خطيبي السابق حكـايـات أسمـا ×2

سامر طلب من السواق يزود السرعة، والعربيات اللي وراها اتحركت في نفس اللحظة كأنها متدربة على الحركة دي مئات المرات. كنت قاعدة جنبه، ولسه مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي اتجوزته من أقل من ساعة قدام الناس كلها على إنه مشرد، طلع واحد من أقوى رجال الأعمال في البلد. بصيت له وقلت: “ممكن أفهم كل حاجة؟” تنهد وقال: “هتفهمي… لكن الأول لازم نلحق الشركة.” بعد أقل من عشرين دقيقة كانت العربيات دخلت من بوابة مبنى إداري ضخم مكون من أكتر من أربعين دور، وعلى واجهته شعار فضي مكتوب عليه: “مجموعة المصري العالمية”. أول ما العربية وقفت، خرج عشرات الموظفين والمديرين يجروا ناحية سامر، وكأنهم شافوا شخص رجع من الموت. واحد منهم دموعه نزلت وهو بيقول: “حمد لله على سلامة حضرتك يا فندم… إحنا افتكرنا إننا خلاص خسرناك.” سامر صافحه بهدوء وقال: “الحمد لله.” ثم دخل المبنى بخطوات ثابتة، وأنا ماشية جنبه وكل العيون متعلقة بيا. الموظفين كانوا بيهمسوا: “مين الست دي؟” “هي دي مراته؟” “إزاي اتجوز في السر؟” لكن سامر ما اهتمش بأي كلمة.
وصلنا قاعة اجتماعات ضخمة، كان فيها أكتر من عشرين عضو مجلس إدارة. أول ما دخل، الكل وقف. بعضهم بان عليه الفرح، والبعض الآخر اتوتر بشكل واضح. سامر قعد على الكرسي الرئيسي، وبص في وشوشهم واحد واحد، قبل ما يقول بهدوء: “واضح إن غيابي الطويل كشف ناس كتير.” القاعة كلها سكتت. بعد لحظات دخل السكرتير وحط قدامه ملف أسود سميك. فتحه سامر، وقلب شوية أوراق، وبعدين رفع عينه ناحية واحد من الأعضاء اسمه هشام، وقال: “تحب تشرح لي إزاي اتحولت مية وتمانين مليون جنيه من حساب الشركة لحساب شركة وهمية باسم مرات أخوك؟”
وش هشام اصفر في ثانية. حاول يبتسم وقال: “أكيد فيه سوء تفاهم.” لكن سامر ضغط زر صغير قدامه، فاشتغلت شاشة ضخمة ظهرت عليها كشوفات حسابات، وتحويلات، وعقود مزورة، وصور توقيعات. قال سامر بمنتهى البرود: “أنا كنت مختفي… لكن كنت بتابع كل حاجة.” بدأ العرق ينزل من جبين هشام، بينما باقي الأعضاء بصوا له بصدمة. فجأة دخل أفراد أمن الشركة، وقفوا وراه، وسامر قال: “سلموه للشرطة.”
في اللحظة دي هشام فقد أعصابه، وضرب الترابيزة بإيده وهو بيصرخ: “أنا مش لوحدي… كريم الحديدي هو اللي طلب مني كل ده!” اتجمدت في مكاني أول ما سمعت اسم كريم. سامر فضل هادي وسأله: “كمل.” هشام بلع ريقه وقال: “هو اللي مول الشركات الوهمية… وهو اللي اشترى ديون شركات منافسة… وكان مستنيك تموت علشان يستحوذ على جزء كبير من السوق.” القاعة انفجرت همسات، وبعض أعضاء المجلس كانوا مش مصدقين اللي بيسمعوه.
سامر قفل الملف بهدوء، وقال: “كنت محتاج الجملة دي تتقال قدام الكل.” بعدها بص للمحامي اللي كان واقف في آخر القاعة وقال: “بلغ النيابة بكل التسجيلات والمستندات.” المحامي هز راسه فورًا، وخرج ينفذ التعليمات. أما أنا فكنت واقفة مش قادرة أتكلم. كريم ما اكتفاش إنه دمر حياة عيلتي… ده كان داخل في مؤامرات أكبر بكتير.
في نفس الوقت، كان كريم الحديدي قاعد في مكتبه، بيحتفل مع شوية مستثمرين وهو فاكر إن كل حاجة ماشية زي ما خطط. سكرتيرته دخلت فجأة ووشها شاحب، وقالت: “يا فندم… لازم تشوف الأخبار حالًا.” فتح شاشة التلفزيون، فظهر خبر عاجل بخط أحمر: “عودة رجل الأعمال سامر المصري لرئاسة مجموعة المصري العالمية بعد اختفاء دام عامًا كاملًا.” وقع فنجان القهوة من إيد كريم واتكسر على الأرض. المذيع كمل: “مصادر تؤكد بدء تحقيقات موسعة في قضايا فساد وغسل أموال تخص عددًا من رجال الأعمال.” كريم وقف بسرعة، وحاول يتصل بأكتر من شخص، لكن محدش رد عليه. لأول مرة من سنين، بدأ الخوف الحقيقي يظهر في عينيه، لأنه أدرك أن اللعبة اللي بدأها بنفسه… خرجت تمامًا من سيطرته.

كانت إيد كريم بتترعش وهو بيقلب بين القنوات. كل محطة إخبارية كانت بتتكلم عن الخبر نفسه. “عودة سامر المصري.” “رئيس مجموعة المصري العالمية يظهر لأول مرة بعد اختفائه.” “اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.” حس لأول مرة إن الأرض بتتهز تحت رجليه. مد إيده بسرعة للموبايل واتصل بهشام. التليفون مقفول. اتصل بمديره المالي. مقفول. اتصل بالمحامي الخاص بيه. رد بعد ثواني بصوت مرتبك: “يا فندم… الشرطة دخلت الشركة من عشر دقايق… وفيه أوامر بالتحفظ على ملفات كتير.” صرخ كريم: “امنعهم!” رد المحامي بيأس: “مفيش حد يقدر يمنعهم… الأوامر طالعة من النيابة.”
رمي كريم الموبايل على الأرض لدرجة إنه اتكسر. فضل ماشي رايح جاي في المكتب وهو بيحاول يفكر في مخرج. لكنه كان عارف إن سامر المصري مش من النوع اللي يرجع من الموت علشان ينتقم بكلام وبس. الراجل ده معروف إنه بيفكر لكل خطوة قبلها بعشر خطوات.
في نفس الوقت كنت قاعدة في مكتب سامر الواسع، ولسه حاسة إني في حلم. المكتب كان بسيط على غير اللي تخيلته. مفيش تحف غالية ولا مبالغة في الفخامة. مجرد مكتب خشب كبير، ومكتبة مليانة ملفات وكتب، وصورة لرجل كبير في السن معلقة على الحائط. سألت سامر: “مين الراجل ده؟” وقف قدام الصورة شوية وقال: “أبويا.” سكت لحظة قبل ما يكمل: “هو اللي بنى المجموعة من الصفر. وكان دايمًا يقولي إن الشركة لو قامت على الظلم، يوم ما تقع محدش هيزعل عليها.”
قعد على الكرسي وبصلي لأول مرة من ساعة ما دخلنا. قال: “أنا مدين ليكي باعتذار.” استغربت وسألته: “أنا؟ ليه؟” قال: “لأنك دخلتي حياتي في أصعب وقت فيها. واتجوزتيني من غير ما تعرفي الحقيقة.” هزيت راسي وقلت: “أنا اللي لازم أعتذر… كنت فاكرة إنك ضحية زيي.” ابتسم وقال: “إحنا الاتنين كنا ضحايا… كل واحد بطريقة مختلفة.”
قبل ما الحوار يكمل، الباب خبط. دخل مدير الأمن وقال: “يا فندم… فيه حد مصر يقابل حضرتك.” سامر سأله: “مين؟” رد: “بيقول إنه اسمه عم حسن.” أول ما سمع الاسم، ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية. قال: “دخلوه.”
بعد ثواني دخل راجل كبير في السن، هدومه بسيطة، ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان مبتسم. أول ما شاف سامر، حضنه بقوة وقال: “الحمد لله إنك بخير يا ابني.” استغربت. سامر عرفني بيه وقال: “ده عم حسن… الراجل اللي أنقذ حياتي.” بصلي عم حسن وقال: “لولا ستر ربنا، كنتي ما شوفتيهوش النهارده.” قعد يحكيلي إن يوم الحادث لقى سامر مرمي على جنب طريق صحراوي، فاقد الوعي، والناس كلها كانت فاكرة إنه ميت. هو الوحيد اللي لاحظ إنه لسه بيتنفس. أخده على عربيته القديمة، ولف بيه على كذا مستشفى لحد ما حد رضي يستقبله. وبعد ما خرج، فضل سامر عايش معاه شهور في أوضة صغيرة فوق ورشة نجارة، بعيد عن عيون الناس.
كنت بسمع الحكاية ودموعي بتنزل. راجل بسيط لا يملك إلا قوت يومه، أنقذ واحد يملك مليارات، من غير ما يعرف هو مين.
سامر فتح درج مكتبه، وطلع ملف أزرق، وحطه قدام عم حسن. الراجل استغرب وقال: “إيه ده؟” سامر ابتسم وقال: “عقد ملكية الورشة والأرض اللي حواليها… وكمان حساب باسمك فيه مبلغ يكفيك ويكفي ولادك وأحفادك.” عم حسن زعل وقال: “أنا معملتش ده علشان فلوس.” سامر مسك إيده وقال: “وأنا مش بديك الفلوس دي تمن اللي عملته… أنا برد جزء صغير من جميل عمره ما هيترد.”
في اللحظة دي دخل السكرتير بسرعة، وقال بقلق: “يا فندم… فيه خبر مهم.” سامر رفع عينه. السكرتير قال: “كريم الحديدي بدأ يبيع كل الأسهم اللي يقدر يبيعها… وبينقل جزء كبير من فلوسه لحسابات بره مصر.” سامر ابتسم ابتسامة هادئة، وقال: “كنت متوقع.” ثم فتح اللابتوب اللي قدامه، وضغط على زر واحد، وبعدها قال: “دلوقتي… الدور عليه يعرف يعني إيه لما الأرض تتحرك من تحت رجليه.”
بعد أقل من دقيقة، بدأت هواتف الموجودين في المكتب ترن في نفس الوقت، بينما ظهر على شاشات الأخبار خبر عاجل جديد… خبر كان كفيل يقلب إمبراطورية كريم الحديدي رأسًا على عقب.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *