مكاني حكايات اسما السيد ●1

يوم ولاده طفلها جوزها قرر يطلقها علشان يتجوز سكرتيره الحلوه..بعد 12 يوم دخلت مكتب المحامي وهي شايله طفلها المولود لسه وقبل ما يتكلم كانت ظهرت حقيقته الوسخه المستخبيه كلها داخل ملف أسود..
دخلت “ليلى” مكتب محامي الطلاق الفخم في القاهرة الجديدة وهي شايلة طفلها اللي لسه مكمل ١٢ يوم ونايم على صدرها.
ماكانتش حاطة ميك أب.ولا لابسة ألماظ.
ولا حتى فستان غالي علشان تبهر حد.
جسمها لسه بيوجعها من الولادة من أقل من أسبوعين… وكل خطوة كانت بتفكرها إنها ما نامتش تقريبًا من يوم ما خرجت من المستشفى.
لكن الست اللي دخلت قاعة الاجتماعات الزجاجية دي… ماكنتش الزوجة المكسورة اللي كانوا مستنيين يشوفوها.
على الناحية التانية من الترابيزة كان قاعد “كريم”، جوزها، بهدوء مستفز في بدلة مفصلة مخصوص تمنها أكتر من ٢٠٠ ألف جنيه.
وجنبه كانت قاعدة “رانيا”… الست اللي فضل شهور يقدّمها في حفلات الشغل على إنها “شريكته الجديدة في المشاريع”.
رانيا كانت لازقة فيه بطريقة مقصودة… وعلى وشها ابتسامة الست اللي فاكرة إنها كسبت المعركة خلاص.
كريم كان متكي في كرسيه وكأن الطلاق مجرد صفقة جديدة بيخلصها.
معاه محاميه.
وفلوسه.
وسمعته.
والغرور الكافي اللي يخليه مقتنع إن أم مرهقة لسه والدة هتمضي على أي ورقة يحطها قدامها.
كان فاكر إن ليلى جاية تترجاه.
فاكر إنها هتعيط… وتطلب الرحمة… وتوافق على أي فتافيت يقرر يسيبهالها.
كان فاكر إن الإهانة والخيانة وتعب الأمومة كسروا روحها أخيرًا.
بس ليلى ماجتش علشان الشفقة.
على صدرها… جنب ابنها الرضيع… كان في ملف أسود تقيل.
وجوه الملف ده… الحقيقة اللي كريم قضى سنة كاملة بيحاول يدفنها.
قبل ١٢ يوم بس… حياة ليلى كانت شكلها مثالي من بره.
شقة فخمة في التجمع الخامس.
صور سعيدة.
عشاوات غالية.
حفلات خيرية.
وجوز بيعرف يمثل دور الزوج المثالي قدام الناس ببراعة.
على السوشيال ميديا كانوا شكلهم الزوجين اللي الناس بتحسدهم.
لكن الليلة دي… بينما ليلى كانت بتولد في مستشفى خاص في القاهرة… كريم ماكانش موجود. بعتلها رسالة باردة الساعة ١٠ بالليل:
“في مشكلة مهمة مع عميل في دبي… بطلي دراما. الستات بتولد كل يوم.”
ليلى بصت للرسالة وهي بتحاول تستحمل ألم الطلق اللي كان بيمزق جسمها.
اتصلت بيه مرة.واتنين.وعشرة.لحد ما الموبايل كتب: ١٥ مكالمة بدون رد.كل المكالمات راحت للبريد الصوتي.
ولما ابنها اتولد قبل الفجر بشوية… كريم ماكنش رد لسه.
الطفل جه للدنيا صغير… دافي… وكامل.
ولما الممرضة حطّته على صدرها… عيطت لدرجة إنها ماعرفتش تتنفس.
ماكانش عياط فرح بس.
كان حب.
وخوف.
وكسرة.
واكتشاف مرعب إن الراجل اللي وعد يحميها… سابها لوحدها في أضعف لحظة في حياتها.
الممرضة بصت للكرسي الفاضي جنب السرير.
“تحبي نكلم الأب؟” سألتها بهدوء.
ليلى بصت للموبايل.ولا رسالة.
ولا مكالمة.ولا أي حاجة.”لأ…” همست بصوت مكسور.
“مالوش لازمة.”
لكن الحقيقة… كان ليه لازمة.
