ادم المنصوري حكـايـات أسمـا 4

الفصل الرابع — لما سليم اختار يعافر
الصوت اللي خرج من الموبايل ماكانش مجرد تهديد.
كان مفتاح لباب أسود اتفتح فجأة في وشهم كلهم.
سليم فضل ماسك التليفون بعد ما الخط اتقفل، عينه ثابتة على الفراغ، لكن عضلات وشه كلها متشنجة كأنه بيمنع نفسه من إنه يكسر أي حاجة قدامه.
ريم كانت واقفة جنب آدم، حاضناه بإيد، وبالإيد التانية ماسكة كتفه الصغير علشان تحسسه إنه لسه في مكان آمن.
أما آدم… فكان باصص للصورة اللي في إيد أبوه.
وشه شاحب. شفايفه بتترعش. وعينه معلقة بالراجل اللي ماسك السيجارة.
“هو…” همس الطفل، “هو اللي كان بيزعق لماما.”
سليم ببطء نزل على ركبته قدام آدم.
دي كانت أول مرة ريم تشوفه ينزل لمستوى ابنه من غير ما يكون في الأمر قسوة أو توتر.
قال بصوت مخنوق: “آدم… بصلي.”
آدم بصله بحذر.
“أنت فاكر إيه؟”
ريم اتدخلت بسرعة: “سليم، بلاش تضغط عليه.”
لكن سليم ماكانش بيضغط المرة دي.
كان بيترجى.
قال لابنه: “أنا مش هزعق. ومش هخليك تحكي حاجة مش قادر عليها. بس أنا محتاج أعرف علشان أحميك.”
آدم بص لريم.
كأنه بياخد منها إذن.
ريم هزت راسها بهدوء: “قول اللي تقدر عليه بس يا حبيبي.”
آدم بلع ريقه.
“ماما كانت بتعيط في العربية. كانت بتقول له: مش هسكت. هقول لسليم.”
سليم عينه اتغيرت.
“له؟ لفؤاد؟”
آدم هز راسه ببطء.
“كان ريحته وحشة… دخان. وكان قاعد قدام. وبعدين ماما قالت له وقف العربية. هو ضحك. وبعدها…”
الطفل بدأ ينهج.
ريم ضمته لصدرها.
“كفاية. كفاية يا آدم.”
لكنه مسك هدومها بإيده الصغيرة وهمس: “العربية خبطت. ماما كانت بتنادي بابا. وأنا كنت… أنا كنت مستخبي.”
سليم حط إيده على فمه.
لأول مرة… ريم شافته ينكسر قدامها بالكامل.
مش رجل أعمال. مش صاحب قصر. مش اسم بيرعب الناس.
أب عرف إن ابنه عاش سنتين شايل جريمة جوا دماغه وهو لوحده.
سليم قام فجأة.
الغضب رجع لعينيه.
اتجه ناحية آخر الطرقة.
ريم نادته: “رايح فين؟”
“أفتح الجناح كله.”
مدام نوال ظهرت كأنها كانت قريبة، ووشها اتخطف: “لا يا سليم بيه! أرجوك!”
سليم لف لها بعنف: “إنتِ كنتي عارفة إيه؟”
مدام نوال سكتت.
وسكوتها كان اعتراف.
ريم حست ببرودة تمشي في جسمها.
سليم قرب منها خطوة: “نوال… آخر فرصة.”
الست القوية اللي كانت بتكلم الكل بتعالٍ، عينيها اتمليت دموع.
“أنا كنت بحاول أحمي البيت.”
“تحمي البيت؟ ولا تحمي السر؟”
نوال اتنهدت بصوت متكسر: “ليلى هانم قبل الحادث بيوم كانت مرعوبة. قالتلي إن في أوراق اختفت من مكتبها. وإن فؤاد كان بيراقبها. وقالتلي لو حصلها حاجة… أخلي بالك من آدم.”
سليم صرخ: “وليه ماقولتيليش؟”
نوال دموعها نزلت: “علشان بعد الحادث جالي تهديد. قالولي لو اتكلمت، آدم هيموت. وأنا شفته بعيني بعد الحادث… طفل مكسر وساكت. خفت. غلطت، بس خفت عليه.”
سليم كان على وشك ينفجر.
لكن ريم قالت بهدوء حازم: “الغضب دلوقتي مش هيرجع حاجة. اللي هينفعنا دليل.”
سليم لف لها.
كان نفسه عالي.
وبعد لحظة طويلة، كأنه مسك نفسه بالعافية.
“تمام.”
فتح الجناح الشمالي بنفسه.
الباب الأسود صرّ صوت طويل وهو بيتفتح، كأنه بقاله سنين بيشتكي.
ريم دخلت ورا سليم وهي ماسكة آدم.
نوال واقفة عند الباب، رافضة تدخل.
الجناح كان واسع ومظلم.
تراب فوق الأثاث. مرايات مغطية. صور ليلى متغطية بقماش أبيض. ريحة عطر قديم مخلوطة بريحة رطوبة وذكريات محبوسة.
آدم دفن وشه في كتف ريم.
سليم شال قماش أبيض عن صورة كبيرة.
ليلى.
ست جميلة، عينيها هادية، ضحكتها دافية.
ريم حسّت بغصة.
دي الست اللي البيت كله عايش على موتها.
سليم لمس طرف البرواز بإيده.
لحظة قصيرة، وبعدها رجع جامد.
فتشوا المكتب القديم بتاعها.
الأدراج. الكتب. صناديق صغيرة. لحد ما ريم لاحظت خدش غريب في خشب المكتبة.
ضغطت عليه بإيدها.
رف صغير اتحرك.
جواه ظرف بني قديم.
سليم خطفه بسرعة وفتحه.
كان فيه نسخ عقود، صور تحويلات مالية، وأسماء شركات وهمية.
وفي آخر الورق… رسالة بخط ليلى.
“لو وصلت الرسالة دي لسليم، يبقى أنا فشلت أهرب بالحقيقة. فؤاد مش لوحده. في حد من قريبين البيت بيساعده. أنا اكتشفت إن شحنات الشركة بتتستخدم في تهريب حاجات ممنوعة، وإن في ناس بتستغل اسم سليم من وراه. حاولت أواجههم، وهددوني بآدم. لو حصلي حاجة، دور على كارما.”
ريم شهقت.
“كارما؟”
سليم قبضته اتشدت على الورق.
وجهه بقى هادي جدًا.
والهدوء ده كان مخيف أكتر من غضبه.
قال: “يبقى هي اللي سربت الخبر عنك.”
ريم بلعت ريقها.
آدم رفع وشه وهمس: “كارما كانت بتيجي لماما.”
سليم بصله بسرعة.
“فاكر؟”
آدم هز راسه. “كانت تقول لها: سليم مش هيصدقك.”
ريم حسّت إن الصورة كلها بتتركب.
كارما ماكانتش مجرد قريبة غيورة. كانت جزء من اللعبة.
وفي اللحظة دي، موبايل ريم رن.
رقم أمها.
فتحت بسرعة: “أيوه يا ماما؟”
صوت أمها كان بيترعش: “ريم… في راجلين جم عند المستشفى بيسألوا عن مالك. قالوا إنهم تبعك. أنا خفت.”
الدم نشف في وش ريم.
سليم خد منها الموبايل بهدوء قاتل: “مدام عادل، اسمعيني كويس. ما تخرجيش من المستشفى. في حراسة هتوصل خلال دقائق.”
قفل الخط وبص لريم.
هي كانت واقفة مش قادرة تتنفس.
“أخويا…”
“هيبقى في أمان.”
“هما وصلوله بسببي.”
سليم قرب منها: “لا. بسببهم. مش بسببك.”
ريم هزت راسها ودموعها نزلت: “أنا لازم أمشي. لو أنا السبب إنهم يأذوا مالك أو آدم، يبقى لازم أبعد.”
وش سليم اتغير.
“مش هتمشي.”
“سليم، بلاش أنانية.”
“الأنانية إني أسيبك تواجهيهم لوحدك.”
“أنا مش من عالمك. أنت عندك حراس ومحامين وفلوس. أنا عندي أم مريضة من الخوف وأخ صغير قلبه تعبان.”
سليم مسك إيدها لأول مرة.
مسكة قوية، لكن مش مؤذية.
“ومن اللحظة دي، هما تحت حمايتي.”
ريم بصت لإيده على إيدها، واتلخبطت.
“ليه؟”
السؤال طلع منها ضعيف.
سليم بص في عينيها.
“علشان مش قادر أتخيلك تتأذي.”
الصمت وقع بينهم.
آدم كان باصص لهم بهدوء غريب.
وكأنه فهم حاجة الكبار لسه خايفين يسموها.
ريم سحبت إيدها ببطء.
“إحنا لازم نفكر في آدم.”
سليم قال: “أنا بفكر في آدم. وفيكي.”
ريم قلبها اتلخبط جامد.
لكن قبل ما ترد، آدم شد هدومها: “ريم… ماتمشيش.”
نزلت قدامه وحضنته.
“مش همشي يا حبيبي.”
سليم سمعها.
والكلمة طمنت قلبه بطريقة ماكانش مستعد يعترف بيها.
في اليوم التالي، القصر اتحول لقلعة.
حراسة مضاعفة. كاميرات جديدة. محامين. رجال أمن خاص. وتحقيق داخلي بدأ في شركات سليم.
كارما حاولت تتصل بسليم أكتر من مرة، لكنه ما ردش.
وفؤاد اختفى تاني.
لكن المشاكل بدأت من جوه البيت.
الخدم بدأوا يخافوا من ريم. مش لأنها قاسية. لأنهم حسوا إن مكانتها بتتغير.
مدام نوال بقت تتعامل معاها بهدوء أكتر، لكن في عينيها كان فيه ذنب.
أما سليم… فوجوده حواليها زاد.
كان يمر على أوضة آدم أكتر. يقعد معاهم في الجنينة. يسألها أكلت ولا لأ. يبعت الدكتور يكشف على ضلعها. يسمع كلامها عن آدم بدل ما يصدر أوامر.
وده خلا الناس تتكلم.
وفي صباح يوم، ريم كانت بتساعد آدم يرسم في الجنينة، لما سمعت اتنين من الخدم بيتكلموا ورا الشجر.
“واضح إنها عرفت الطريق لقلب البيه.”
“ما هو الغلبانة لما تبقى شاطرة، بتطلع بسرعة.”
“بكرة تبقى هانم علينا.”
ريم وقفت.
آدم لاحظ وشها.
“هما بيقولوا وحش؟”
ريم ابتسمت بالعافية: “لا يا حبيبي.”
لكن عينيها كانت موجوعة.
رجعت تدخل القصر، فلاقَت سليم واقف عند الباب.
واضح إنه سمع.
قال للحارسين: “اجمعوا طاقم الخدمة كله في الصالة.”
ريم اتوترت: “سليم، بلاش.”
“لا.”
بعد عشر دقايق، كل الخدم واقفين في الصالة.
سليم وقف قدامهم.
صوته كان هادي، لكنه حاسم.
“أي كلمة تقلل من ريم أو من شغلها أو من وجودها هنا، صاحبها هيمشي في نفس اللحظة. هي مش أقل من حد في البيت ده. وهي السبب إن ابني رجع يتكلم.”
الكل سكت.
ريم وشها احمر من الإحراج.
هو كمل: “الاحترام هنا مش على حسب الفلوس ولا الاسم. الاحترام على حسب الأصل.”
الجملة دي خلت عيون كتير تنزل في الأرض.
بعد ما الكل مشي، ريم قالت بحدة منخفضة: “ماكانش لازم تعمل كده.”
سليم استغرب: “بدافع عنك.”
“أنا مش عايزة الناس تحس إني واخدة قوة منك.”
“وأنا مش عايزك تقفي لوحدك.”
“اتعودت.”
سليم قرب منها: “اتعودي إنك مش لوحدك.”
الكلمة سكتتها.
كانت بسيطة. لكنها هزت كل الحيطان اللي بنتها حوالي قلبها.
مرت أيام.
آدم بدأ يتحسن أكتر.
بقى ينطق جمل كاملة.
بقى يضحك أحيانًا. يطلب من سليم يحكيله حكاية. ينام من غير نور مفتوح.
وفي ليلة هادية، سليم قعد على الأرض في أوضة آدم، وريم جنبه، وآدم بينهم.
كانوا بيركبوا مكعبات.
آدم فجأة قال: “بابا… ريم ينفع تبقى هنا على طول؟”
ريم اتجمدت.
سليم بص لها.
ثم قال لآدم: “لو هي عايزة.”
آدم لف لها: “عايزة؟”
ريم اتوترت جدًا.
“أنا… موجودة معاك يا آدم.”
“على طول؟”
القلب في صدرها وجعها.
لأنها ماكانتش تعرف ترد.
سليم لاحظ ارتباكها، فغير الموضوع بلطف: “يلا نكمل البرج.”
لكن بعد ما آدم نام، ريم خرجت بسرعة من الأوضة.
سليم لحقها في الطرقة.
“ريم.”
وقفت.
“السؤال خوفك؟”
قالت وهي بتحاول تبان قوية: “لازم يخوفني. طفل متعلق بيا. وأنت…”
سكتت.
“وأنا إيه؟”
بصت له.
“وأنت بتخليني أنسى أنا مين.”
سليم اقترب منها ببطء.
“وأنتِ مين؟”
“واحدة جاية تشتغل. مش أكتر.”
“كذبة.”
“حقيقة.”
“لو كانت حقيقة، ماكنتيش خفتي.”
ريم عينيها لمعت: “أنا بخاف لأن اللي زيي لما يحلم فوق مكانه بيتكسر.”
سليم ملامحه اتألمت.
“مين قال إنك تحت؟”
ضحكت بمرارة: “الدنيا كلها.”
“أنا مش الدنيا.”
“بس هتصدقها في الآخر.”
سليم سكت لحظة.
ثم قال بصوت عميق: “أنا خسرت مراتي لأني اتأخرت أصدقها. مش هكرر نفس الغلطة معاكِ.”
ريم اتنهدت، ودموعها كانت قريبة.
“ما تقولش كلام كبير وأنت موجوع.”
“أنا موجوع من قبل ما تدخلي حياتي. بس من يوم ما دخلتي… الوجع بقى بيتنفس.”
الجملة كسرت دفاعها كله.
فضلت باصة له.
وكان واضح إن بينهم حاجة بتكبر.
حاجة مش مناسبة. مش سهلة. مش آمنة.
لكن حقيقية.
وقبل ما أي حد فيهم يقرب أكتر…
سمعوا صوت زجاج بيتكسر تحت.
سليم نزل يجري.
ريم وراه.
في الصالة، واحد من شبابيك القصر كان مكسور.
وعلى الأرض حجر ملفوف بورقة.
الحراس انتشروا بسرعة.
سليم فتح الورقة.
مكتوب فيها:
“آخر تحذير. المربية تمشي، أو الطفل هيفتكر كل حاجة وهو بيموت.”
ريم حست برجليها بتضعف.
آدم ظهر فوق السلم، صاحي من الصوت.
“ريم؟”
جريت عليه قبل ما يشوف الورقة.
لكن سليم كان خلاص اتحول.
البرود اختفى.
مكانه راجل مستعد يحرق الدنيا.
قال لرئيس الحرس: “اقفلوا القصر. محدش يدخل أو يخرج. وعايز كارما هنا خلال ساعة.”
كارما وصلت بعد ساعة ونص.
كانت متوترة، لكنها لابسة قناع الثقة.
“إيه المسرحية دي يا سليم؟ تبعتلي حراس يجيبوني كأني مجرمة؟”
سليم رمى قدامها صورة ليلى مع فؤاد، والرسالة، ونسخ العقود.
وشها اتغير لحظة.
لحظة واحدة بس.
لكن سليم شافها.
“اتكلمي.”
كارما ضحكت: “أنت مصدق خربشات واحدة ميتة ورسومات طفل؟”
ريم كانت واقفة بعيد، وآدم في أوضته مع نوال.
سليم قال: “ومصدق تهديداتك.”
“تهديداتي؟”
“الخبر اللي اتسرب عن ريم. الحجر. مكالمة التهديد. الوصول لمستشفى مالك. كل ده وراك.”
كارما ابتسامتها راحت.
“أنت اتجننت بسببها.”
سليم قرب منها: “لا. أنا فوقت بسببها.”
الكلمة جرحت كارما.
صرخت: “أنا اللي كنت جنبك بعد موت ليلى! أنا اللي حاولت ألم البيت! أنا اللي كنت مناسبة ليك!”
“أنتِ كنتِ عايزة مكاني. مش قلبي.”
كارما وشها اتلوى: “وقلبك خدته خدامة؟”
سليم قال بصوت منخفض وخطير: “آخر مرة تقولي الكلمة دي.”
كارما بصت ناحية ريم بحقد.
“فاكرة إنه هيختارك؟ هو مش بتاعك. مهما عمل، في الآخر هيفوق ويعرف إنك غلطة.”
ريم كان ممكن تضعف.
لكن المرة دي ما سكتتش.
قربت خطوة وقالت: “يمكن. ويمكن أنا فعلًا مش من عالمه. بس أنا عمري ما تاجرت بخوف طفل، ولا خنت واحدة ماتت، ولا استخدمت مرض أخ صغير علشان أكسر بنت.”
كارما اتجمدت.
سليم بص لريم بفخر واضح.
كارما فقدت أعصابها: “أنتم فاكرين فؤاد هيقع بسهولة؟ فؤاد معاه ناس أكبر منكم. وليلى لما حاولت تبقى بطلة ماتت. وإنتِ لو كملتي… هتروحي وراها.”
الصالة سكتت.
كارما نفسها استوعبت إنها قالت أكتر من اللازم.
سليم ابتسم ابتسامة باردة: “شكرًا.”
كارما بصت حواليها.
رئيس الحرس كان ماسك تسجيل صوتي من كاميرا الصالة.
“كل كلمة اتسجلت.”
كارما حاولت تمشي، لكن الحراس وقفوا قدامها.
سليم قال: “الشرطة في الطريق.”
لأول مرة، الخوف ظهر في عينيها.
“سليم…”
“خلص الكلام.”
لكن قبل ما الشرطة توصل…
النور قطع في القصر كله.
صرخة نوال طلعت من فوق:
“آدم!”
ريم قلبها وقف.
طلعت تجري على السلم.
سليم جرى وراها.
أوضة آدم كانت فاضية.
الشباك مفتوح.
والستارة بتطير مع الهوا.
على السرير، لعبة آدم المفضلة متقطعة.
ورقة صغيرة محطوطة جنبها:
“قلتلكم المربية تمشي.”
ريم صرخت باسم آدم.
سليم وقف ثانيتين ساكت.
ثانيتين بس.
بعدها صوته هز القصر كله:
“اقفلوا كل الطرق!”
ثم التفت لريم.
هي كانت منهارة.
“أنا السبب… أنا السبب…”
سليم مسك كتفيها بقوة: “بصيلي.”
“آدم اتاخد بسببي!”
“بصيلي يا ريم!”
بصت له وهي بتعيط.
قال بصوت ثابت رغم النار في عينه: “هجيبه. قسمًا بالله هجيبه.”
“وأنا جاية معاك.”
“لا.”
“سليم!”
“مش هخسرك إنتِ كمان.”
الكلمة خرجت قبل ما يتحكم فيها.
ريم سكتت.
حتى وسط الرعب، الكلمة لمستها.
لكنه كمل: “أنا مش بمنعك علشان ضعيفة. بمنعك لأنهم عايزينك تحديدًا. وجودك معاهم خطر على آدم.”
ريم مسحت دموعها.
“يبقى استخدمني.”
سليم اتجمد.
“إيه؟”
“هما عايزيني أمشي. وعايزين آدم يسكت. يبقى نديهم اللي عايزينه بشكل مزيف.”
رئيس الحرس قال: “يعني طُعم؟”
سليم انفجر: “مستحيل.”
ريم قربت منه: “أنت قلت هتعافر علشاني. دلوقتي عافر صح. ثق فيا.”
“مش هحطك في خطر.”
“أنا في خطر من ساعة دخلت البيت ده. الفرق إن آدم دلوقتي لوحده.”
سليم بص لها.
كان ممزق.
كل ذرة فيه رافضة.
لكن عين ريم كانت ثابتة.
مش بتتصرف بتهور. بتتصرف بحب.
حب لآدم.
وربما… حب له هو كمان.
بعد دقائق، الخطة اتعملت.
ريم هتخرج من القصر بعربية عادية، كأنها اتطردت.
هاتفها متراقب. حراسة سرية وراها. وسليم هيكون قريب.
لكن قبل ما تخرج، سليم وقف معاها عند الباب الخلفي.
كان الليل بارد.
قال بصوت منخفض: “لو حسيتِ بأي حاجة غلط، تقولي كلمة واحدة وننهي الخطة.”
ريم هزت راسها.
سليم مسك إيدها.
“ريم…”
رفعت عينها.
كان في عينه كلام كتير.
خوف. ندم. حب بيحاول يطلع وسط الخراب.
قال: “ارجعيلي.”
قلبها دق بعنف.
“آدم الأول.”
“إنتوا الاتنين.”
ثواني طويلة.
ثم ركبت العربية.
وبعد نص ساعة، وهي ماشية في طريق جانبي قريب من التجمع، جاتها رسالة من رقم مجهول:
“لو عايزة الولد يعيش، انزلي عند المخزن القديم على طريق السويس. لو شوفنا حرس، الطفل يموت.”
ريم بعتت الموقع فورًا لسليم زي ما اتفقوا.
لكن قبل ما تكمل، عربية سودا خبطت عربيتها من الجنب.
صرخت.
الموبايل وقع واتكسر.
اتنين ملثمين فتحوا الباب وشدوها.
آخر حاجة شافتها قبل ما يغيب وعيها… كانت لمبة عربية سليم بعيدة جدًا وبتقرب بجنون.
لما ريم فتحت عينها، كانت مربوطة في كرسي داخل مخزن قديم.
ريحة بنزين وحديد وصدأ.
قدامها… آدم مربوط في كرسي صغير، بيعيط بصمت.
“ريم…”
قلبها اتقطع.
“أنا هنا يا حبيبي. متخافش.”
ظهر فؤاد من الضلمة.
راجل طويل، وشه قاسي، وبين صوابعه سيجارة مشتعلة.
نفس الريحة.
آدم بدأ يرتعش بعنف.
فؤاد ابتسم: “الولد فاكر أكتر مما توقعت.”
ريم بصتله بقرف: “إنت قت*لت أمه.”
“أمه كانت فضولية.”
“وأنت جبان.”
ضحك.
“والجبان عايش. وهي في التراب.”
ريم بصت لآدم بسرعة: “بصلي يا آدم. ما تسمعوش. بصلي أنا.”
فؤاد قرب منها وصفعها.
آدم صرخ: “لا!”
ريم وشها اتلوى من الألم، لكنها رجعت تبص للطفل: “أنا كويسة. فاكر الحكاية؟ الولد اللي كان فاكر نفسه وحش؟”
آدم بيعيط: “طلع مش وحش.”
“صح. وطلع شجاع.”
فؤاد اتعصب: “اسكتي.”
فجأة الباب الحديد اتفتح بعنف.
سليم دخل.
لوحده.
من غير حرس ظاهر.
وشه كان هادي بشكل مرعب.
فؤاد حط س*كينة عند رقبة آدم.
“خطوة كمان والولد يموت.”
سليم وقف.
عينه على ابنه. ثم على ريم ووشها المضروب.
الغضب في عينه كان كافي يولع المكان.
قال: “سيبه.”
فؤاد ضحك: “هتدفع الأول. كل الملفات. كل التسجيلات. وكمان تتنازل عن قضية كارما.”
سليم قال: “تمام.”
ريم صرخت: “لا!”
سليم ما بصش لها.
“أي حاجة مقابل ابني.”
فؤاد ابتسم بانتصار.
لكن سليم كمل: “وأي حاجة مقابلها هي كمان.”
ريم سكتت.
فؤاد بصله بسخرية: “وقعت يا منصوري.”
سليم قال بهدوء: “لا. أنت اللي وقعت.”
وفي نفس اللحظة، آدم عمل حاجة محدش توقعها.
عض إيد فؤاد بكل قوته.
فؤاد صرخ.
سليم انقض عليه.
الحرس دخلوا من فتحات جانبية في المخزن.
كان واضح إن سليم جه لوحده كطُعم هو كمان، لكن المكان كله كان متحاصر.
فوضى. صراخ. ضرب نار في الهواء. فؤاد حاول يهرب ناحية الباب الخلفي، لكن رئيس الحرس طرحه أرضًا.
سليم ما اهتمش غير بآدم وريم.
فك قيود ابنه الأول وضمه لصدره.
آدم صرخ وهو بيعيط: “بابا!”
سليم حضنه بقوة، دموعه نزلت أخيرًا.
“أنا هنا. أنا آسف. أنا آسف يا حبيبي.”
ثم فك قيود ريم.
كانت بتحاول تقف، لكنها وقعت من التعب.
سليم لحقها بين دراعاته.
“ريم!”
ابتسمت بصعوبة: “آدم كويس؟”
“كويس.”
“يبقى أنا كويسة.”
سليم بص لها، وصوته اتكسر: “إنتِ ليه بتعملي كده؟”
ريم عينيها غمضت نص غمضة: “علشان بحبه.”
سليم قلبه توقف لحظة.
“آدم؟”
فتحت عينها ونظرت له.
“وإنت.”
الكلمة خرجت ضعيفة، لكنها وصلت.
وسط المخزن، وسط الدم والخوف والشرطة اللي دخلت تقبض على فؤاد، سليم حط جبينه على جبينها.
وقال بصوت مبحوح: “وأنا بحبك. من غير ما أعرف إمتى حصلت. بس حصلت.”
ريم دموعها نزلت.
آدم، وهو متعلق في رقبة أبوه، مد إيده الصغيرة وحطها على كتف ريم.
“نروح البيت؟”
سليم بص لهما.
ولأول مرة من سنين، كلمة البيت ماوجعتوش.
قال: “نروح البيت.”
بعد أسبوعين، القصر بقى مختلف.
الجناح الشمالي اتفتح. صور ليلى اتنضفت واتعلقت من غير قماش. الحقيقة ظهرت. كارما اتحبست على ذمة التحقيق. وفؤاد اعترف بعد ما ظهرت التسجيلات والفلاشات اللي ليلى كانت مخبياها.
آدم بدأ جلسات علاج حقيقية. مش علشان يسكتوه. علشان يسمعوه.
مالك عمل العملية، وسليم خلاها في أحسن مستشفى من غير ما يذل ريم بكلمة واحدة.
كتبها كسلفة رسمية، زي ما وعدها. لكن بعد العملية، لما ريم حاولت تسدد أول جزء من مرتبها، قال لها: “خليها بعدين.”
“بعدين إمتى؟”
ابتسم: “لما تبطلي تعاندي.”
هي بصتله: “يعني عمرها ما هتتسدد.”
ضحك.
وكانت أول مرة تسمع ضحكته كاملة.
ضحكة خلتها تتأكد إن الراجل ده كان مدفون تحت الحزن، مش ميت.
لكن الحب ماكانش سهل.
الناس اتكلمت. الصحافة كتبت. كارما من محبسها سربت إشاعات. بعض أقارب سليم هاجموه.
“هتتجوز المربية؟”
“دي صغيرة عليك.”
“دي طمعانة.”
“هتضيع اسم العيلة.”
سليم سمع كل ده في اجتماع عائلي كبير.
وريم كانت واقفة في آخر الصالة، حاسة إنها السبب في كل حرب.
واحد من أعمامه قال بحدة: “إحنا مش هنقبل بالمهزلة دي.”
سليم وقف.
بهدوء.
وقال: “إنتوا مش مطلوب منكم تقبلوا. أنا مش بطلب إذن.”
القاعة سكتت.
“ريم دخلت بيتي كموظفة، صحيح. لكنها وقفت مكان ناس كتير منكم هربوا منه. حمت ابني. رجعت له صوته. ووقفت قدام ناس كانت عايزة تق*تله. اللي شايف قيمتها قليلة علشان فلوسها قليلة، يبقى هو اللي قليل.”
ريم عينيها اتمليت دموع.
سليم مد إيده لها قدام الكل.
“تعالي.”
اترددت.
لكن آدم، اللي كان واقف جنبها، قال: “روحي.”
مشت ناحيته.
مسك إيدها.
وقال قدامهم كلهم: “أنا بحبها. وهتجوزها. واللي عنده مشكلة مع اختياري، الباب مفتوح.”
محدش اتكلم.
لأن سليم المنصوري لما اختار أخيرًا… اختار بعمره كله.
في ليلة بسيطة، من غير ضجة ولا مجلات ولا كاميرات، اتجوزوا.
مش في قاعة فخمة.
في جنينة القصر.
تحت نفس الشجر اللي آدم بدأ يلعب تحته من غير خوف.
ريم كانت لابسة فستان أبيض بسيط. وشعرها متلم بعناية. وفي إيدها ورد أبيض صغير.
أمها كانت بتعيط من الفرح. ومالك قاعد على كرسيه بعد العملية، بيبتسم وهو حاط إيده على صدره.
آدم كان ماسك علبة الدبل، واقف بفخر شديد.
لما جه وقت الدبل، آدم قال: “أنا موافق.”
كل الناس ضحكت.
سليم انحنى له: “هو لازم أنت توافق؟”
آدم هز راسه بجدية: “أيوه. دي ريم بتاعتي.”
ريم ضحكت ودموعها نازلة.
سليم لبسها الدبلة وهو بيبص في عينيها.
“وعد مني… مش هخليكي تقفي لوحدك تاني.”
ريم لبسته دبلته وقالت: “ووعد مني… مش هسيبك تهرب من قلبك تاني.”
سليم ابتسم.
ثم همس: “بحبك.”
قالها مرة.
ثم تانية.
ثم تالتة.
كأنه بيعوض سنين ماقالش فيها حاجة حقيقية.
ريم همست: “وأنا بحبك.”
آدم شد فستانها: “وأنا كمان بحبك.”
ضحكت ووطت حضنته.
سليم حضنهم الاتنين.
وفي اللحظة دي… القصر اللي كان بيكتم أنفاسه من الحزن والخوف… اتنفس أخيرًا.
لكن قبل نهاية الليلة، ريم وقفت قدام صورة ليلى في الصالة.
حطت وردة بيضا تحتها.
وقالت بصوت واطي: “ابنك بخير. وسليم كمان هيبقى بخير. أوعدك.”
سليم كان واقف وراها وسمعها.
قرب منها بهدوء.
“هي كانت هتحبك.”
ريم بصتله: “مش هتغير؟”
ابتسم بحزن دافي: “ليلى كانت جزء من عمري. وإنتِ رجعتيلي العمر.”
ريم سكتت.
وسندت راسها على كتفه.
آدم جري عليهم من آخر الصالة: “بابا! ريم! تعالوا نشوف النجوم!”
سليم بص لها.
“جاهزة؟”
ريم مسكت إيده.
“معاك؟ دايمًا.”
وخرجوا للجنينة.
آدم كان بيجري قدامهم، بيضحك بصوت عالي.
صوت ضحك طفل كان من سنتين ممنوع يدخل البيت.
سليم شد إيد ريم وقربها منه.
همس: “لسه مش مصدق إنك بقيتي مراتي.”
ريم ابتسمت: “وأنا لسه مش مصدقة إني دخلت القصر ده خايفة… وخرجت منه صاحبة بيت.”
سليم وقف وبص لها بعمق: “أنتِ ماخرجتيش منه. أنتِ خليتيه بيت.”
ثم مال وقبّل جبينها بحنان.
مش قبلة امتلاك. قبلة وعد.
وفي السماء فوق القصر، كانت النجوم هادية.
لكن جوا البيت… الحياة أخيرًا بدأت من جديد.
يتبغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *