قبر ابي حكـايـات أسمـا ×1
امام قبر والدي، أمسك حارس القبور بذراعي وهمس: أبوك دفع لي فلوس عشان أدفن نعش فاضي ثم سلمني مفتاحًا سيغيّر حياتي للأبد
الفصل الأول
كان صوت الدعاء الأخير ما يزال عالقًا في الهواء البارد داخل مقابر العائلة بمدينة نصر.
تحرك الأقارب والجيران ببطء بين القبور.مصافحات.
كلمات مواساة.أيدٍ تربت على الأكتاف.وجوه حزينة تحاول قول شيء يخفف الألم.لكن لا شيء كان قادرًا على ذلك.
وقفت والدتي، نادية السيوفي، قرب سيارة نقل الموتى السوداء.يدها تغطي فمها.وعيناها غارقتان في الدموع.
أما زوجتي سلمى فكانت تضم طفلينا إلى جوارها.
بينما كنت أقف أحاول أن أكون الرجل الذي ينتظره الجميع.الابن القوي.الهادئ.المتماسك.كان والدي محمود السيوفي في السادسة والستين من عمره.قالوا إنه تعرض لأزمة قلبية داخل مكتبه.ومات قبل وصول الإسعاف.
وخلال الساعات الثلاثة الماضية كنت منشغلًا بكل شيء.
إجراءات الدفن.استقبال المعزين.الأوراق الرسمية.
ومحاولة إقناع نفسي أن الحزن هو الشيء الوحيد الذي يحدث.ثم اقترب مني حفّار القبور.وقال جملة قلبت عالمي رأسًا على عقب.”أبوك دفع لي فلوس.”نظرت إليه باستغراب.
“فلوس عشان إيه؟”
التفت حوله بحذر.ثم اقترب أكثر وهمس:”عشان أدفن نعش فاضي.”شعرت أن عقلي توقف.
“إيه؟”
تجمدت الكلمات في حلقي.
“أبويا مات.”
هز الرجل رأسه ببطء.وقال:إنت شفت اللي هو كان عايزك تشوفه…حدقت فيه غير مصدق.
بعض الجمل تكون مستحيلة لدرجة أن العقل يرفض فهمها.
قبل أن تشعر بالخوف أصلًا.
ثم وضع شيئًا باردًا في كفي.نظرت إليه.
مفتاح نحاسي صغير.منقوش عليه الرقم: 17
وقال بصوت خافت:ما تروحش البيت.
رمشت عدة مرات.
“إيه؟”
كرر:
“مهما حد اتصل بيك.”
“مهما حد قالك.”
“ما ترجعش البيت دلوقتي.”
ثم أضاف:
“روح المخزن رقم 17 على طريق السويس.”
“أبوك سايب تعليمات.”
قلت بعصبية:
“أبويا مات انت اتجننت”وفي اللحظة نفسها…
اهتز هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كانت رسالة من والدتي.
ثلاث كلمات فقط.
تعالى البيت لوحدك.
تجمدت.
والدتي لا تكتب بهذه الطريقة أبدًا.
كانت تكتب رسائل طويلة.
وتناديني دائمًا: “يا حبيبي.” أو:”يا ابني.”
أما هذه الرسالة…
فبدت وكأن شخصًا غريبًا أرسلها.
لاحظ حفار القبور الشاشة.
وفجأة اختفى اللون من وجهه.
وقال:
“أوعى.”
“مهما حصل أوعى تروح.”
رفعت رأسي نحوه.”إيه اللي بيحصل؟”مد يده داخل معطفه.وأخرج ظرفًا قديمًا.كان اسمي مكتوبًا عليه
بخط والدي.كريم…شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قال الرجل:
“أبوك سلّمني الظرف ده من عشرين سنة.”
تجمدت.
“عشرين سنة؟”
أومأ برأسه.
“وقال لي هتعرف إمتى تسلمه.”
حدقت في الظرف.
وأحسست أن الأرض تهتز تحت قدمي.
كيف يمكن لرجل أن يخطط لشيء كهذا قبل عشرين عامًا؟
ولماذا؟
استدار حفّار القبور… وووو
الفصل الثاني
استدار حفّار القبور ببطء.
ثم بدأ يبتعد بين شواهد القبور القديمة.
“استنى!”
صرخت خلفه.
لكنه لم يتوقف.
ولم يلتفت.
وخلال ثوانٍ كان قد اختفى بين الممرات الحجرية وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
وقفت مكاني.
المفتاح النحاسي في يدي.
والظرف القديم في الأخرى.
بينما دقات قلبي تتسارع بصورة مؤلمة.
نظرت نحو والدتي.
كانت ما تزال تقف قرب السيارة السوداء.
لكن شيئًا ما بدا غريبًا.
شخصان لا أعرفهما يقفان بالقرب منها.
يرتديان بدلات سوداء.
يتحدثان معها بهدوء.
وعندما رفعت أمي رأسها نحوي…
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
كانت تنظر إليّ وكأنها تريد أن تقول شيئًا.
لكنها لا تستطيع.
ثم اهتز هاتفي مرة أخرى.
رسالة جديدة.
من الرقم نفسه.
تعالى البيت حالًا.
لو بتحب أمك.
تجمدت أصابعي.
هذه ليست طريقة أمي.
مستحيل.
مزقت الظرف بسرعة.
وأخرجت الرسالة الموجودة بداخله.
كان خط والدي بلا شك.
قرأت السطر الأول.
فشعرت أن الهواء اختفى من حولي.
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعلم أنني لم أمت بالطريقة التي سيخبرونك بها.”
توقفت أنفاسي.
وأكملت القراءة.
“ولا تثق بأي شخص يقف الآن بجوار والدتك.”
رفعت رأسي فورًا.
ونظرت نحو الرجلين.
كان أحدهما يراقبني بالفعل.
شعرت بأن معدتي تنقبض.
وأكملت القراءة.
“كريم… إذا وصلتك هذه الرسالة فهذا يعني أنهم تحركوا أخيرًا.”
“اسمعني جيدًا.”
“لا تذهب إلى المنزل.”
“ولا إلى الشرطة.”
“ولا تخبر زوجتك بأي شيء الآن.”
“اذهب مباشرة إلى المخزن رقم 17.”
“هناك ستجد الحقيقة التي أخفيتها عشرين عامًا.”
ازدادت ضربات قلبي.
ثم وصلت إلى آخر سطر.
السطر الذي جعل الأرض تميد تحت قدمي.
“وأهم من كل شيء…”
“إذا رأيت جثماني اليوم…”
“فاعلم أنه ليس جثماني.”
رفعت الرسالة بيد مرتجفة.
ونظرت نحو القبر الذي دُفن فيه والدي منذ دقائق.
ثم إلى التربة الرطبة فوق النعش.
وفجأة…
لم أعد متأكدًا من أي شيء.
رن الهاتف.
هذه المرة كانت زوجتي سلمى.
ترددت للحظة.
ثم أجبت.
جاءني صوتها سريعًا ومتوترًا.
“كريم… فين؟”
“لسه في المقابر.”
صمتت ثانية.
ثم قالت:
“في ناس جم البيت.”
تجمدت.
“مين؟”
“مش عارفة.”
“بيقولوا أصحاب والدك.”
شعرت بقشعريرة تعبر ظهري.
ثم أكملت بصوت مرتعش:
“بيسألوا عليك.”
وقبل أن أسأل المزيد…
انقطع الخط فجأة.
كأن أحدًا انتزع الهاتف من يدها.
“سلمى؟”
لا رد.
“سلمى!”
صمت.
ثم انقطع الاتصال بالكامل.
في تلك اللحظة فقط…
اتخذت قراري.
لن أذهب إلى المنزل.
سأذهب إلى المخزن رقم 17.
مهما كانت الحقيقة.
ومهما كان الثمن.
لأن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا.
والدي لم يكن الرجل الذي ظننت أنني أعرفه طوال حياتي.
وكان هناك من يخشى أن أعرف السبب.
الفصل الثالث
استغرقت الرحلة إلى طريق السويس أقل من أربعين دقيقة.
لكنها بدت لي أطول من سنوات.
كل إشارة مرور.
كل سيارة سوداء تمر بجواري.
كل رنة هاتف.
كانت تجعل التوتر يتضاعف داخلي.
أغلقت هاتفي تمامًا.
لم أرد على أمي.
ولا على سلمى.
ولا على أي رقم مجهول.
كانت كلمات والدي تدور في رأسي بلا توقف:
“لا تذهب إلى المنزل.”
“لا تثق بأحد.”
“اذهب إلى المخزن رقم 17.”
ومع كل كيلومتر كنت أقطعه، كانت الحقيقة التي عرفتها طوال حياتي تبدو أكثر هشاشة.
وصلت أخيرًا إلى منطقة مخازن قديمة مهجورة على أطراف الطريق.
أسوار صدئة.
أبواب حديدية ضخمة.
وصمت ثقيل يملأ المكان.
بحثت بين الأرقام حتى وجدته.
المخزن 17.
كان أصغر مما توقعت.
باب حديدي قديم.
وقفل نحاسي أسود من أثر الزمن.
أخرجت المفتاح الذي أعطاني إياه حفار القبور.
أدخلته في القفل.
وتوقفت.
لثانية واحدة فقط.
لأنني شعرت فجأة أن حياتي تنقسم إلى نصفين.
ما قبل فتح الباب.
وما بعده.
ثم أدرت المفتاح.
صدر صوت معدني قديم.
وانفتح القفل.
دفعت الباب ببطء.
فانبعثت رائحة غبار وخشب قديم.
أشعلت مصباح هاتفي.
ودخلت.
كان المخزن فارغًا تقريبًا.
إلا من مكتب خشبي في المنتصف.
وخزانة حديدية كبيرة في الخلف.
وعلى المكتب…
كان هناك صندوق أسود.
وعليه ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط والدي:
“لك وحدك.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وتقدمت نحوه.
فتحت الصندوق.
فتجمد الدم في عروقي.
أول شيء رأيته كان صورة قديمة.
صورة لوالدي.
لكن ليس وحده.
كان يقف بجوار رجل يشبهه بشكل مرعب.
كأنهما توأم.
نفس الوجه.
نفس الابتسامة.
نفس العينين.
قلبت الصورة.
فوجدت كتابة خلفها:
“محمود ومراد – 1989”
مراد؟
لم أسمع هذا الاسم في حياتي.
أبدًا.
أخرجت صورة أخرى.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
كلها للرجلين معًا.
وأخيرًا وجدت ملفًا بنيًا سميكًا.
فتحته بسرعة.
وفي الصفحة الأولى كانت شهادة ميلاد.
الاسم:
مراد السيوفي.
تاريخ الميلاد مطابق تمامًا لتاريخ ميلاد والدي.
توأم.
كان لأبي أخ توأم.
أخ لم يخبرني عنه أحد.
ولا مرة واحدة طوال حياتي.
جلست على الكرسي بصعوبة.
وأكملت القراءة.
صفحات طويلة.
مستندات.
تحويلات مالية.
عقود.
رسائل.
ثم وصلت إلى خطاب مكتوب بخط والدي.
وكان عنوانه:
“الحقيقة التي أخفيتها عنك.”
بدأت أقرأ.
“كريم…”
“إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أنني فشلت.”
“وفشلت بطريقة كنت أخشاها منذ عشرين عامًا.”
ازدادت ضربات قلبي.
وأكملت.
“أخي مراد لم يمت كما أخبرتك العائلة.”
“بل اختفى.”
“والسبب أن أشخاصًا نافذين كانوا يريدون شيئًا يملكه.”
“شيئًا أخطر من المال.”
توقفت.
ثم قرأت السطر التالي.
وشعرت بصدمة حقيقية.
“مراد اكتشف شبكة فساد ضخمة داخل مؤسسات الدولة وشركات خاصة كبرى.”
“وكان يحتفظ بأدلة قادرة على إسقاط شخصيات لا يتخيلها أحد.”
شعرت بالدوار.
ثم وصلت إلى جملة أخطر.
“ومنذ عشرين عامًا وهم يبحثون عنه.”
“ويعتقدون أنني أعرف مكانه.”
رفعت رأسي ببطء.
فهمت الآن.
لم يكن والدي يهرب منهم.
كان يحمي شخصًا آخر.
يحمي أخاه.
لكن السؤال الأهم ظل قائمًا.
أين مراد الآن؟
واصلت القراءة.
حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
وكانت تحتوي على سطر واحد فقط.
سطر جعل الدم يتجمد في عروقي.
“إذا لم أعد موجودًا…”
“فابحث عن مراد في المكان الذي مات فيه محمود.”
توقفت أنفاسي.
وأعدت قراءة الجملة.
مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
ثم وقفت فجأة.
لأن المعنى بدأ يتضح.
إذا كان عليّ أن أبحث عن مراد في المكان الذي مات فيه محمود…
فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.
أن الشخص الذي مات…
ربما لم يكن والدي أصلًا.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوت تصفيق هادئ يأتي من خلفي.
استدرت بسرعة.
وتجمدت في مكاني.
كان هناك رجل يقف عند باب المخزن.
رجل في أواخر الستينيات.
شعره رمادي.
وجهه متعب.
لكن ملامحه…
كانت مطابقة تمامًا لملامح والدي.
ابتسم الرجل ببطء.
وقال:
“أخيرًا وصلت يا كريم.”
ثم أضاف بصوت جعل قلبي يتوقف:
“أنا عمك مراد…”
“وأبوك ما زال حيًا.”