مش علشان ليلى ماتقدرش تعيش لوحدها.
هي كانت عارفة إنها تقدر.
لكن لأن ماينفعش ست تدخل ابنها الدنيا وهي بتكتشف في نفس اللحظة إن جوزها اختار واحدة تانية على مراته وابنه.واللي كريم ماكانش يعرفه… وهو قاعد دلوقتي في مكتب المحامي ورانيا مبتسمة جنبه… إن ليلى عرفت الحقيقة كاملة.هو ماكانش في دبي.ولا مع عميل.
ولا بيخلص صفقة طارئة.كان في فندق فاخر في وسط البلد مع رانيا… بيشربوا شامبانيا بينما مراته بتصرخ من ألم الولادة لوحدها.كريم خبط بالقلم على ورق الطلاق وابتسم ابتسامة متعالية.
“خلّينا نخلص بهدوء.” قال بثقة.”إنتِ تعبانة ومتوترة ومش مركزة. امضي بس… وأنا هتكفل بيكي وبالطفل.”
رانيا وطّت عينيها… لكن طرف شفايفها اتحرك بابتسامة صغيرة.الابتسامة دي كانت آخر إهانة.ليلى عدلت الطفل على صدرها بهدوء.وبعدين فتحت شنطة البيبي.
وطلّعت الملف الأسود.وحطّته في نص الترابيزة.الصمت نزل على الأوضة فجأة.
كريم بص للملف بملل مصطنع.
“إيه ده؟” سأل ببرود.ليلى بصتله لأول مرة من غير وجع في عينيها.”خيانتك.”
ابتسامته اختفت.
ورانيا وشها اتغير أسرع منه.
الثقة اختفت من عينيها… واتحولت لحاجة أبرد.
خوف.
كريم مد إيده ناحية الملف… لكن ليلى حطت إيدها فوقه.
“لأ.” قالت بهدوء.
“خلي المحامين يفتحوه.”
واحد من المحامين قطب باستغراب… وسحب الملف وفتحه.أول ورقة كانت فاتورة فندق.
التانية صورة من كاميرات المراقبة بتاريخ ووقت واضح.
التالتة محادثات مطبوعة.
عند الورقة الرابعة… المحامي وقف تقليب.
وعند الخامسة… شفايف رانيا فقدت لونها.
كريم قعد متجمد… باصص للورق كأنه مسدس متحطوط قدامه.
لأن الملف ماكانش بيثبت الخيانة بس.
كان بيثبت هو كان فين وقت ولادة ابنه.
وبيثبت الكلام اللي رانيا كانت بتقوله عن ليلى من ورا ضهرها.والأسوأ…
إنه كان بيثبت حاجة كريم نفسه ماكانش يعرف إن ليلى اكتشفتها.حاجة مستخبية جوه شركته.مرتبطة بفلوس.
وتزوير.وتوقيعات.
واتفاق سري ممكن يدمر كل اللي بناه.
ليلى بصت للراجل اللي حاول طول جوازهم يحسسها إنها ضعيفة وسهلة الاستبدال.وبعدين بصت لرانيا.
“إنتِ كنتِ عايزة مكاني…” قالت بهدوء مرعب….
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
“إنتِ كنتِ عايزة مكاني…” قالت ليلى بهدوء مرعب وهي باصة لرانيا مباشرة.
“…بس واضح إنك ماكنتيش تعرفي إن المكان ده مليان ج*ثث مستخبية.”
الصمت اتقل أكتر.
حتى صوت التكييف اختفى وسط التوتر اللي خنق الأوضة.
رانيا حاولت تضحك بس الضحكة خرجت مهزوزة.
“إنتِ بتهددي؟”
ليلى هزت راسها بهدوء.
“لا. التهديد بيكون بحاجة لسه هتحصل… إنما أنا بتكلم عن حاجة حصلت فعلًا.”
المحامي اللي كان ماسك الملف قلب الصفحة اللي بعدها… وفجأة ملامحه اتشدت.
“أستاذ كريم…” قال ببطء وهو بيعدل نضارته، “إيه التحويلات دي؟”
كريم مد إيده بسرعة ناحية الورق.
“هات الملف.”
لكن المحامي ما اداهوش حاجة.
الورق كان قدامه بالفعل.
تحويلات بمبالغ ضخمة طالعة من حسابات الشركة لحسابات وهمية.
عقود استشارات لشركات مالهاش وجود.
توقيعات مزورة باسم شركاء أجانب.
وفوق كل ده…
اسم رانيا.
رانيا اتجمدت.
“أنا؟”
ليلى طلعت نفس طويل وهي تهز ابنها بهدوء بعدما بدأ يتحرك في حضنها.
“آه إنتِ.”
كريم بص لرانيا بسرعة.
“اسكتي.”
لكن رانيا بدأت تتوتر فعلًا.
“إيه يعني اسكتي؟ إنت قلتلي كل حاجة قانوني!”
ليلى ابتسمت لأول مرة.
ابتسامة صغيرة… باردة… موجوعة.
“وده بالظبط اللي خلاني أعرف إنك غبية.”
كريم خبط بإيده على الترابيزة بعصبية.
“كفاية لعب.”
لكن صوته ماكانش ثابت.
لأول مرة… الخوف الحقيقي ظهر فيه.
لأن الراجل اللي طول عمره متعود يتحكم في كل حاجة… فجأة بقى مش عارف مين ماسك اللعبة.
ليلى بصت للمحامي.
“كمّل الصفحة الأخيرة.”
المحامي فتح آخر ملف شفاف… وسحب فلاشة صغيرة.
“وده إيه؟”
ليلى ردت بهدوء:
“تسجيلات.”
كريم اتحرك بعنف.
“مفيش أي تسجيل قانوني.”
“غلط.” قالت وهي ثابتة مكانها.
“التسجيلات دي من مكاتب شركتك… اللي باسمي أنا.”
الصمت انفجر تاني.
رانيا بصت لكريم بسرعة.
“باسمها؟”
أيوه.
وده كان السر اللي كريم نسيه وسط غروره.
قبل سنتين… لما كان بيتهرب من الضرائب… كتب جزء كبير من أصوله باسم مراته علشان يحمي نفسه.
وقتها كان بيقولها بحب مزيف:
“إحنا واحد يا ليلى.”
ماكانش يعرف إن الجملة دي هتبقى السبب في سقوطه.
ليلى فتحت موبايلها بهدوء… وضغطت زر.
وصوت كريم طلع في الأوضة واضح وصادم:
“حوّل الفلوس على الحساب التاني… والورق خلّي رانيا تمضيه بدل المدير المالي.”
صوت تاني سأله بتوتر:
“ولو حد اكتشف؟”
كريم ضحك في التسجيل.
“مراتي هتتحمل أي حاجة لو حصلت مشكلة… كل الأسهم باسمها أصلًا.”
رانيا غمضت عينيها بصدمة.
وشها فقد لونه بالكامل.
أما كريم… فبقى باصص لليلى وكأنه أول مرة يشوفها فعلًا.
مش الزوجة الهادية اللي بتسكت.
ولا الست اللي كانت بتسامح.
دي واحدة تانية.
واحدة اتوجعت لدرجة إنها بطلت تخاف.
المحامي قفل الملف ببطء.
“أستاذ كريم… أنا لازم أنسحب من الق*ضية.”
كريم لفله بعصبية.
“إيه؟”
“أنا محامي طلاق… مش محامي جنائي.”
الكلمة وقعت على رانيا كأنها صفعة.
جنائي.
فجأة الموضوع ما بقاش خيانة وزواج وسكرتيرة.
الموضوع بقى سجن.
رانيا قامت بسرعة من الكرسي.
“إنت قلتلي إن كل حاجة قانونية!”
كريم وقف هو كمان.
“اقعدي يا رانيا.”
“لأ!” صرخت وهي بتبصله بخوف حقيقي.
“إنت استخدمتني!”
ليلى تابعت المشهد بهدوء غريب.
ابنها الصغير كان نايم على صدرها… نفسه الدافي طالع نازل ببطء… وكأنه الحاجة الوحيدة البريئة وسط الخراب ده كله.
افتكرت نفسها من شهور… وهي قاعدة تستناه يرجع البيت.
بتجهز عشا.
بتصدّق أعذاره.
بتقنع نفسها إنها “مقصرة”.
وإن كل الستات لازم تستحمل.
افتكرت الليلة اللي نامت فيها على الكنبة حامل في شهرها التاسع لأنها كانت مرهقة… بينما هو كان بيبعت قلوب لرانيا في أوضة تانية.
افتكرت خوفها وهي بتولد لوحدها.
والوجع.
والوحدة.
والكرسي الفاضي جنب سرير المستشفى.
وفجأة… ماحستش بأي حب ناحيته.
ولا حتى كره.
بس قرف.
كريم قرب منها بصوت واطي لأول مرة.
“إنتِ عايزة إيه؟”
ليلى بصتله بثبات.
“حضانة كاملة.”
“هتاخديها.”
“الفيلا.”
عض على سنانه.
“…تمام.”
“نص الشركة.”
هنا انفجر.
“إنتِ اتجننتي؟”
ليلى ما اتهزتش.
“قدامك حلين يا كريم.”
رفعت الملف الأسود شوية بإيدها.
“يا إما نمضي بهدوء… يا إما الملف ده يروح للنيابة.”
رانيا بصتله بذهول.
“إنت هتوافق؟”
كريم لف ناحيتها بعصبية مرعبة.
“إنتِ اخرسي!”
لكن رانيا كانت بدأت تستوعب إنها ماكنتش “الحب الحقيقي”.
كانت مجرد غلطة متغلفة بكلام حلو.
مجرد سكرتيرة اتغرّت براجل غني.
دلوقتي الراجل ده بيغرق… ومستعد يغرقها معاه.
اتراجعت خطوتين للخلف وهي حاطة إيدها على بقها.
“أنا… أنا ماكنتش أعرف.”
ليلى ضحكت ضحكة قصيرة متعبة.
“كل الستات بيقولوا الجملة دي في الآخر.”
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي… كان صمت هزيمة.
المحامي التاني بص لكريم بحذر.
“أنصحك تحل الموضوع ودي.”
كريم قعد على الكرسي ببطء.
أول مرة شكله بان أكبر من سنه.
أول مرة الغرور اختفى من وشه.
كأنه فجأة فهم إن كل حاجة بناها ممكن تقع في يوم واحد.
سمعته.
فلوسه.
شركته.
صورته قدام الناس.
كل ده بسبب حاجة كان فاكرها بسيطة…
خيانة.
لكن الخيانة عمرها ما بتكون بسيطة.
لأن الإنسان لما يخون… بيبدأ يستهين بكل حاجة بعدها.
مراته.
ابنه.
ضميره.
القانون.
كل الحدود بتتكسر واحدة واحدة.
ليلى قامت ببطء وهي بتعدل البطانية حوالين الطفل.
ألم الولادة كان لسه بيقطع جسمها.
لكن لأول مرة من شهور… نفسها كان أخف.
كريم رفع عينيه ليها.
“إنتِ خططتي لكل ده إمتى؟”
بصتله ثواني طويلة.
“وأنا في المستشفى.”
الكلمات ضربته أقوى من أي صريخ.
“وإنت كنت في الفندق.”
رانيا نزلت عينيها للأرض فورًا.
ليلى كملت بهدوء:
“عارف أصعب حاجة إيه؟ مش الخيانة.”
سكتت لحظة.
“أصعب حاجة إن الست وهي بتولد… بتكون بين الحياة والموت… وإنت كنت مشغول تختار نوع الشامبانيا.”
كريم حاول يتكلم… لكن مافيش كلمة طلعت.
لأول مرة… ماكانش عنده رد.
ولا كذبة.
ولا تمثيل.
ليلى أخدت الملف الأسود وقفلت السوستة بتاعته بهدوء.
وبعدين قالت آخر جملة وهي ماشية ناحية الباب:
“أنا مش جاية أرجعك يا كريم.”
لفت تبصله نظرة أخيرة.
“أنا جاية أوريك إن الست اللي سيبتها لوحدها وهي بتولد… هي نفسها الست اللي تقدر تدفنك وإنت صاحي.”
وخرجت.
الكعب الواطي بتاعها كان صوته ثابت فوق أرضية الرخام.
ولا مرة بصت وراها.
السكرتيرة فضلت واقفة مكانها منهارة.
المحامين بيتبادلوا نظرات متوترة.
وكريم…
قعد لوحده.
وسط الورق.
والفضايح.
والصمت.
لحد ما موبايله رن.
بص للشاشة.
اسم المتصل كان:
“إدارة مكافحة التهرب المالي.”
وفي اللحظة دي بالظبط…
فهم إن حياته القديمة انتهت فعلًا.
أما ليلى…
فنزلت أسانسير البرج الزجاجي وهي شايلة ابنها على صدرها.
الطفل فتح عينيه الصغيرة لأول مرة من ساعة طويلة.
بصلها.
وابتسم ابتسامة خفيفة وهو نايم.
ليلى ضمته أكتر… ودموعها نزلت أخيرًا.
مش ضعف.
ولا ندم.
دي كانت دموع ست نجت.
ست خسرت وهم… وكسبت نفسها.
ولأول مرة من سنين…
حست إنها مش خايفة من بكرة.
باب الأسانسير اتقفل ببطء… وليلى واقفة شايلة ابنها، حاسة إن رجليها خلاص مبقوش قادرين يشيلوها.
أول ما الأسانسير نزل للدور الأرضي… الماسك اللي كانت حابسة بيه نفسها طول الوقت بدأ يضعف.
إيديها كانت بتترعش.
جرح العملية بيوجعها مع كل نفس.
واللبن نازل غصب عنها من التعب والتوتر لدرجة إن قميصها بدأ يبتل.
لكنها رفضت تقع.
مش دلوقتي.
مش بعد ما وصلت للنهاية دي.
البواب فتحلها باب البرج بسرعة وهو بيبصلها باستغراب.
“مدام ليلى… العربية تطلع؟”
هزت راسها بالنفي.
هي ماكنتش عايزة سواق.
ولا حماية.
ولا حد يسألها إذا كانت بخير.
كل اللي كانت محتاجاه… مكان هادي تعرف تعيط فيه من غير ما حد يشوفها.
طلعت موبايلها بإيد مرتعشة… واتصلت برقم واحد بس.
“ماما.”
أول ما سمعت صوت أمها… سكتت.
الكلمات اختفت.
أمها قامت من النوم مفزوعة.
“ليلى؟ مالك؟ البيبي كويس؟”
ليلى بلعت ريقها بالعافية.
“ممكن تيجي تاخديني؟”
بعد أقل من نص ساعة… عربية والدتها وقفت قدام البرج.
أمها نزلت بسرعة أول ما شافتها.
ولأول مرة من سنين طويلة… ليلى رجعت بنت صغيرة.
أول ما أمها حضنتها… انفجرت.
شهقاتها خرجت بعنف وهي مستخبية في كتف أمها والطفل بينهم.
“خلاص يا حبيبتي…” أمها كانت بتمسح على شعرها وهي نفسها بتحاول ماتعيطش.
“خلاص… أنا جيت.”
ليلى كانت بتبكي بصمت موجوع.
“سابني لوحدي يا ماما… سابني وأنا بولد.”
أمها غمضت عينيها بألم.
ماقالتش “حقير”.
ولا “مايستاهلكيش”.
بعض الوجع بيكون أكبر من الكلام.
ركبوا العربية.
طول الطريق ليلى كانت ساكتة… باصة من الشباك على القاهرة الليلية.
الإعلانات المضيئة.
الزحمة.
الناس اللي ماشية وكأن العالم طبيعي.
الغريب إن الحياة ما بتقفش علشان قلب حد اتكسر.
وصلوا بيت أمها في مصر الجديدة قبل الفجر.
نفس البيت اللي اتربت فيه.
ريحة القهوة القديمة.
صوت الساعة الحائط.
الكنبة اللي كانت بتنام عليها أيام الثانوية.
كل حاجة كانت دافية بشكل وجعها أكتر.
أمها أخدت الطفل بحنان.
“روحي خدي شاور بسرعة.”
ليلى دخلت الحمام وقفلت الباب.
وقفت قدام المراية… واتصدمت من شكلها.
وش شاحب.
هالات سوداء.
شفايف ناشفة.
وجسم واضح عليه التعب والانهيار.
دي ماكنتش الست اللي كانت بتطلع على أغلفة المجلات مع جوزها.
ولا المؤثرة اللي الناس كانت بتحسد حياتها.
دي واحدة نجت بالعافية.
بصت لجرح العملية تحت الإضاءة الصفراء… وافتكرت إنه كان المفروض يكون معاها وقتها.
كان المفروض يمسك إيدها.
يطمنها.
يبوس راسها وهي خايفة.
بدل كده… كان في حضن ست تانية.
الوجع ضربها من جديد.
فنزلت على الأرض فجأة وهي بتبكي بصوت مكتوم علشان أمها ماتسمعهاش.
فضلت كده وقت طويل.
لحد ما صوت ابنها وصلها من بره.
عيّطته الصغيرة رجعتها للحياة.
مسحت وشها بسرعة… وخرجت.
أمها كانت تهدهده بحنان.
“شكله جعان.”
ليلى أخدته وقعدت على الكنبة ترضعه.
الطفل كان صغير جدًا… وإيده متعلقة في قميصها كأنه خايف يسيبها.
بصتله طويل.
“أنا آسفة…” همست وهي دموعها بتنزل تاني.
“آسفة إن أول حاجة شفتها في الدنيا كانت الخيانة دي.”
لكن الطفل كمّل رضاعة بهدوء… وكأنه بيقولها إنه مش فاهم غير إنها أمه.
وفجأة حسّت بحاجة غريبة.
هو السبب الوحيد اللي خلاها تقوم.
لو ماكانش موجود… يمكن كانت انهارت فعلًا.
الصبح طلع تقيل.
والخبر انتشر أسرع مما توقعت.
مش الطلاق.
الفضيحة.
حد من مكتب المحاماة سرّب صور.
في أقل من ساعتين… اسم كريم بقى تريند.
“رجل الأعمال الشهير متورط في قضايا مالية.”
“زوجته تكشف خيانته يوم الطلاق.”
“فضيحة فساد داخل شركة كيه جروب.”
السوشيال ميديا انفجرت.
ناس بتشتم.
ناس بتشمت.
وناس بتتظاهر بالصدمة رغم إنهم كانوا يعرفوا حقيقته من زمان.
تليفون ليلى ماوقفش رن.
صحفيين.
برامج.
ناس عايزة تصريحات.
قنوات عايزة مقابلات.
قفلت الموبايل تمامًا.
هي ماكانتش عايزة شهرة.
كانت عايزة سلام.
لكن في الناحية التانية من القاهرة…
كريم كانت حياته بتنهار حرفيًا.
مجلس الإدارة عقد اجتماع طارئ.
المستثمرين سحبوا عقود.
وإدارة التهرب المالي طلبت مراجعة كاملة للحسابات.
أما رانيا…
فاختفت.
قفلت تليفونها.
ومحدش عرف يوصلها.
لأن أول ناس بيهربوا وقت الغرق… هما اللي ركبوا السفينة علشان الفلوس.
الساعة كانت داخلة على ١١ الصبح لما جرس باب بيت أم ليلى رن.
أمها بصت من العين السحرية… واتجمد وشها.
“مين؟” سألت ليلى بتعب.
أمها بصتلها بتردد.
“كريم.”
الصمت وقع تقيل.
ليلى قلبها دق بعنف… لكنها قامت.
مشيت ناحية الباب ببطء وهي شايلة الطفل.
وأول ما فتحته…
اتفاجئت.
كريم ماكانش شبه نفسه.
الدقن طالعة.
العينين حمرا.
والغرور اللي كان ماليه امبارح… اختفى.
بصلها ثواني طويلة… وبعدين نزل عينه على ابنه.
أول مرة يشوفه فعلًا.
إيده اترعشت وهو بيقرب خطوة صغيرة.
“ده… ابني؟”
ليلى حسّت قلبها بيتقبض.
لأن السؤال كان متأخر أوي.
اتناشر يوم.
اتناشر يوم كاملين وهو ماشفش ابنه.
ماحضنش.
ماسمعش صوته.
ماكانش موجود.
كريم رفع عينيه ليها بصوت مبحوح.
“ممكن… أشيله؟”
ليلى فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين… ناولتله الطفل.
بحذر.
كريم أخده كأنه خايف يتكسر.
والطفل الصغير فتح عينيه وبصله.
في اللحظة دي…
حاجة جوه كريم اتهدت.
كل حاجة.
الفلوس.
العلاقات.
السكرتيرة.
الغرور.
كل ده اختفى قدام الكائن الصغير اللي بيبصله من غير ذنب.
دموع نزلت من عينه فجأة.
ليلى اتصدمت.
طول جوازهم… عمرها ما شافته بيعيط.
كريم بص لابنه وهمس:
“أنا آسف.”
لكن السؤال الحقيقي…
كان مين بالظبط اللي بيعتذرله؟
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *