جاكت جلد حكـايـات أسمـا ×3

تجمدت مكاني وأنا ببص للهاتف.

 

آخر كلمة قالها كريم كانت بتتردد في ودني كأنها صدى:

 

“خليكي بعيدة عن نادر… لأنه عرف إنك بدأتي تدوري.”

 

فضلت قاعدة على الكنبة لحد الفجر.

 

لا عارفة أبكي.

 

ولا عارفة أفرح.

 

ابني حي.

 

سمعت صوته.

 

بعد سنة كاملة.

 

لكن في نفس الوقت…

 

واضح إنه في خطر.

 

وخطر كبير.

 

أول ما طلعت الشمس اتصلت بليلى.

 

حكيت لها اللي حصل.

 

سكتت ثواني.

 

وبعدين قالت:

 

“لازم نبلغ الشرطة.”

 

لكن حاجة جوايا كانت رافضة.

 

طوال سنة كاملة الشرطة ما قدرتش توصله.

 

ولو كريم بنفسه ما راحش لهم رغم كل اللي يعرفه…

 

أكيد كان عنده سبب.

 

وفجأة افتكرت حاجة.

 

المكالمة.

 

كان فيه أصوات في الخلفية.

 

أصوات معينة.

 

قعدت أسمع التسجيل اللي سجله هاتفي للمكالمة أكتر من عشر مرات.

 

وفي كل مرة كنت أركز أكتر.

 

إلى أن سمعتها.

 

صفارة طويلة.

 

ثم صوت معدني ثقيل.

 

ثم صفارة ثانية.

 

وقفت فجأة.

 

أنا أعرف الأصوات دي.

 

ميناء القطارات القديم.

 

المكان المهجور القريب من الميناء البحري.

 

المكان اللي اتقفل من سنين.

 

اتصلت بليلى فورًا.

 

ولما سمعت التسجيل قالت نفس الكلام.

 

“أيوة… ده المكان.”

 

…

 

في المساء تحركنا.

 

أنا وليلى فقط.

 

عارفة إنه تصرف متهور.

 

لكن قلبي كان بيقودني.

 

وصلنا للمكان قبل المغرب.

 

السور كان متهالك.

 

والعشب طالع في كل مكان.

 

والمخازن القديمة واقفة كأنها أشباح من زمن تاني.

 

دخلنا بحذر.

 

وكان المكان ساكت بشكل مرعب.

 

إلى أن لاحظت ليلى حاجة.

 

أثر نار.

 

حد كان موجود هنا قريب.

 

مش من شهور.

 

من أيام.

 

مشينا وراء الآثار.

 

لحد ما وصلنا لمخزن صغير في آخر المنطقة.

 

الباب كان مقفول بقفل قديم.

 

لكن واضح إنه اتفتح واتقفل مؤخرًا.

 

قلبي كان هيقف.

 

نظرت إلى ليلى.

 

ثم دفعت الباب بكل قوتي.

 

صرير طويل خرج منه.

 

ودخلنا.

 

في البداية ما شفتش حاجة.

 

لكن بعدها بلحظات لمحت مرتبة قديمة.

 

وزجاجات مياه.

 

وعلب أكل.

 

وشاحن هاتف.

 

حد كان عايش هنا.

 

حد قريب جدًا.

 

بدأت أفتش بجنون.

 

إلى أن وجدت حقيبة مدرسية قديمة تحت المرتبة.

 

فتحتها بسرعة.

 

وكانت الصدمة.

 

دفاتر كريم.

 

بخط إيده.

 

وكتاب الفيزياء اللي كان بيذاكر منه قبل اختفائه.

 

جلست على الأرض أبكي.

 

ابني كان هنا.

 

هنا بالضبط.

 

لكن السؤال:

 

فين راح؟

 

وفجأة صرخت ليلى.

 

جريت نحوها.

 

كانت واقفة أمام الحائط الخلفي.

 

وأشارت إلى شيء محفور عليه.

 

اقتربت.

 

وقرأت الكلمات.

 

“لو وصلتم هنا… يبقى أنا اتأخرت.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

كان خط كريم.

 

كملنا القراءة.

 

“ما تقلقوش عليا. أنا بخير. لكن لو رجعتوا تدوروا لازم تعرفوا الحقيقة كاملة.”

 

ثم وجدنا سهمًا مرسومًا ناحية قطعة خشب مفكوكة في الأرض.

 

رفعناها.

 

وتحتها وجدنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

 

فتحته بإيد مرتعشة.

 

وفي الداخل…

 

فلاشة إلكترونية.

 

وعدة صور.

 

وأوراق.

 

بدأت أقلب الصور.

 

وفي كل صورة كان نادر موجودًا.

 

لكن ليس وحده.

 

كان مع رجال آخرين.

 

وبجانبهم شباب صغار.

 

وبعض أطفال الشوارع.

 

أما الأوراق فكانت كشوف تحويلات مالية.

 

ومستندات.

 

وأسماء.

 

وتواريخ.

 

كل شيء.

 

كل شيء كان موجودًا.

 

كريم جمع الأدلة كلها.

 

وبعدها فهمت لماذا كان مطاردًا.

 

لأنه كان يملك ما يكفي لإسقاطهم جميعًا.

 

…

 

في نفس اللحظة تقريبًا.

 

سمعنا صوت سيارة تتوقف بالخارج.

 

تجمدنا.

 

ثم سمعنا أبوابًا تُفتح.

 

وأصوات رجال.

 

كثير من الرجال.

 

همست ليلى:

 

“إحنا لازم نمشي.”

 

لكن الوقت فات.

 

سمعنا صوت خطوات تقترب من المخزن.

 

ثم صوت رجل يقول:

 

“فتشوا المكان كله.”

 

قلبي كان بيدق بجنون.

 

اختبأنا خلف أكوام الصناديق القديمة.

 

والخطوات تقترب أكثر.

 

وأكثر.

 

ثم سمعت الصوت.

 

الصوت اللي سمعته عشرات المرات في بيتنا.

 

صوت نادر.

 

“أنا متأكد إنهم جم هنا.”

 

شعرت بالغثيان.

 

كان على بعد أمتار فقط.

 

أمتار قليلة.

 

لو تحرك خطوة إضافية هيرانا.

 

مرت ثوانٍ بدت كأنها ساعات.

 

ثم فجأة…

 

سمعنا صفارة شرطة في الخارج.

 

أصوات عالية.

 

وصراخ.

 

وجري.

 

الرجال ارتبكوا.

 

ونادر شتم بصوت مرتفع.

 

ثم بدأوا يهربون.

 

بعد دقائق خرجنا بحذر.

 

وكانت سيارات الشرطة تحيط بالمكان.

 

في البداية خفت.

 

لكن المفاجأة كانت أن الشخص الذي اتصل بالشرطة لم يكن أنا ولا ليلى.

 

أحدهم سبقنا.

 

أحدهم كان يراقب المكان.

 

وأراد حمايتنا.

 

…

 

في نفس الليلة.

 

تم القبض على عدة أشخاص.

 

لكن نادر هرب.

 

اختفى.

 

كأنه تبخر.

 

أما الأدلة التي جمعها كريم فكانت كافية لفتح أكبر تحقيق شهدته المدينة منذ سنوات.

 

ومع ذلك…

 

لم يكن هذا ما يشغلني.

 

كان هناك سؤال واحد فقط.

 

أين كريم؟

 

…

 

بعد ثلاثة أيام.

 

بينما كنت جالسة في البيت.

 

سمعت طرقًا على الباب.

 

فتحت.

 

فوجدت شابًا يقف بالخارج.

 

نحيفًا.

 

متعبًا.

 

ملامحه مختلفة قليلًا.

 

ولحيته طويلة.

 

لكن عينيه…

 

كانت نفس عيون ابني.

 

توقفت أنفاسي.

 

وتوقفت الدنيا كلها.

 

همس الشاب:

 

“ماما.”

 

وانهرت.

 

بكيت كما لم أبكِ في حياتي.

 

وضممته بكل قوتي.

 

كأنه لو ابتعد ثانية واحدة سيختفي من جديد.

 

ظل كريم يبكي هو الآخر.

 

وبعد دقائق طويلة جلسنا.

 

وحكى كل شيء.

 

كيف ظل مختبئًا.

 

وكيف تنقل بين أماكن كثيرة.

 

وكيف ساعده بعض الغرباء الطيبين.

 

وكيف كان يتابع أخبارنا من بعيد.

 

قال إنه حاول العودة أكثر من مرة.

 

لكن كلما اقترب شعر أن الخطر سيصل إلينا.

 

لذلك اختار الابتعاد.

 

واختار أن يجمع الأدلة أولًا.

 

ثم يعود.

 

…

 

بعد أشهر.

 

تم القبض على نادر أخيرًا في محافظة أخرى.

 

وأُغلق الملف الذي سرق منا سنة كاملة من العمر.

 

أما كريم…

 

فعاد للمدرسة.

 

لم يعد ذلك الطفل الذي خرج صباح الثلاثاء.

 

السنة التي عاشها غيّرته.

 

وجعلته أكبر من عمره بكثير.

 

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

 

قلبه.

 

ذلك القلب الذي جعل رجلًا مشردًا يحتفظ بجاكيت قديم سنة كاملة لأنه لم ينسَ الشاب الذي أنقذه وأطعمه حين تجاهله الجميع.

 

وفي بعض الليالي…

 

أجلس في غرفته بعد أن ينام.

 

أنظر إلى الجاكيت المعلق على الحائط.

 

الرقعة الصغيرة على شكل جيتار ما زالت في مكانها.

 

وبقعة الدهان ما زالت كما هي.

 

فأبتسم.

 

وأحمد الله.

 

لأن النهاية التي كنت أخشاها طوال سنة…

 

لم تكن النهاية التي كتبها القدر لنا.

 

كانت مجرد بداية جديدة.

الفصل الأخير: الحقيقة التي أخفاها كريم

 

رغم عودة كريم للبيت، كان فيه حاجة غلط.

 

كنت ألاحظها كل يوم.

 

يضحك معنا.

 

يجلس على السفرة.

 

يرجع للمدرسة.

 

لكن عينيه…

 

كانت تحمل سرًا لم يخبرنا به.

 

في إحدى الليالي، دخلت غرفته بعد منتصف الليل.

 

وجدته جالسًا أمام النافذة.

 

ينظر للشارع بصمت.

 

قلت له بهدوء:

 

“لسه فيه حاجة مخبيها يا كريم؟”

 

سكت طويلًا.

 

ثم قال:

 

“أيوة.”

 

شعرت بانقباض في قلبي.

 

جلس بجواري.

 

وقال:

 

“فيه شخص مات بسببي.”

 

نظرت إليه بصدمة.

 

فبدأ يحكي.

 

في ليلة المطاردة الأخيرة قبل اختفائه، كان هناك شاب اسمه يوسف.

 

شاب من أطفال الشوارع.

 

كان يساعد كريم في التنقل والاختباء.

 

وعندما عرف أفراد العصابة مكانهما، حاول يوسف إبعادهم عن كريم.

 

ركض في اتجاه مختلف.

 

فطاردوه.

 

أما كريم فهرب.

 

ومن يومها لم ير يوسف مرة أخرى.

 

ظل كريم طوال السنة يعتقد أن يوسف قُت*ل بسببه.

 

لذلك كان يشعر بالذنب كل يوم.

 

كل ليلة.

 

كل دقيقة.

 

قلت له وأنا أمسك يده:

 

“أنت ما قت*لتش حد يا ابني.”

 

لكن الدموع كانت تملأ عينيه.

 

“لو ما كنتش صورتهم… لو ما كنتش دخلت نفسي في الموضوع… كان يوسف عايش.”

 

احتضنته.

 

لأول مرة منذ عودته.

 

وبكى كطفل صغير.

 

…

 

بعد أسبوعين.

 

حدثت المفاجأة.

 

بينما كنا نجلس في البيت، سمعنا طرقًا على الباب.

 

فتحت.

 

فتجمدت.

 

شاب أسمر نحيف يقف مبتسمًا.

 

خلفه رجل مسن.

 

أما كريم…

 

فقفز من مكانه.

 

“يوسف!”

 

كان حيًا.

 

حيًا بالفعل.

 

العصابة لم تق*تله.

 

بل هرب إلى محافظة أخرى خوفًا.

 

وعندما شاهد أخبار القبض على أفراد الشبكة، عاد يبحث عن كريم.

 

في تلك الليلة جلس الاثنان يتحدثان حتى الفجر.

 

ويضحكان ويبكيان في نفس الوقت.

 

وكأنهما يستعيدان سنة كاملة من العمر المسروق.

 

…

 

مرت الشهور.

 

عاد كل شيء تدريجيًا.

 

لكن هناك مفاجأة أخيرة كانت تنتظرنا.

 

في حفل تكريم أقامته المحافظة لكريم بسبب شجاعته ومساعدته في كشف الشبكة الإجرامية، حضر عشرات الأشخاص.

 

صحفيون.

 

مسؤولون.

 

وجيران.

 

وفي نهاية الحفل، اقترب رجل مسن بملابس بسيطة.

 

كان نفس الرجل المشرد الذي رأيته في الكافيه.

 

صعد إلى المسرح.

 

وأخرج شيئًا من جيبه.

 

كانت رقعة الجاكيت القديمة على شكل جيتار.

 

الرقعة نفسها.

 

قال أمام الجميع:

 

“الناس كلها بتتكلم عن شجاعة كريم النهارده… لكن محدش يعرف إنه قبل ما ينقذ أي حد، أنقذ راجل عجوز كان نايم في الشارع ومحدش شايفه.”

 

ساد الصمت.

 

وأكمل:

 

“أنا كنت فاقد الأمل في الدنيا كلها… والولد ده رجعهولي.”

 

ثم نظر إلى كريم وقال:

 

“أنت افتكرت إنك كنت بتساعدني بكوب شاي ورغيف عيش… لكن الحقيقة إنك كنت بتنقذ إنسان.”

 

لم يتمالك كريم نفسه.

 

ونزل من على المسرح.

 

واحتضنه وسط تصفيق الجميع.

 

…

 

في تلك الليلة.

 

بعد أن انتهى كل شيء.

 

عدنا إلى البيت.

 

دخل كريم غرفته.

 

وعلق الجاكيت في مكانه القديم.

 

نفس الجاكيت الذي بدأ منه كل شيء.

 

وقف أمامه للحظات.

 

ثم ابتسم.

 

وقال:

 

“أخيرًا رجعت البيت يا أمي.”

 

نظرت إليه.

 

ثم إلى الجاكيت.

 

ثم إلى صورته القديمة فوق المكتب.

 

وأدركت أن بعض المعجزات لا تأتي فجأة.

 

بل تأتي بعد سنة كاملة من الدعاء والدموع والصبر.

 

أغلقت نور الغرفة.

 

وتركت الباب مواربًا كما كنت أفعل وهو صغير.

 

لأنني أخيرًا…

 

لم أعد أخاف أن أستيقظ في الصباح وأجده مفقودًا من جديد.

 

تمت النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *