طليقة جوزي حكايات روماني×3

الخبطات على الباب كانت بتزيد جنون، وكأن اللي بره مش جاي يزور، جاي يهد البيت كله فوق رؤوسنا. المعازيم كلهم وقفوا، وأمي حطت إيدها على صدرها وهي بتشهق من الخوف، والمأذون بص لأبويا بنظرة قلق وقال: “خير يا جماعة؟ في إيه؟”

ياسر ملامحه اتغيرت في ثانية، الهدوء اللي كان على وشه اتقلب لجدية حاسمة. قام وقف وطبطب على كتفي وقال بصوت واطي: “اخليكي هنا يا رانيا متتحركيش”. أبويا جري على الباب وياسر وراه، وأنا رجلي مكنتش شايلاني، مشيت خطوات ووقفت ورا الحيطة وعيني على الباب وقلبي بيوجعني من كتر الدق.

أبويا فتح الباب بحذر، والصدمة لجمت الكل.. مكنش عصام!

كانت حماتي القديمة، أم عصام، واقفة والدموع مالية وشها، وهدومها متبهدلة، وفي إيدها اليمين ابني الكبير “أدهم”، وفي إيدها الشمال بنتي الصغيرة “فريدة”، والاتنين مكلبشين في جلبيتها وبيعيطوا ومنهارين.

أمي أول ما شافت العيال جريت عليهم وخدتهم في حضنها، وأنا طلعت من ورا الحيطة برعشة وبقيت ببص لحماتي وأنا مش فاهمة حاجة. أبويا سألها بذهول: “أم عصام؟ في إيه؟ وإيه اللي جابك بالشكل ده؟ وفين ابنك؟”

أم عصام دخلت الصالة وركبتها مش شايلاها، قعدت على أول كرسي وقالت وهي بتنهج وتبكي بحرقة:

* “الحقوني يا حج مكرم.. الحق يا باشمهندس.. عصام اتجنن! عصام من ساعة ما رجع أول امبارح وهو مش وعي للدنيا، الغل عماه، وقفل على نفسه الأوضة وكل شوية يكسر في البيت ويقول مش هسيبها تتهنى، والنهارده لقيت معاه سلاح.. سـ كينة كبيرة وعمال يسن فيها ويقول هروح أخلص عليهم كلهم في كتب الكتاب عشان أرتاح وأريح الناس من الفجر ده!”

أول ما سمعت كلمة “سلاح” جسمي كله ساب، بس حماتي كملت وصوتها بيرتعش:

* “أنا لما شفته كده خفت على العيال وخفت عليه يضيع نفسه ويضيعنا.. استغفلته وهو في الحمام، وخدت العيال في إيدي وجريت بيهم في التاكسي جيتلكوا هنا.. عصام زمانه نازل ورايا أو بيدور عليا، أرجوكم احموا العيال، عصام مش في وعيه وممكن يرتكب جناية!”

في اللحظة دي، الشارع تحت بدأ صوته يعلى.. صوت كلكسات عربيات وزعيق ناس. ياسر بصلنا وقال لحماتي القديمة: “كتر خيرك إنك لحقتي العيال يا أمي، أنتِ عملتِ الصح”. وبص لأبويا وقال بنبرة حديد: “يا عمي، اقفل الباب ده بالمفتاح والترباس، ومحدش يفتح مهما حصل، وأنا نازل لـ عصام”.

مسكت في قميص ياسر وأنا بصرخ والدموع مغرقاني: “لا يا ياسر! أرجوك متنزلوش، عصام معاه سلاح وهيضيعك! أنا مش عاوزه أخسرك بعد ما لقيتك!”

ياسر بص في عيوني ونظرة الأمان والرجولة اللي فيهم خلتني أهدأ غصب عني، مسك إيدي وقال برقة: “أنا وعدتك يا رانيا إن مفيش مخلوق هيلمس شعره منك ولا من ولادك، وأنا راجل وبوفي بوعدي.. عصام آخره قرب، والبلطجة دي مش هتمشي معايا”.

ياسر سابني ونزل، وأبويا قفل الباب ورا السلاسل والترابيس. جريت على الشباك وفتحت الشيش حتة صغيرة وبصيت..

عصام كان واقف في نص الشارع، لابس هدوم مش مظبوطة، وشعره منكوش، وفي إيدو فعلاً سـ كينة كبيرة بيشاور بيها للناس ويصرخ: “أنزل يا ياسر! أنزل يا قمع يا اللي جاي تاخد مراتي! لو راجل أنزلي!”.. الناس في الشارع كانوا واقفين بعيد وخايفين يقربوا منه لمنظره المجنون.

وفجأة، باب العمارة اتفتح.. وخرج منه ياسر.

ياسر مكنش بيجري ولا كان مخضوض، كان ماشي بخطوات بطيئة ورزينة، حاطط إيد في جيبه والإيد التانية فاضية، وعيونه مثبتة على عصام بقوة غريبة.

عصام أول ما شاف ياسر، جري عليه ورفع السلاح وهو بيصرخ: “هقتـ لك يا ياسر! هقتـ لك وأغسل عاري!”

الشارع كله كتم أنفاسه، وأنا حطيت إيدي على بوقي عشان مأصرخش.. وعصام بيقرب من ياسر وبيمد السـ كينة بكل غل عشان يضربوا في صدره.. يا ترى ياسر هيتصرف ازاي؟ وهل اللحظة دي هتكون نهاية الحلم، ولا ياسر مخبي مفاجأة تقلب الترابيزة على عصام وتنهي جنونه للأبد؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

في جزء من الثانية، والسكينة على بُعد سنتيمترات من صدر ياسر، الشارع كله صرخ، وأنا غمضت عيني ووقعت في الأرض وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. لكن اللي حصل خلّى الكل يفتح بقه بذهول.

ياسر متفاداش الضربة وبس، دا كان مرتب خطوته بدقة مهندس؛ في نفس اللحظة اللي عصام مد فيها إيده بالسكينة، ياسر ميل جسمه بحركة سريعة، ومسك معصم إيد عصام بقوة تكسر العضم، وبلفتة ذكية وثقيلة من رجليه، كعبل عصام ونزل بيه على الأرض بطريقة خلّت السكينة تترمي بعيد على الرصيف.

عصام اتفرد على ظهره والنفس مقطوع منه، وياسر ثبت ركبته فوق صدره وضغط على إيده وهو بيقول بصوت جهوري هز الشارع:

* “أنا مبتهددش يا عصام.. والبلطجة اللي كنت بتعملها على ست غلبانة، متعملهاش على رجالة!”

وفي نفس اللحظة، ظهرت عربية بوكس شرطة من أول الشارع، ونزل منها ظابط ومعاه أمناء شرطة جريوا على عصام وكلبشوه وهو على الأرض. ياسر وقف، ونفض الهدوم بتاعته بكل هدوء، وبص للظابط وقال:

* “يا فندم، المحضر اللي قدمناه الصبح في النيابة مثبت فيه كل التهديدات، والنيابة كانت مطلعة أمر ضبط وإحضار، والراجل ده جه بنفسه وأهو ممسوك متلبس بمحاولة ق*تل وس*لاح أبيض في إيده والشارع كله شهود.”

عصام وهو بيتسحب على عربية البوكس، كان بيبص لياسر بنظرة انكسار وغل، ويبص لفوق للشباك بتاعي وهو بيصرخ بصوت مبحوح: “مش هسيبك يا رانيا.. مش هسيبك!”، بس صوته كان بيضيع مع صوت سرينة البوكس اللي حركت وخدته للمكان اللي يستحقه.

الناس في الشارع صقفت لياسر، وأبويا نزل جري وراه وأخذه في حضنه وهو بيقوله: “رفع راسي يا ابني، الله يصونك ويحميك لشبابك”.

طلعوا الشقة، وأنا كنت واقفة ورا الباب، دموعي مش راضية تقف بس المرة دي دموع راحة وأمان. ياسر دخل، وبصلي وابتسم ابتسامته الصافية اللي بتنسيني الدنيا، وقال:

* “خلاص يا رانيا.. الكابوس انتهى، وولادك في حضنك، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش على وش الأرض.”

أدهم وفريدة جريوا عليا وعلى ياسر، وياسر وطى وشال فريدة على كتفه وطبطب على أدهم، والعيال لأول مرة من سنة ونص تضحك من قلبها. حماتي القديمة قعدت تبكي وتقول: “سامحيني يا رانيا، ابني طاش وعمى عينه الغل، بس الباشمهندس راجل بجد، وأنا مطمنة على عيال ابني معاكوا”.

المأذون رجع قعد مكانه، وظبط نظارته وهو بيبتسم وقال: “يلا يا جماعة، نكتب الكتاب بقا والخير يمر”.

أبويا حط إيده في إيد ياسر، والمأذون بدأ يملي عليهم الكلمات.. وأنا قلبي بيرقص من الفرحة، الحلم القديم اللي كنت بخاف أبص له في ممرات الجامعة، بقا حقيقة وبقى جوزي وحمايتي على سنة الله ورسوله. المأذون قال جملته الأخيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.

ومرت الأيام بسرعة.. ياسر جهز كل حاجة، وخلصنا أوراق السفر للعيال، وأهلي كانوا طايرين من الفرحة وأنا شطبت كل سنين النكد ورا ضهري.

وجيه يوم السفر.. كنا واقفين في مطار القاهرة، ياسر ماسك إيدي اليمين، وإيدي الشمال ماسكة العيال، والشنط جاهزة عشان نبدأ حياتنا الجديدة بره مصر.

وقبل ما ندخل بوابة الجوازات، لقيت حد بيخبط على كتفي من ورا.. لفيت وأنا مخضوضة، ولقيت واحدة ست لافّة وشها بطرحة سودا، قربت مني وقالت بصوت واطي ومرعب:

* “مفتكرة إنك هتهربي بالسهولة دي وتعيشي حياتك؟ عصام خرج بكفالة على ذمة الق*ضية.. وهو مستنيكم بره المطار ومعاه ناس!”

أنا اتمسمرت في مكاني، وبصيت لياسر، وياسر ملامحه اتغيرت تماماً وبص لبره المطار.. يا ترى إيه اللي هيحصل في الجزء الأخير؟ وهل عصام هيقدر يوقف سفرنا في آخر لحظة؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة، المطار اللي كان بالنسبالي بوابة الحرية وبداية الحلم، اتقلب في ثانية لمصيدة. دموعي نزلت وعيني راحت على ولادي اللي كانوا ماسكين فيا، وبصيت لياسر وأنا بترعش:

* “ياسر.. عصام بره! مش هنسافر يا ياسر، عصام هيضيعنا في آخر لحظة!”

ياسر بص للست اللي بلغتني، فلقاها اختفت وسط زحمة المطار كأنها فص ملح وداب. التفت ليا، وبص في عيوني بكل ثبات، ومسك إيدي الإتنين وضغط عليهم بقوة تحيي الميت:

* “رانيا.. بصي في عيني. أنا قلتلك قبل كده ومستعد أقولهالك العمر كله، طول ما أنا بتنفس، مفيش مخلوق يقدر يمس شعره منك أو من العيال. عصام بره؟ يبقى هو اللي جاي لرجله، والمرة دي مش هتبقى زي كل مرة.”

ياسر طلع تليفونه، وعمل مكالمة سريعة للمحامي بتاعه ولشخص رتب معاه الإجراءات من الأول، وقال بنبرة حاسمة: “هو بره الصالة.. تمام، نفذوا فوراً”. قفل التليفون وبصلي وقال بابتسامة هادية: “يلا يا رانيا، امشي قدامي على الجوازات ومتبصيش وراكي”.

دخلنا ختمنا الباسبورات، وأنا طوال الوقت بفرك في إيدي، والعيال مستغربين نظرات الخوف اللي في عيني. عدينا بوابة التفتيش وبقينا جوه صالة المغادرة، وبصينا من الإزاز الكبير اللي كاشف ساحة المطار بره وعربيات الشرطة المنتشرة.

من ورا الإزاز، شفت منظر عمري ما هنساه.. عصام كان واقف بعيد مع تلاتة رجالة، عمال يتلفت يمين وشمال زي الذئب الجعان اللي بيدور على فريسته، وفي إيده شنطة مش مفهوم فيها إيه. وفجأة، وبدون أي مقدمات، ظهرت قوتين من أمن المطار والمباحث، وحاصروا عصام والرجالة اللي معاه في ثواني!

عصام حاول يهرب أو يزقهم، بس الأمناء ثبتوه في الأرض، وفتشوا الشنطة اللي في إيده وطلعوا منها سلاح ومواد مخدرة! المحامي بتاع ياسر كان واقف بعيد وبيشاور للشرطة، واتضح إن ياسر كان متوقع غدر عصام، وكان مراقبه عن طريق المحامي، وأول ما عصام فكر يكسر كفالته ويجي المطار يتبلطج، وقع في شر أعماله، والمرة دي القض*ية مبقتش مجرد خناقة في شارع.. دي بقت جناية ترويع داخل منشأة حيوية وحيازة، يعني السجن المشدد بقا مصيره المحتوم لسنين طويلة.

شفت عصام وهو بيتسحب والكلبشات في إيده، راسه كانت في الأرض، وانكساره كان كامل. في اللحظة دي، حسيت بغصة في قلبي.. مش حزن عليه، بس حزن على راجل فرط في بيته وولاده وكرامته لمجرد إنه مش قادر يتحكم في غضبه وطيشه.

صوت النداء الأخير للطيارة رن في الصالة: “على السادة ركاب الرحلة المتوجهة إلى الخليج التوجه للبوابة رقم ٤”.

ياسر بصلي وابتسم، وشال فريدة وأمسك إيد أدهم وقال: “جاهزة يا رانيا؟ جاهزة تبدأي حياتك الحقيقية مع الراجل اللي صانك وشاريكي بجد؟”

دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة اللي بتمسح قهر السنين، هزيت راسي وقلت: “جاهزة يا قلب رانيا.. جاهزة”.

ركبنا الطيارة، وطارت بينا فوق السحاب، وأنا باصة لياسر ولولادي، وحاسة إن ربنا عوضني عن كل لحظة ذل عشتها.

### 💡 الحكمة من القصة:

> **الجواز مش لعبة، والبيوت مش قمار.** الراجل اللي يستهتر بكلمة “الطلاق” ويخليها لبانة في بقه عند كل زعل، دا بني آدم مش مسؤول، وميستاهلش يكون زوج ولا أب، لأن البيوت بتتبني على المودة والرحمة، مش على التهديد وكسر الخواطر.

> **المحلل الصوري إهانة لكرامة المرأة ودينها.** فكرة “المحلل” لمجرد الرجوع للزوج المستهتر هي تجارة بالدين وإهدار لآدمية الست، والست الغالية لازم تعرف إن كرامتها فوق كل شيء، وإن ربنا لما قفل باب الرجوع بعد الطلقات التلاتة، كان حماية ليها ولأنفسها من الرجوع لراجل مبيصونهاش.

> **العوض الحقيقي بيجي للي بيصون كرامته.** رانيا لما رفضت الرخص والحلول الصورية، ربنا عوضها بالراجل اللي بيحبها من زمان، الراجل اللي دخل البيوت من أبوابها، وحمى ولادها وصان عرضها. اتقوا الله في بيوتكم، فالنساء أمانات، ولا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم.

>

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *