ميعاد سابق حكـايـات أسمـا ×2

الجزء الرابع

من الليلة دي…

بدأ كل شيء يتغير.

مش تغييرات كبيرة يلاحظها أي حد…

لكن تفاصيل صغيرة.

زيدان بقى ينزل يفطر في الوقت اللي أسما تكون موجودة فيه.

ولو احتاج قهوة…

يرفض إن أي حد يحضرها غيرها.

ولما كانت تخلص شغلها…

كان يسأل مدير العمال بهدوء:

“خلصت شغلها؟”

ولما يسمع إنها خلصت…

يهز رأسه ويرجع لمكتبه.

كأنه كان مستني الإجابة دي.

…

أما أسما…

فكانت حاسة إن في حاجة مختلفة.

لكنها كانت رافضة تفسرها.

لأنها عارفة الفرق بينهم.

هو صاحب إمبراطورية اقتصادية.

وهي مجرد موظفة.

وأي حلم غير كده…

هيكون ظلم لنفسها قبل أي حد.

…

بعد أسبوع…

رن موبايلها.

كان أحمد.

قال بابتسامة:

“جاهزة؟”

ابتسمت هي كمان.

“خمس دقايق وأنزل.”

قفلت المكالمة.

ولبست فستان أزرق بسيط.

ولما خرجت من الفيلا…

اتفاجأت بعربية زيدان واقفة قدام الباب.

نزل بنفسه.

وقال:

“اركبي.”

استغربت.

“حضرتك رايح فين؟”

“هوصلك.”

ابتسمت بأدب.

“متشكرة… أنا هركب تاكسي.”

قال بهدوء:

“الليل متأخر.”

“أنا متعودة.”

فتح باب العربية.

“اركبي.”

هزت رأسها.

“آسفة… مش هينفع.”

ولأول مرة…

حد يرفض طلبًا مباشرًا لزيدان.

الحراس بصوا لبعضهم في صدمة.

أما هو…

فضل ثابت مكانه.

ثم قال:

“ليه؟”

قالت بهدوء:

“لأن الشخص اللي مستنيني… هيزعل لو اتأخرت.”

الجملة دي…

كانت كفاية تخلي قلبه ينقبض.

لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة.

وقال:

“واضح إنه محظوظ.”

ابتسمت.

“يمكن.”

وركبت التاكسي.

وسابته واقف يتابعها بعينيه.

…

في المطعم…

كان أحمد سعيد جدًا.

قال وهو يناولها كتابًا مغلفًا:

“دي هديتي.”

فتحت الغلاف.

كان ديوان شعر.

في أول صفحة مكتوب بخط إيده:

“للإنسانة اللي رجعتلي الإيمان إن البساطة أجمل من أي حاجة.”

ابتسمت أسما.

وقالت:

“أول مرة حد يهديني كتاب.”

رد ضاحكًا:

“وأتمنى ما تكونش الأخيرة.”

…

في نفس الوقت…

كان زيدان في مكتبه.

لكن لأول مرة من سنين…

مش قادر يركز في ملف واحد.

كل شوية يبص للساعة.

ثم يقوم يتمشى.

ثم يرجع يقعد.

دخل عليه مساعده القديم، عادل.

وقال:

“مالك يا زيدان؟”

تنهد لأول مرة قدام حد.

وقال:

“أنا مش فاهم نفسي.”

ابتسم عادل.

“تحب أفهمك؟”

نظر إليه.

قال عادل بهدوء:

“إنت غرت.”

سكت زيدان.

فأكمل عادل:

“طول عمرك كل اللي حواليك كانوا بينفذوا أوامرك.”

“أول مرة تقابل إنسانة بتعاملك كشخص عادي.”

“لا بتجري وراك.”

“ولا بتخاف منك.”

“ولا انبهرت بفلوسك.”

“وده اللي وجعك.”

خفض زيدان رأسه.

واعترف لأول مرة بصوت خافت:

“أنا مش متضايق إنها خرجت…”

“أنا متضايق إنها كانت سعيدة… مع حد غيري.”

…

في اليوم التالي…

كانت أسما بتنظم مكتبة الفيلا.

وفجأة دخل زيدان.

وفي إيده ظرف صغير.

وقف قدامها.

وقال:

“أنا مدين لك باعتذار.”

رفعت عينيها باستغراب.

“اعتذار؟”

“أنا غلطت لما حاولت أتدخل في حياتك.”

ابتسمت ابتسامة هادئة.

وقالت:

“الاعتذار شجاعة.”

مد لها الظرف.

“وده طلب إجازة أسبوع… لو حبيتي.”

استغربت.

“إجازة؟”

هز رأسه.

“يمكن تحتاجي وقت بعيد عن الشغل.”

فتحت الظرف.

ولقيت الإجازة مدفوعة بالكامل.

رفعت رأسها وقالت بابتسامة صادقة:

“شكرًا.”

ابتسم هو أيضًا…

ولأول مرة…

كانت ابتسامته حقيقية.

لكن في اللحظة نفسها…

رن هاتف أسما.

ردت.

واختفت ابتسامتها فجأة.

وشحب وجهها.

قالت بصوت مرتجف:

“إيه؟!… أحمد عمل حادث؟!”

وسقط الهاتف من يدها…

قبل أن تنطق بكلمة أخرى.
الجزء الخامس

وقعت الكلمات على أذن أسما كأنها صاعقة.

“أحمد عمل حادث…”

ركبتها خانتها.

ولولا إن زيدان كان واقف قريب منها…

كانت وقعت على الأرض.

لحقها قبل ما تتوازن.

وقال بلهجة مختلفة تمامًا عن بروده المعتاد:

“أسما… بصّي لي.”

كانت دموعها نازلة من غير صوت.

قالت وهي بتحاول تتكلم:

“المستشفى… لازم أروح المستشفى.”

ما استناش ثانية.

التفت ناحية رئيس الأمن.

“جهز العربية.”

ثم مسك مفاتيحه بنفسه.

“أنا هوصلك.”

المرة دي…

ما اعترضتش.

ولا حتى فكرت تعترض.

…

بعد أقل من ربع ساعة…

كانت العربية بتقف قدام المستشفى.

نزل زيدان بسرعة.

وسبقها على الاستقبال.

“فين الأستاذ أحمد سامح؟”

الموظفة بصت في الكمبيوتر.

وقالت:

“في العمليات… ولسه خارجين بيجهزوه.”

أسما حسّت إن الدنيا بتلف بيها.

قعدت على أول كرسي.

وإيديها بترتعش.

زيدان قعد على بعد خطوات.

ما حاولش يقول كلام يواسيها.

بس كان موجود.

وده كان كفاية.

…

بعد ساعة تقريبًا…

خرج الدكتور.

قال:

“مين من أهل الأستاذ أحمد؟”

وقفت أسما بسرعة.

“أنا…”

ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة.

“الحمد لله… الإصابة كانت في الرجل والكتف، وفيه كسر بسيط، لكن حالته مستقرة.”

أسما حمدت ربنا وهي بتعيط.

وسألت:

“أقدر أشوفه؟”

“بعد شوية.”

…

وأثناء ما كانت مستنية…

قرب منها رجل كبير في السن.

وقال:

“إنتِ الآنسة أسما؟”

“أيوه.”

ناولها ظرفًا.

“أحمد طلب أديهولك لو حصل له أي حاجة.”

استغربت.

فتحت الظرف.

كان فيه جواب صغير.

مكتوب بخط أحمد.

“يا أسما… يمكن تستغربي إني كتبت الرسالة دي، بس أنا متعود أكتب كل حاجة بحس بيها.

أنا معرفكيش من زمان… لكن عرفت فيكي إنسانة محترمة، طيبة، وجدعة.

ولو في يوم حسيتِ إن قلبك مش معايا… متكمليش علشاني.

أنا عمري ما أحب أكون سبب في إن حد يعيش مجاملة.

اختاري اللي يريح قلبك… حتى لو مش أنا.”

وقفت أسما تقرأ الجواب أكتر من مرة.

الكلمات كانت صادقة.

خالية من أي ضغط.

ولا فيها محاولة يفرض نفسه عليها.

…

زيدان كان واقف بعيد.

وشاف دموعها.

لكنه ما سألهاش.

اكتفى إنه بص بعيد.

وكأنه بيحترم المساحة اللي بينها وبين مشاعرها.

…

بعد ما أحمد خرج من العناية…

دخلت أسما تشوفه.

ابتسم أول ما شافها.

وقال وهو يحاول يخفف عنها:

“واضح إن الموعد المرة دي كان غالي شوية.”

ضحكت وسط دموعها.

وقالت:

“الحمد لله إنك بخير.”

بص حواليه.

وسأل:

“الراجل اللي بره ده… يبقى قريبك؟”

سكتت لحظة.

“لا… ده صاحب الشغل.”

هز أحمد رأسه.

لكنه لاحظ نظرة زيدان من خلف الزجاج.

نظرة ما كانتش نظرة مدير على موظفة.

كانت أعمق من كده بكتير.

…

في طريق الرجوع…

كان الصمت مالي العربية.

وأخيرًا قال زيدان:

“أنا فرحت إنه بخير.”

التفتت إليه.

وقالت:

“شكرًا إنك وقفت جنبي النهارده.”

رد بهدوء:

“مش محتاجة تشكريني.”

ثم سكت لحظة قبل أن يكمل:

“لكن محتاج أقولك حاجة.”

نظرت إليه في انتظار.

أوقف السيارة على جانب الطريق.

وأخذ نفسًا عميقًا لأول مرة منذ سنوات.

وقال بصراحة لم يعتدها:

“أنا حاولت أقنع نفسي إن اللي حاسس بيه مجرد مسؤولية.”

“وحاولت أقنع نفسي إنه هيختفي.”

“لكن كل يوم… كان بيكبر.”

التفت إليها مباشرة.

وأضاف بصوت هادئ:

“أنا معنديش حق أطلب منك أي حاجة.”

“ولا من حقي أتدخل في حياتك.”

“لكن من حقي أكون صادق…”

وساد صمت طويل…

قبل أن يقول الجملة التي كانت ستغيّر مصيرهما معًا:

“أنا وقعت في حبك يا أسما.”

تجمدت أنفاسها…

ولم تعرف بماذا تجيب.
الجزء السادس

الكلمات خرجت من زيدان بهدوء…

لكن وقعها على قلب أسما كان أقوى من أي صراخ.

فضلت تبص له ثواني طويلة.

وكأنها بتحاول تتأكد إنها سمعت صح.

ثم قالت بصوت منخفض:

“حضرتك… عارف إنت بتقول إيه؟”

هز رأسه.

“أول مرة في حياتي أبقى عارف أنا بقول إيه بالشكل ده.”

نزلت أسما عينيها.

وقالت بعد صمت:

“بس أنا موظفة عند حضرتك.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“عارف.”

“وفي فرق كبير بين عالمينا.”

“عارف.”

“والناس كلها هتقول إني طمعت.”

“عارف.”

رفعت رأسها وهي تشعر بعقدة في حلقها.

“أمال ليه؟”

تنهد زيدان.

وقال بصراحة:

“لأنك أول إنسانة شافتني من غير ما تشوف اسمي.”

“ولا فلوسي.”

“ولا شركاتي.”

“كل الناس كانت بتعامل زيدان الحارس.”

“إنتِ الوحيدة اللي عاملتِ إنسان اسمه زيدان.”

…

أغمضت أسما عينيها للحظة.

ثم قالت بهدوء:

“أنا مقدرش أرد عليك دلوقتي.”

“ليه؟”

“لأن فيه شخص محترمني.”

“وأثق فيه.”

“ومينفعش أجرحه لمجرد إن حد تاني اعترفلي بمشاعره.”

ساد الصمت.

ثم هز زيدان رأسه.

ولأول مرة…

اختار ألا يضغط عليها.

قال:

“عندك حق.”

وأدار السيارة من جديد.

ولم ينطق بكلمة واحدة حتى أوصلها إلى الفيلا.

…

مر أسبوع.

أحمد خرج من المستشفى.

ورجله ما زالت في الجبس.

لكن ابتسامته لم تختف.

استقبل أسما وهو جالس في بيت أسرته البسيط.

والدته رحبت بها بحرارة.

ووالده أصر أن تشرب الشاي معهم.

شعرت أسما بدفء لم تشعر به منذ سنوات.

بيت صغير…

لكن مليء بالمودة.

قبل أن تغادر…

أخرج أحمد علبة خشبية صغيرة.

فتحها.

كان بداخلها خاتم فضة بسيط.

وقال وهو يبتسم:

“أنا مش غني.”

“ولا أملك شركات.”

“لكن أقدر أوعدك بحاجة.”

“لو وافقتي تكملي حياتك معايا…”

“عمرك ما هتنامي وإنتِ زعلانة مني.”

اغرورقت عيناها بالدموع.

وقالت:

“اديني وقت أفكر.”

ابتسم.

“براحتك.”

…

في اليوم التالي…

دخلت أسما الفيلا.

لكن الجو كان مختلفًا.

رجال الأمن يتحركون بسرعة.

والموظفون يتحدثون همسًا.

اقتربت من مديرة المنزل.

وسألتها:

“فيه إيه؟”

ردت:

“الشركة داخلة في صفقة ضخمة.”

“والمنافسين بيحاولوا يوقعوها.”

…

بعد ساعات…

دخل عادل، مساعد زيدان، إلى المكتب وهو يحمل ملفًا.

قال بقلق:

“وصلنا تقرير.”

رفع زيدان رأسه.

“خير؟”

“فيه حد بيراقب الآنسة أسما من أسبوع.”

تغيرت ملامحه فورًا.

“مين؟”

“لسه بنحقق.”

“لكن واضح إن الموضوع مش عشوائي.”

وقف زيدان فورًا.

“ضاعفوا الحراسة.”

رد عادل:

“هي هترفض.”

قال زيدان بحزم:

“يبقى تحموها من بعيد… من غير ما تحس.”

…

وفي مساء اليوم نفسه…

كانت أسما خارجة من محل الكتب.

وفجأة…

وقفت عربية سوداء بجوار الرصيف.

نزل منها رجل لا تعرفه.

ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“الآنسة أسما؟”

تراجعت خطوة.

“حضرتك مين؟”

قال:

“فيه شخص كبير عايز يقابلك.”

هزت رأسها.

“مش مهتمة.”

واستدارت لتغادر.

لكن الرجل أمسك ذراعها بقوة.

وفي اللحظة نفسها…

دوّى صوت صارم خلفه:

“سيب إيدها.”

التفت الجميع.

كان زيدان.

واقف على بعد أمتار قليلة.

ملامحه هادئة…

لكن نظراته كانت كافية لتجعل الرجل يترك يد أسما فورًا.

اقترب زيدان ببطء.

وقال للرجل:

“قول للي بعتك…”

“إن اللعبة دي انتهت.”

نظر الرجل إليه في توتر.

ثم عاد إلى السيارة مسرعًا واختفى.

التفت زيدان نحو أسما.

وسألها بصوت خافت:

“إنتِ كويسة؟”

أومأت برأسها.

لكنها سألت في المقابل:

“مين دول؟”

نظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.

ثم قال:

“واضح إن الماضي… قرر يرجع.”

وتجمدت ملامح أسما…

لأنها لم تكن تعرف أن زيدان يخفي عنها سرًا قديمًا، وأن هذا السر قد يضع حياتهما معًا في خطر.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *