المكان شبه أفلام العصابات.
دخلت وهي حاسة إنها دخيلة.
لكن أول ما خطت لجوه…
ست كبيرة في السن نزلت بسرعة من على السلم.
أول ما شافت مايا… دموعها نزلت فورًا.
قالت بصوت مرتعش:
يارب… دي نسخة من أمها.
وقبل ما مايا تفهم…
الست حضنتها بقوة.
سليم قال بهدوء:
دي خالتي أمينة الكبيرة… الست اللي ربتني.
الست مسكت وش مايا بين إيديها وقالت:
أمك كانت بتحبك بجنون يا بنتي… كانت كل يوم تبعت صورتك لينا من غير ما تعرفي.
مايا انهارت.
لأول مرة من سنين…
حد بيحضنها بدون خوف… بدون أوامر… بدون إهانة.
لكن اللحظة ماكملتش.
واحد من الحراس دخل بسرعة وقال بقلق:
باشا… في مشكلة.
سليم لف له فورًا:
قول.
الحارس بلع ريقه:
ليث اختفى.
عين سليم اظلمت فورًا.
الحارس كمل:
وكاميرا العمارة جابت راجل أخده بعربية بعد ما حضرتك مشيت… والراجل ده تابع لعائلة الشواف.
الاسم خلا الجو كله يتجمد.
حتى الست الكبيرة وشها اتغير.
مايا سألت بخوف:
مين دول؟
سليم سكت ثواني… وبعدها قال:
الناس اللي حاولوا يقتـ,ــ,ـلوا أمك زمان.
القلب دق بعنف جوا صدرها.
وفجأة…
تليفون سليم رن.
رد بصمت… لكن ملامحه اتحولت لوحش حقيقي.
الصوت اللي كان جاي من السماعة قال ببرود:
“ابنتك رجعتلك أخيرًا يا سليم… بس المرة دي، هنخليك تخسرها قدام عنيك.”
وبعدين…
وصل فيديو.
إيد متربطة… ووش مليان دم.
كان ليث.
بيصرخ برعب حقيقي لأول مرة في حياته.
والصوت المجهول قال:
“قدامك ساعة واحدة تجي لوحدك… يا إما نبدأ بيه، وبعده الدور على بنتك.”
مايا بصت لأبوها بخوف.
لكن سليم ابتسم ابتسامة مرعبة جدًا…
وقال بهدوء قاتل:
“أخيرًا… الحرب رجعت.”
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *