ماضي يُنسي وجراح تلتئم اسما السيد 1

بعد موت زوجها أجبرتها زوجة أبيها علي الزواج من رجل فقير حتى تتخلص منها ومن طفلها لكن ما لم تتخيله أن ذلك الفقير هو اغني رجل اعمال بالمنطقه
لم تنسَ “ليلى” تلك الليلة ما دام القلب فيها ينبض.
كانت تجلس في غرفة ضيقة في بيت زوجة أبيها، تضمُّ طفلها الصغير “ياسر” إلى صدرها، وهي تسمع صراخ زوجة أبيها في الخارج يعلو ويخفت كريحٍ حاقدة تهدم ما تبقّى من أمنٍ في قلبها.
صرخت زوجة أبيها: ــ انتي مش هتفضلي قاعدة هنا للأبد! لا بيت ولا مصاريف ولا عيل يبكي طول الليل! جوزك مات، وماله خلاص مالناش فيه حاجة، وأنا مش هربيكي أنتِ وعيّلك!
أخفضت ليلى رأسها، وشعرت أن الأرض تدور. منذ وفاه زوجها “حسام” في حادث سيارة قبل أربعة أشهر، لم تعرف طعم النوم. كانت تحاول أن تجمع بين رعاية ابنها الصغير، والبحث عن عمل يسد الرمق، والتعامل مع قسوة زوجة الأب التي لم ترحم ضعفها ولا وحدتها.
دخلت زوجة أبيها الغرفة فجأة، ودفعت الباب بعنف حتى ارتطم بالحائط.
ــ قومي! جهزّي نفسك، في عريس مستني في الصالة.
رفعت ليلى عينيها ببطء:
ــ عريس؟!
ــ أيوة، راجل غلبان، بس محترم، وهيرتاح من الوحدة، وإنتِ هترتاحي من الفقر… كفاية قعدة من غير لازمة!
ارتبكت ليلى، ضمّت طفلها أكثر، وكأن يدًا تريد أن تنتزعه منها.
ــ بس أنا لسه في عدّة حسام…
ضحكت زوجة الأب بسخرية:
ــ عدّة إيه؟! أربع شهور عدّة كفاية وزيادة، وبعدين الشيخ قال كل حاجة تمام، قومي يلا! ولا عايزة تفضلي معلّقة كده؟!
كانت تعرف في داخلها أن امرأة لا تتمنى لابنة زوجها خيرًا لن تبحث لها عن زوج رحيم. لكن ماذا تفعل؟ لا بيت، لا مال، لا عائلة.
نظرت إلى طفلها، كأنها تنتظر منه إشارة. كان نائمًا، تتصاعد أنفاسه الصغيرة بهدوء، لا يدري أن مصيره يتشكل الآن.
تنهدت: طيب… هشوفه.
خرجت ليلى إلى الصالة بثوب بسيط، ترتجف يداها، وقد لفت رأسها بإيشارب أسود كعادتها منذ موت زوجها. في الصالة، جلس رجل في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، ملامحه هادئة، لحيته خفيفة، يرتدي ملابس بسيطة للغاية، بنطال قديم وقميص باهت، وحذاء يبدو أنه شهد سنوات طويلة من السير.
وقف الرجل حين رآها، خفض بصره، وقال بصوت هادئ: السلام عليكم.
أجابت بخفوت: وعليكم السلام.
تدخلت زوجة أبيها بسرعة، وكأنها تخشى أن يمضي الوقت دون أن تُتم صفقته: ده يا بنتي “عادل”، راجل على قد حاله، بس ابن حلال، ساكن في طرف البلد. قال إنه عايز واحدة تستره وتخدمه، وهو يسترها.
ثم التفتت إلى الرجل: ما قلتليش يا عادل، مش فارق معاك إنها أرملة وعندها طفل؟
ابتسم عادل بهدوء: الطفل رزق، وأنا مش ضد إن البني آدم يبدأ من جديد وهو شايل حد في ضهره، بالعكس.
شعرت ليلى بشيء من الاستغراب، فالكلمات لا تشبه ملابسه، فيها رقيّ وثقة غريبة.
سألته بصوت خافت:زشغلك إيه يا أستاذ عادل؟
ــ شوية شغل في التجارة… وبساعد ناس في شغلهم أحيانًا، يعني مفيش وظيفة ثابتة.
تدخلت زوجة الأب بسرعة: يعني على قده، ما عندوش حاجة، بس راجل!
مرّت ثوانٍ صامتة. كانت ليلى تشعر بأن شيئًا في هذا الرجل غير مفهوم. في عينيه حزن عميق، ووقار لا يليق برجل معدم كما تصفه زوجة أبيها.
قالت زوجة الأب بحسم: خلاص يا ليلى، مفيش وقت طويل تفكّري، الراجل مش ناقص مرار. يا توافقي يا تروحي على بيت تاني، بس هنا ماعادش ينفع… أنا قلت اللي عندي.
نظرت ليلى إلى الأرض، ثم إلى طفلها الذي بدأ يبكي في الغرفة، كأن صوته يقطع قلبها نصفين. شعرت أن العالم يضغط عليها من كل جانب.
رفعت عينيها نحو عادل، فوجدته يراقبها في صمت، دون استعجال، دون ضغط.
قال بهدوء: القرار قرارِك… لو مش مرتاحة، أرفضيني. ربنا شاهد إني مش هزعل، ولا هحقد. بس لو قبلتي، هعمل اللي أقدر عليه عشان ما تندميش.
لم تكن تملك رفاهيه الرفض. همست: موافقة
تمّ عقد القران في اليوم نفسه تقريبًا، في حضور شيخ القريه، وشاهديْن أحدهما جار زوجة الأب، والآخر ابن عمها الذي لا يكف عن التحديق فيها بشهوة مكتومة.
لم يكن هناك فستان أبيض ولا زغاريد، فقط ورقة زواج، وابتسامة مزيفة على وجه زوجة الأب، وكوب شاي مرّ المذاق.
في المساء، حملت ليلى حقيبة صغيرة فيها بعض ثيابها وثياب طفلها، وخرجت مع عادل من البيت الذي عاشَت فيه سنوات من عمرها، لكنه لم يكن يومًا بيتًا حقيقيًا.
سرى في قلبها شعور غريب… خليط من الخوف والراحة. الخوف من المجهول، والراحة من انتهاء معاناة لم تجلب لها سوى الإهانة.
سارا في طريق ترابي طويل نحو خارج القرية، والليل يلفهما بعباءته، والهواء البارد يلسع وجهيهما.
كان عادل يحمل الحقيبة بيد، وباليد الأخرى يدعم ذراعها كي لا تتعثر.
لكنه وقف وقال فجأة بما جعلها ترتعب..
لكن قبل أن تكمل خوفها، قال عادل بصوت منخفض وهو يشير إلى الطريق المظلم أمامهما: ــ الطريق ده طويل… ولو تعبتي قوليلي فورًا، أنا مش متعود أمشي ومعايا ست شايلة طفل وحزن الدنيا فوق كتافها.
نظرت إليه ليلى بدهشة خفيفة، ثم خفضت عينيها سريعًا. لا تعرف لماذا شعرت بالخجل من نفسها، كأنها ظلمته حين ظنت أنه قد يؤذيها.
كمّلا السير بصمت، لا يُسمع سوى صرير الحصى تحت أقدامهما وبكاء ياسر الخافت بين الحين والآخر.
وبعد نحو نصف ساعة، ظهرت أمامها فجأة سيارة سوداء فاخرة تقف عند طرف الطريق.
توقفت ليلى مكانها.
حدقت في السيارة ثم في عادل باستغراب: ــ العربية دي لمين؟
فتح عادل الباب الخلفي بهدوء: ــ اركبي عشان البرد.
تراجعت خطوة للخلف، وقلبها بدأ يخفق بعنف: ــ دي… دي عربيتك؟!
لم يجب مباشرة، فقط حمل الحقيبة ووضعها داخل السيارة ثم أخذ طفلها بحذر شديد حتى لا يوقظه.
قال بهدوء: ــ الطريق بعيد… والكلام كله هتفهميه بعدين.
ركبت ليلى وهي تشعر أن عقلها توقف عن الفهم.
الرجل الذي قالت عنه زوجة أبيها إنه فقير بالكاد يجد قوت يومه… يملك سيارة أغلى من أي شيء رأته في حياتها.
جلس عادل بجوار السائق الذي لم ينطق بكلمة واحدة منذ وصوله، بينما بقيت هي في الخلف تضم طفلها بقوة.
كانت أنوار القرية تبتعد شيئًا فشيئًا، ومع كل متر تشعر أن حياتها القديمة تُنتزع منها.
مرّت ساعة كاملة قبل أن تتوقف السيارة أخيرًا أمام بوابة ضخمة من الحديد الأسود.
رفعت ليلى رأسها ببطء، وعيناها تتسعان من الصدمة.
قصر.
ليس بيتًا عاديًا… بل قصر حقيقي تحيط به حدائق واسعة وإضاءات ذهبية ناعمة.
همست بارتباك: ــ إحنا… جايين هنا ليه؟
التفت إليها عادل أخيرًا، وفي عينيه نظرة هادئة غامضة: ــ لأن ده بيتنا.
شعرت أن أنفاسها انقطعت.
ــ بيتنا؟!
فتح الباب ونزل أولًا ثم مد يده إليها: ــ انزلي يا ليلى… قبل ما يبرد الطفل.
كانت قدماها ترتجفان وهي تنزل من السيارة.
وفجأة فُتحت أبواب القصر بسرعة، وخرج عدد من العاملات والرجال بملابس رسمية.
قال أحدهم فور رؤيته: ــ حمد لله على السلامة يا فندم.
تجمّدت ليلى مكانها.
يا فندم؟!
نظرت إلى عادل وكأنها تراه لأول مرة.
لكنه لم يبدُ متفاجئًا، فقط قال بهدوء: ــ حضّروا أوضة الطفل بسرعة.
ثم أخذ ياسر من بين ذراعيها بحنان جعلها تذوب من الذهول.
دخلت خلفه كأنها تسير داخل حلم.
الرخام اللامع… الثريات الكريستال… السلالم الواسعة… كل شيء كان أكبر من خيالها.
همست وهي تحاول استيعاب الأمر: ــ إنت… إنت مين؟
توقف عادل أخيرًا، ثم التفت إليها ببطء.
لأول مرة اختفت تلك البساطة المصطنعة من ملامحه، وظهر شيء آخر… هيبة ثقيلة جعلت قلبها يرتجف.
قال بهدوء: ــ اسمي الكامل عادل المنصوري.
شهقت ليلى.
الاسم لم يكن غريبًا عليها.
المنصوري… أغنى عائلة في المنطقة كلها.
رجل الأعمال المعروف الذي تتحدث عنه الأخبار دائمًا.
تراجعت للخلف بخوف: ــ مستحيل…
تنهد عادل وكأن الأمر يرهقه: ــ كنت عارف إنك هتتصدمي.
ــ ليه؟ ليه تعمل كده؟! ليه تروح تتقدملي بالشكل ده؟!
صمت لحظة طويلة قبل أن يقول: ــ عشان أعرف الحقيقة.
ــ حقيقة إيه؟
خفض عينيه قليلًا: ــ الحقيقة اللي الناس بتخبيها قدام الفلوس.
سكتت وهي تحدق فيه.
أكمل بهدوء: ــ أنا اتخنت واتغدر بيا كتير يا ليلى… كل اللي قربوا مني كانوا شايفين اسمي وفلوسي بس. أول مرة أشوف واحدة توافق على راجل فاكرة إنه فقير… وهي أصلًا مكسورة ومش مستنية منه حاجة.
شعرت ليلى بالإهانة للحظة.
قالت بصوت مرتجف: ــ يعني كنت بتختبرني؟!
ــ لا… كنت بحاول أصدق إن لسه فيه بشر طبيعيين.
ثم نظر إلى الطفل النائم بين ذراعيه: ــ وأول ما شفتك وانتي حضناه بالشكل ده… حسيت إنك مختلفة.
ساد الصمت بينهما.
كانت ليلى تشعر بدوار حقيقي.
قبل ساعات فقط كانت تُطرَد من بيت زوجة أبيها كعبء زائد… والآن تقف داخل قصر رجل يعد من أثرياء البلاد.
لكن الخوف لم يفارقها.
سألته بخفوت: ــ ولو كنت رفضتك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة: ــ كنت هساعدك برضه… من غير ما تعرفي مين أنا.
ارتبكت أكثر.
لم تعرف لماذا شعرت لأول مرة منذ موت حسام أن هناك أحدًا ينظر إليها كإنسانة… لا كحِمل ثقيل.
اقتربت منهم سيدة خمسينية أنيقة وقالت: ــ أوضة الهانم جاهزة يا فندم.
ارتبكت ليلى من كلمة “هانم”.
لم ينادها أحد بهذا الاحترام في حياتها.
قال عادل: ــ خدي مدام ليلى ترتاح… وأي حاجة تطلبها تتنفذ فورًا.
ثم سلّم الطفل لها برفق قبل أن يبتعد.
لكنها استوقفته فجأة: ــ أستاذ عادل…
التفت إليها.
قالت بتردد: ــ أنا… أنا مش فاهمة أي حاجة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال: ــ ولا أنا كنت فاهم ليه أول ما شوفتك حسيت إني لازم أحميكي.
تسارعت دقات قلبها بشكل أربكها.
أخذتها السيدة إلى جناح واسع جعلها تشعر أنها دخلت عالمًا آخر.
وضعت ياسر على سرير صغير بجوار السرير الكبير، ثم جلست على طرف الفراش وهي تضع يدها على رأسها.
كل شيء يحدث بسرعة مخيفة.
بعد دقائق دخلت إحدى العاملات تحمل طعامًا ساخنًا.
قالت بابتسامة: ــ فندم قال إن حضرتك أكيد ما أكلتيش من الصبح.
اختنقت ليلى فجأة.
منذ وفاة زوجها وهي تتظاهر بالقوة… لكن كلمة اهتمام بسيطة كانت كفيلة بتحطيم كل الجدران داخلها.
انهمرت دموعها بصمت.
وفي الطابق السفلي، كان عادل يقف أمام النافذة الواسعة ينظر إلى الظلام.
اقترب منه مدير أعماله سامح وقال: ــ حضرتك متأكد من اللي عملته؟ الناس كلها مستغربة جوازك المفاجئ.
أجاب عادل بهدوء: ــ لأول مرة أعمل حاجة وأنا مرتاح.
ــ بس دي ست بسيطة جدًا.
ابتسم عادل دون أن يرفع عينيه: ــ عشان كده اخترتها.
في صباح اليوم التالي استيقظت ليلى على صوت عصافير لم تسمع مثلها منذ سنوات.
فتحت عينيها ببطء، ثم انتفضت حين تذكرت أين هي.
نهضت بسرعة تبحث عن طفلها، فوجدته نائمًا بأمان.
تنهدت براحة.
ثم انتبهت إلى فستان جديد موضوع بعناية على المقعد المجاور، وبجواره ورقة صغيرة.
“صباح الخير… الإفطار جاهز وقت ما تحبي. ــ عادل”
ظلت تحدق في الورقة طويلًا.
لا تتذكر آخر مرة عاملها فيها أحد بهذا اللطف.
ارتدت الفستان بتردد، ثم نزلت للأسفل.
كان عادل يجلس على الطاولة يقرأ بعض الملفات.
لكن ما إن رآها حتى أغلقها فورًا ووقف احترامًا.
ــ صباح الخير.
همست: ــ صباح النور.
لاحظ ارتباكها فقال بهدوء: ــ اقعدي… متخافيش مني.
جلست ببطء، بينما كان ياسر بين ذراعيها.
وفجأة مد عادل إصبعه الصغير نحو الطفل وقال: ــ ممكن أشيله؟
ترددت ليلى للحظة.
ربما لأن قلبها اعتاد الخوف من الناس.
لكن شيئًا في نظراته جعلها تسلّم الطفل ببطء.
حمله عادل بحذر شديد، كأنه يحمل شيئًا ثمينًا للغاية.
ثم ابتسم فجأة… ابتسامة حقيقية لأول مرة.
قال بخفوت: ــ أول مرة طفل يهدى في إيدي كده.
راقبته ليلى بدهشة.
رجل الأعمال الصارم الذي تتحدث عنه الصحف… يقف الآن يهدهد طفلها بحنان غريب.
لكن اللحظة انكسرت فجأة حين دخلت امرأة أنيقة بملابس فاخرة ونظرات مشتعلة.
توقفت المرأة فور رؤيتها ليلى.
ثم قالت بصدمة: ــ عادل… مين دي؟!
أعاد الطفل إلى ليلى بهدوء، ثم قال: ــ مراتي.
تجمّدت المرأة.
أما ليلى فشعرت أن الكلمة نفسها هزّت قلبها.
“مراتي.”
قالتها الحياة لها مجددًا بعد أن ظنت أن بابها أُغلق للأبد.
اقتربت المرأة بعصبية: ــ إنت اتجوزت؟! من غير ما حد يعرف؟!
أجاب عادل ببرود: ــ أيوه يا نادين.
أدركت ليلى فورًا أن بينهما شيئًا قديمًا.
كانت نظرات نادين مليئة بالغيرة والغضب.
قالت بحدة: ــ دي اللي اخترتها؟ أرملة ومعاها طفل؟!
وقفت ليلى فورًا وهي تضم ياسر إلى صدرها بإهانة واضحة.
لكن عادل سبقها بالكلام: ــ كلمة كمان تقلل من احترامها… وهتمشي يا نادين.
صمتت المرأة مصدومة.
ثم ضحكت بسخرية: ــ واضح إنك اتجننت فعلًا.
وغادرت بعنف.
ساد الصمت.
كانت ليلى تشعر بالإحراج الشديد: ــ أنا آسفة… شكلي سببتلك مشاكل.
نظر إليها عادل بثبات: ــ إنتِ أول حاجة صح أعملها من سنين.
ارتجف قلبها دون إرادة منها.
ولأول مرة منذ زمن بعيد… شعرت امرأة مكسورة أن هناك من يراها كنِعمة لا كعبء.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *