دعوى طلاق حكايات اسما ×5
الفصل الثاني عشر
لو سقط كوب زجاجي على الأرض في تلك اللحظة…
لكان صوته أعلى من الصمت الذي ملأ الغرفة.
كريم لم يتحرك.
لم يرمش.
لم ينطق.
فقط ظل ينظر إلى عمر السيوفي.
وكأن عقله يرفض استيعاب ما سمعه.
ياسمين…
أخت عمر؟
مستحيل.
طوال ثلاث سنوات من زواجه منها…
لم تذكر له أخًا واحدًا.
ولا مرة.
ولا حتى في صورة عائلية.
قال أخيرًا بصوت جاف:
“إنت بتقول إيه؟”
ابتسم عمر ابتسامة باردة.
وأخرج صورة من ملف أمامه.
ثم دفعها نحوه.
كانت صورة قديمة.
ياسمين في عمر السادسة عشرة.
تقف بجوار شاب أكبر منها ببضع سنوات.
الشاب نفسه الجالس أمامه الآن.
شحب وجه كريم.
لأن الصورة لا تترك مجالًا للشك.
قال عمر:
“أختي الصغيرة.”
ثم نظر إلى فارس.
وأضاف:
“والسبب الرئيسي في نص الكوارث اللي حصلت خلال آخر سنين.”
—
في تلك اللحظة…
داخل فيلتها الخاصة في الشيخ زايد…
كانت ياسمين تشرب قهوتها بهدوء.
تشاهد الأخبار.
وتتابع كل ما يحدث.
وكأنها تعرف التفاصيل مسبقًا.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
ثم ابتسمت.
وأغلقت الاتصال دون أن ترد.
بعد دقيقة…
رن مرة أخرى.
المتصل هذه المرة كان كريم.
أغلقته أيضًا.
ثم همست لنفسها:
“عرفت أخيرًا.”
لم يكن في صوتها خوف.
ولا قلق.
بل ارتياح.
وكأن لحظة انكشاف السر كانت متوقعة منذ سنوات.
—
عاد الجميع للنظر إلى عمر.
فسأله آدم:
“إنت عرفت كل ده إزاي؟”
تنهد عمر.
ثم قال:
“لأني كنت قريب من الأحداث أكتر مما تتخيلوا.”
رفع ملفًا سميكًا.
ووضعه على الطاولة.
ثم فتحه.
الملف كان مليئًا بالصور.
رسائل.
تحويلات مالية.
تسجيلات.
وتقارير متابعة.
قال:
“بعد ما اكتشفت حقيقتي من سنين…”
“بدأت أراقب كل حاجة.”
ثم أخرج صورة جديدة.
ووضعها أمام كريم.
شحب وجهه فورًا.
الصورة كانت له.
هو وياسمين.
في أحد المطاعم.
قبل الطلاق من سارة بعدة شهور.
قال عمر:
“دي أول مقابلة بينكم.”
ثم أخرج صورة ثانية.
وثالثة.
ورابعة.
كلها موثقة بالتواريخ.
كلها قبل إعلان الطلاق بوقت طويل.
قال كريم ببطء:
“إنت كنت بتراقبنا؟”
رد عمر:
“كنت براقبها.”
ثم أضاف:
“لأن ياسمين ما كانتش بتحبك يا كريم.”
ساد الصمت.
كلمات قليلة.
لكنها كانت أشد من الصفعات.
رفع كريم رأسه.
وعيناه مليئتان بالغضب.
“إنت ما تعرفش حاجة.”
ضحك عمر.
ضحكة قصيرة بلا سعادة.
ثم قال:
“للأسف أعرف أكتر مما تتخيل.”
وأخرج ظرفًا صغيرًا.
فتح الظرف.
وأخرج رسالة مطبوعة.
ثم دفعها نحوه.
كانت رسالة إلكترونية.
مرسلة من ياسمين إلى شخص مجهول.
تاريخها قبل سنوات.
قرأ كريم أول سطر.
وشعر بقلبه يهبط إلى قدميه.
“الدكتور كريم الشاذلي مناسب جدًا.”
رفع رأسه.
بعدم فهم.
لكن عمر أكمل القراءة بنفسه.
“طموح.”
“ذكي.”
“سهل التأثير عليه لو تم تقديم النفوذ بشكل صحيح.”
ثم رفع عينيه نحو كريم.
وقال:
“أنت ما كنتش زوج.”
“ولا حبيب.”
“كنت مشروع.”
—
داخل الفيلا…
توقفت ياسمين عن شرب القهوة.
وكأنها شعرت بشيء ما.
نهضت.
واتجهت نحو النافذة.
ونظرت إلى أضواء القاهرة البعيدة.
ثم أغمضت عينيها.
وتذكرت أول لقاء بينها وبين كريم.
لم تكن صدفة.
لم تكن قصة حب.
ولم تكن إعجابًا.
كانت مهمة.
في البداية فقط.
هكذا بدأت.
لكن الأمور تعقدت بعد ذلك.
تعقدت أكثر مما توقعت هي نفسها.
—
في القصر…
استمر عمر بالكلام.
“أختي كانت جزءًا من خطة أوسع.”
قال آدم:
“خطة إيه؟”
أجاب:
“خطة للوصول إلى شبكات المستشفيات.”
“والاستثمارات الطبية.”
“والناس المؤثرة داخل القطاع.”
ثم أضاف:
“كريم كان مجرد بوابة.”
نظر كريم إليه بذهول.
أما فارس فظل صامتًا.
لأنه بدأ يرى الصورة كاملة.
صورة أكبر بكثير من مجرد خيانة زوجية.
أكبر من مجرد زواج.
أكبر من مجرد مال.
قال عمر:
“المشكلة إن ياسمين خرجت عن الخطة بعد فترة.”
سأل آدم:
“يعني إيه؟”
هنا فقط…
اختفت ابتسامة عمر.
وقال:
“يعني بقت تلعب لحسابها الشخصي.”
—
وفي نفس اللحظة…
دخل أحد رجال الأمن إلى المكتب بسرعة.
كان يحمل جهازًا لوحيًا.
ووجهه متوتر.
قال:
“يا فندم…”
رفع فارس رأسه.
“في إيه؟”
أجاب الرجل:
“في تحويلات مالية ضخمة حصلت من ساعة.”
اقترب.
ووضع الجهاز أمامهم.
أرقام بالمليارات.
حسابات دولية.
شركات واجهة.
وحركة أموال سريعة جدًا.
نظر عمر إلى الشاشة.
وفجأة…
وقف من مكانه.
بشكل عنيف.
قال آدم:
“مالك؟”
لكن عمر لم يجب.
ظل يحدق في أحد الأسماء.
ثم قال بصوت خافت:
“لا…”
“مش ممكن.”
سأله فارس:
“إيه؟”
رفع عمر رأسه ببطء.
وكانت الصدمة واضحة على وجهه.
ثم قال:
“ياسمين ما بتهربش فلوس.”
ساد الصمت.
وأضاف:
“ياسمين بتستعد للهروب.”
تبادل الجميع النظرات.
قبل أن يكمل:
“ومن حجم الأموال…”
“واضح إنها ناوية تختفي للأبد.”
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ثوانٍ.
عندما وصل إشعار جديد على الجهاز.
إشعار واحد فقط.
صورة التقطت قبل دقائق في مطار القاهرة.
وياسمين تقف فيها بجوار رجل مجهول.
رجل كان الجميع يعتقد أنه مات منذ سنوات.
وحين رأى فارس الصورة…
سقط الجهاز من يده.
لأن الرجل الواقف بجوار ياسمين…
لم يكن سوى كمال المنصور نفسه.
الشريك الخائن.
والرجل الذي بدأت بسببه كل هذه الحروب منذ ثمانية وعشرين عامًا.
والذي كان من المفترض أنه مات منذ أكثر من عشرين سنة.
الفصل الثالث عشر
لم يتحرك أحد.
كأن الزمن توقف داخل المكتب.
الصورة ما زالت ظاهرة على الشاشة.
كمال المنصور.
حي.
يقف بجوار ياسمين.
في مطار القاهرة.
بملامحه نفسها تقريبًا.
أكبر سنًا.
لكن لا يمكن الخطأ في التعرف عليه.
فارس الدهبي كان أول من استعاد صوته.
جلس ببطء على الكرسي.
ثم قال:
“يبقى كنت صح.”
نظر إليه آدم.
“كنت عارف إنه عايش؟”
هز فارس رأسه.
“ماكنتش عارف.”
ثم أضاف:
“لكن عمري ما صدقت إنه مات.”
ساد الصمت.
وأكمل:
“كمال ما كانش من النوع اللي يقبل الهزيمة.”
“ولا من النوع اللي يختفي.”
“ولو اختفى…”
“يبقى بيخطط.”
—
قبل ثمانية وعشرين سنة…
كان كمال المنصور أذكى الأربعة.
على الأقل هكذا ظن الجميع.
يفكر أسرع.
يتفاوض أفضل.
ويقرأ الناس بشكل مرعب.
لكنه كان يملك مشكلة واحدة.
الطمع.
كلما كسب مليونًا…
أراد عشرة.
وكلما حصل على شركة…
أراد إمبراطورية.
وفي الوقت الذي كان فيه فارس وباقي الشركاء يبنون الشركات…
كان كمال يبني شبكة مختلفة.
شبكة من الحسابات السرية.
والعقود المزورة.
والرجال الذين يعملون في الظل.
حتى جاءت اللحظة التي انكشف فيها جزء من الحقيقة.
وعندما شعر أن سقوطه قريب…
اختفى.
واختفى معه جزء من الأسرار.
وظن الجميع أن اللعبة انتهت.
لكن الحقيقة…
أن اللعبة كانت تبدأ فقط.
—
في نفس الوقت…
كانت طائرة خاصة تستعد للإقلاع.
داخلها جلست ياسمين.
تنظر من النافذة.
وبجوارها رجل تجاوز السبعين.
لكن حضوره ما زال مخيفًا.
كمال المنصور.
نظر إليها.
وقال:
“متأكدة إنك جاهزة؟”
ابتسمت.
“بعد كل اللي حصل؟”
“أكتر من أي وقت.”
أومأ برأسه.
ثم قال:
“أنا اخترتك من زمان.”
نظرت إليه.
فأكمل:
“من يوم ما شفتك أول مرة.”
“عرفت إن عندك نفس الحاجة اللي عندي.”
رفعت حاجبها.
“الذكاء؟”
ضحك.
وقال:
“الجوع.”
—
داخل القصر…
كان عمر يقرأ الملفات بسرعة.
وفجأة…
رفع رأسه.
وقال:
“يا نهار أبيض.”
نظر إليه آدم.
“في إيه؟”
دفع الملف نحوه.
وأشار إلى صفحة محددة.
كانت تحتوي على أسماء كثيرة.
وأرقام حسابات.
وتواريخ.
لكن اسمًا واحدًا جذب الانتباه فورًا.
اسم والد ياسمين.
رئيس مجلس إدارة مستشفى السلام الدولي.
قال آدم:
“إيه المشكلة؟”
أجاب عمر:
“المشكلة إن الراجل ده ما كانش شريك.”
“كان موظف.”
تجمد كريم.
لأنه يعرف الرجل جيدًا.
بل عاش سنوات وهو يعتقد أنه واحد من أقوى رجال القطاع الطبي.
لكن عمر أكمل:
“كل ثروته جاية من مصدر واحد.”
“كمال المنصور.”
بدأت الصورة تتضح.
ببطء.
وبشكل مرعب.
ياسمين لم تكن مجرد ابنة رجل أعمال.
كانت جزءًا من مشروع كامل.
تمت تربيته وإعداده منذ سنوات طويلة.
—
أما كريم…
فبدأ يستوعب شيئًا آخر.
شيئًا أكثر إيلامًا.
قال بصوت خافت:
“يعني…”
ثم توقف.
بلع ريقه.
وأكمل:
“لما قربت مني…”
نظر إليه عمر.
وأجاب مباشرة:
“كان بأوامر.”
شعر كريم كأن أحدهم لكمه في صدره.
تذكر كل شيء.
أول لقاء.
أول رسالة.
أول موعد.
كل اللحظات التي اعتقد أنها حقيقية.
كل الابتسامات.
كل الكلمات.
كل الوعود.
هل كانت كلها تمثيلًا؟
أغلق عينيه.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر بالخجل من نفسه.
ليس لأنه خسر سارة.
بل لأنه باعها بسهولة.
مقابل وهم.
—
وفجأة…
رن هاتف فارس.
نظر إلى الشاشة.
ثم رد.
استمع لعشر ثوانٍ فقط.
لكن وجهه تغير بالكامل.
أغلق الخط ببطء.
ثم قال:
“لقينا مكانهم.”
قفز آدم من مكانه.
“فين؟”
أجاب:
“في الساحل.”
“مطار خاص.”
نظر عمر إلى ساعته.
ثم قال:
“لو اتحركنا دلوقتي ممكن نلحقهم.”
لكن فارس هز رأسه.
وقال جملة غريبة:
“هما مش بيهربوا.”
تبادل الجميع النظرات.
فسأله آدم:
“أمال بيعملوا إيه؟”
نظر فارس إلى الصورة مرة أخرى.
ثم قال:
“كمال ما رجعش بعد 28 سنة علشان يجري.”
“رجع علشان يضرب الضربة الأخيرة.”
—
بعد ساعة واحدة…
كانت طائرة أخرى تهبط في الساحل.
على متنها فارس.
آدم.
عمر.
وكريم.
وصلوا إلى المطار الخاص.
لكنهم تأخروا.
الطائرة التي كانت تقل كمال وياسمين أقلعت بالفعل.
وقف آدم بغضب.
“هربوا.”
لكن عمر كان يحدق في المدرج.
ثم قال:
“لا.”
أشار إلى أحد العمال.
وركض نحوه.
وبعد دقائق عاد.
وعيناه متسعتان.
قال:
“عندنا مشكلة أكبر.”
سأله فارس:
“إيه هي؟”
أجاب:
“الطائرة متجهة للقاهرة.”
اتسعت أعين الجميع.
قال آدم:
“إيه؟”
“إزاي؟”
رد عمر:
“هما ما سافروش بره البلد.”
ثم أضاف بصوت منخفض:
“هما راجعين.”
ساد الصمت.
قبل أن يكمل:
“والهدف مش الهروب.”
“الهدف الاجتماع السنوي لتحالف الشركات.”
تجمد فارس.
لأن الاجتماع سيقام بعد أقل من 24 ساعة.
وسيحضره كبار المستثمرين.
والبنوك.
والشركاء.
والإعلام.
وكل أصحاب النفوذ.
ثم فهم.
فهم أخيرًا ما يريده كمال.
لم يكن يريد المال.
ولا الانتقام فقط.
كان يريد شيئًا أكبر.
كان يريد أن يدمرهم جميعًا…
على الهواء مباشرة.
وفي نفس اللحظة…
داخل طائرة كمال الخاصة.
أغلقت ياسمين جهازها اللوحي.
ثم ابتسمت.
وقالت:
“كلهم هيتجمعوا بكرة.”
ابتسم كمال بدوره.
وقال:
“وأخيرًا…”
ثم أخرج من حقيبته ملفًا أحمر سميكًا.
وضعه أمامه.
وأضاف:
“هقول الحقيقة اللي مخبيينها من ثلاثين سنة.”
لكن ياسمين لم تبتسم هذه المرة.
لأنها قرأت أول صفحة من الملف.
ورأت شيئًا لم تره من قبل.
شيئًا جعل لون وجهها يتغير.
وشيئًا جعلها تدرك…
أن حتى هي نفسها…
لم تكن تعرف الحقيقة كاملة.
الفصل الرابع عشر
صباح اليوم التالي…
لم يكن يومًا عاديًا في القاهرة.
منذ الساعات الأولى للفجر…
بدأت السيارات السوداء تتوافد إلى مركز المؤتمرات الدولي.
كاميرات القنوات الاقتصادية.
الصحفيون.
رجال الأعمال.
رؤساء البنوك.
وممثلو أكبر الشركات.
الجميع حضر.
لأن الاجتماع السنوي لتحالف الشركات لم يكن مجرد مؤتمر.
كان الحدث الاقتصادي الأهم في العام كله.
لكن أحدًا لم يكن يعلم…
أن الاقتصاد سيكون آخر شيء سيتحدث عنه الناس قبل نهاية اليوم.
—
في الجناح الخاص…
كانت سارة تحمل طفلها الصغير.
وتراقبه وهو نائم.
منذ أيام فقط…
كانت كل أحلامها تقتصر على البقاء.
أما الآن…
فوجدت نفسها في قلب حرب عمرها عقود.
دخل آدم.
واقترب منها.
ثم قبل جبينها.
وقال:
“جاهزة؟”
ابتسمت ابتسامة متعبة.
“للأسف لأ.”
ضحك بخفة.
ثم جلس بجوارها.
لكن قبل أن يتكلم…
دخل فارس.
وكان وجهه متجهمًا بشكل غير معتاد.
نظر إليهما.
ثم قال:
“كمال وصل.”
اختفت الابتسامة فورًا.
—
في القاعة الرئيسية…
بدأ الاجتماع.
الكلمات الرسمية.
العروض الاقتصادية.
الأرقام.
المشروعات.
كل شيء سار بشكل طبيعي.
حتى الساعة الحادية عشرة وسبع دقائق.
حين انطفأت الشاشة الرئيسية فجأة.
ساد الهمس بين الحضور.
ثم ظهرت صورة واحدة.
صورة قديمة جدًا.
بالأبيض والأسود.
أربعة رجال شباب يقفون أمام أول شركة أسسوها.
الشركاء الأربعة.
فارس الدهبي.
والد آدم.
كمال المنصور.
والشريك الرابع.
تجمدت القاعة.
وفي اللحظة التالية…
ظهر كمال بنفسه على المنصة.
وكأن شبحًا خرج من الماضي.
شهقت القاعة.
بعض الحضور وقفوا من أماكنهم.
والبعض ظن أنه يرى حلمًا.
أما فارس…
فأغلق عينيه للحظة.
وقال بصوت خافت:
“ابتدت.”
—
وقف كمال أمام الميكروفون.
بهدوء غريب.
ثم قال:
“صباح الخير.”
لم يرد أحد.
فابتسم.
وأكمل:
“أعرف إنكم مستغربين.”
“لكن الحقيقة إن في ناس كتير هنا عاشت سنين وهي مصدقة أكاذيب.”
ثم أشار إلى الشاشة.
فظهرت وثائق قديمة.
وصور.
وعقود.
قال:
“طوال 28 سنة…”
“كل طرف في القصة حكى نسخته.”
“النهاردة جه وقت الحقيقة.”
—
داخل الصفوف الأمامية…
شعر آدم بالتوتر.
بينما سارة كانت تنظر للشاشة في صمت.
أما كريم…
فكان يشعر أن شيئًا كارثيًا قادم.
لأنه عرف كمال بما يكفي خلال الملفات.
الرجل لا يتحرك إلا إذا كان يملك س*لاحًا حقيقيًا.
—
رفع كمال ملفًا أحمر.
ثم قال:
“كل الناس عرفت إن سارة بنت فارس الدهبي.”
التفتت الأنظار نحو سارة.
لكن كمال رفع إصبعه.
وأضاف:
“دي مش المفاجأة.”
ساد الصمت.
ثم فتح الملف.
وأخرج ورقة صفراء قديمة.
وقال:
“المفاجأة الحقيقية…”
“إن فارس الدهبي نفسه ما كانش يعرف كل الحقيقة.”
—
تجمد فارس.
لأول مرة.
بدا عليه الارتباك.
قال آدم بغضب:
“إنت بتلعب إيه؟”
لكن كمال تجاهله.
ونظر مباشرة إلى سارة.
ثم قال:
“أمك أخفت أسرار أكتر مما تتخيلي.”
شعرت سارة ببرودة تسري في جسدها.
وأمسكت يد آدم دون أن تشعر.
—
ظهرت صورة جديدة على الشاشة.
صورة لامرأة شابة.
والدة سارة.
لكنها لم تكن وحدها.
كان بجوارها رجل آخر.
غير فارس.
رجل لم يره أحد من قبل.
همس الحضور.
أما سارة…
فحدقت في الصورة.
غير مصدقة.
قال كمال:
“قبل زواج أمك من فارس…”
“كانت مخطوبة لشخص تاني.”
ثم رفع ورقة جديدة.
وأضاف:
“وفي فترة معينة…”
“كان في شكوك حوالين نسب الطفلة.”
انفجرت القاعة بالهمسات.
أما آدم فوقف فورًا.
وقال بغضب:
“بس!”
لكن كمال لم يتوقف.
بل أكمل:
“علشان كده…”
“تم إجراء تحليل سري وقتها.”
شحب وجه فارس.
لأنه تذكر.
تذكر شيئًا دفنه الزمن.
شيئًا حدث فعلًا.
قبل عشرات السنين.
شيئًا رفض وقتها أن يصدقه.
—
ثم رفع كمال ورقة أخيرة.
وقال:
“والنتيجة موجودة هنا.”
ساد صمت مطبق.
حتى أن صوت أجهزة التكييف أصبح مسموعًا.
نظرت سارة إلى فارس.
فرأت لأول مرة خوفًا حقيقيًا في عينيه.
ليس خوف رجل أعمال.
ولا خوف أب.
بل خوف إنسان يخشى فقدان ابنته.
—
لكن قبل أن يقرأ كمال النتيجة…
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
وقف عمر السيوفي فجأة.
من آخر القاعة.
وقال بصوت مرتفع:
“كفاية كذب.”
التفت الجميع إليه.
بينما تجمد كمال.
لأول مرة.
قال عمر:
“وريني الصفحة الأخيرة.”
ابتسم كمال بسخرية.
“إنت مالك؟”
رد عمر:
“عشان الصفحة اللي في إيدك ناقصة.”
ساد الصمت.
وأخرج عمر ملفًا آخر.
نسخة أصلية.
غير منقوصة.
ثم رفعها أمام الجميع.
وقال:
“وأنا معايا باقي الحقيقة.”
وهنا فقط…
بدأت ملامح كمال تتغير.
لأن للمرة الأولى…
خرج شيء عن سيطرته.
ولأن السر الذي كان يظن أنه سيدمر الجميع…
قد يكون هو نفسه السبب في سقوطه.
أما سارة…
فجلست مكانها.
وقلبها يدق بعنف.
لأنها لم تعد تعرف أي حقيقة تصدق.
ولا أي حياة كانت تعيشها أصلًا.
وكانت تعلم…
أن الدقائق القادمة…
ستغير كل شيء إلى الأبد.
الفصل الخامس عشر
لم يكن هناك صوت داخل القاعة.
ألفا شخص تقريبًا.
ورغم ذلك…
كان الصمت كاملًا.
الجميع ينظر إلى عمر السيوفي.
الذي وقف في منتصف القاعة ممسكًا بالملف الأصلي.
بينما كان كمال المنصور على المنصة.
وعيناه لا تفارقان الأوراق.
لأول مرة منذ ظهوره…
لم يكن يبدو واثقًا.
وهذا وحده أخاف الحاضرين أكثر من أي شيء آخر.
قال عمر بهدوء:
“إنت عرضت جزء من الحقيقة.”
ثم رفع الملف.
وأضاف:
“لكنك خبيت الباقي.”
ضحك كمال.
لكن ضحكته خرجت متوترة.
“وأنت طبعًا هتبقى بطل الحكاية؟”
رد عمر:
“لا.”
“أنا مجرد شخص تعب من الكذب.”
—
فتح الملف.
وأخرج أول ورقة.
كانت نسخة من تحليل النسب القديم.
نفس التحليل الذي كان كمال يلوح به.
قال عمر:
“أيوه.”
“التحليل ده اتعمل فعلًا.”
التفت الجميع إلى سارة.
أما هي…
فشعرت أن أنفاسها تختنق.
ثم أكمل:
“لكن كمال نسي يقول حاجة مهمة.”
رفع ورقة ثانية.
وقال:
“التحليل الأول كان فيه خطأ معملي.”
همسات انتشرت في القاعة.
أما كمال…
فبدأ وجهه يشحب.
وأخرج عمر مستندًا آخر.
وقال:
“بعدها بثلاث شهور…”
“اتعمل تحليل تاني.”
“بحضور المحكمة.”
“وبحضور المحامي الرسمي.”
ثم رفع الورقة أمام الكاميرات.
وقال:
“وأكد بنسبة كاملة إن سارة ابنة فارس الدهبي.”
انفجرت القاعة بالضجيج.
أما سارة…
فأغمضت عينيها.
وكأن حملًا ثقيلًا سقط عن كتفيها.
بينما جلس فارس مكانه.
وأول دمعة ظهرت في عينيه منذ سنوات طويلة.
—
لكن عمر لم ينتهِ.
بل أغلق الملف الأول.
ثم فتح ملفًا آخر.
وقال:
“دي كانت الكذبة الأولى.”
“لكن الكذبة الأكبر لسه.”
شحب وجه كمال أكثر.
وقال بعصبية:
“اقفل الملف ده.”
ابتسم عمر.
وقال:
“خايف؟”
—
ثم أخرج عقدًا قديمًا.
عمره يقارب الثلاثين عامًا.
موقعًا من الشركاء الأربعة.
وأشار إلى فقرة محددة.
وقال:
“هنا البداية الحقيقية.”
اقتربت الكاميرات.
وظهرت الكلمات على الشاشة العملاقة.
كان العقد ينص على شيء غريب.
شيء لم يعرفه أحد.
في حالة وفاة أي شريك…
لا تنتقل حصته تلقائيًا لأفراد عائلته.
بل تُراجع وفق لجنة أمناء مستقلة.
قال عمر:
“يعني كل السنين اللي فاتت…”
“كمال كان عارف إنه عمره ما هيملك الشركات قانونيًا.”
نظر الجميع إلى كمال.
الذي لم يعد قادرًا على إخفاء غضبه.
—
ثم أخرج عمر ورقة ثالثة.
وقال:
“ودي أهم ورقة.”
تجمد كمال.
بل وتقدم خطوة للأمام.
وكأنه يريد انتزاعها بالقوة.
لكن رجال الأمن تحركوا فورًا.
قال عمر:
“الورقة دي اتكتبت قبل اختفاء كمال بسنة.”
ثم بدأ يقرأ.
ومع كل كلمة…
كان وجه كمال ينهار أكثر.
لأن الورقة لم تكن عقدًا.
ولا وصية.
كانت اعترافًا بخط يده.
اعترافًا كاملًا.
بسرقة الأموال.
وتزوير العقود.
وإنشاء الحسابات الوهمية.
وحتى ترتيب الحوادث التي دمرت حياة شركائه.
—
شعر الحاضرون بالصدمة.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد ذلك.
حين قلب عمر الصفحة الأخيرة.
وتوقف.
ثم رفع رأسه.
ونظر مباشرة إلى ياسمين.
التي كانت تتابع كل شيء بصمت.
وقال:
“وأخيرًا…”
“الحقيقة اللي محدش كان يعرفها.”
شحب وجه ياسمين فجأة.
قالت:
“عمر…”
لكنه أكمل.
“إنتِ مش حفيدة كمال.”
ساد الصمت.
ثم ساد صمت أكبر.
وكأن القاعة كلها توقفت عن التنفس.
أما ياسمين…
فبدت كأن أحدهم سحب الأرض من تحتها.
همست:
“إيه؟”
—
نظر عمر إلى الورقة.
ثم قال:
“بعد مراجعة كل السجلات القديمة…”
“اتضح إنك اتبنيتي.”
شهقات خرجت من أماكن مختلفة.
أما كمال…
فأغلق عينيه.
وكأنه يعرف أن النهاية وصلت.
قال عمر:
“كمال أخفاكي.”
“ورباكي.”
“واستخدمك.”
“لكنك مش من دمه.”
شعرت ياسمين أن العالم يدور حولها.
كل شيء انهار.
كل ما بنت عليه هويتها.
كل ما صدقته عن نفسها.
اختفى فجأة.
—
لكن الحقيقة لم تتوقف هنا.
بل رفع عمر الورقة الأخيرة.
وقال:
“أما الشخص اللي كان كمال بيحاول يخفيه فعلًا…”
“فهو موجود هنا.”
نظر الجميع حولهم.
بذهول.
وترقب.
وخوف.
ثم رفع عمر إصبعه.
وأشار إلى شخص لم يتوقعه أحد.
شخص كان موجودًا طوال الوقت.
داخل القاعة.
بينهم.
ويراقب كل شيء بصمت.
وحين التفتت الأنظار إليه…
شحب وجه فارس.
واتسعت عينا آدم.
أما كريم…
فوقف فجأة من مكانه.
غير مصدق ما يراه.
لأن الشخص الذي أشار إليه عمر…
لم يكن رجل أعمال.
ولا محاميًا.
ولا وريثًا مشهورًا.
بل شخصًا عرفوه جميعًا منذ البداية.
شخصًا كان قريبًا من كل الأحداث.
أكثر مما تخيلوا.
والأخطر…
أن ظهوره بهذه الحقيقة الجديدة…
قد يقلب الإمبراطوريتين بالكامل.
لكن قبل أن ينطق عمر بالاسم…
انطفأت أنوار القاعة كلها فجأة.
وغرقت القاعة في الظلام.
يتبع
