رحله استثنائي رومانى مكرم 2
بعد ما مشي آدم وليلى، فضلت واقفة في البلكونة ماسكة رسمة آدم بإيدي كأنها شهادة ملكية تانية… بس المرة دي مش للبيت، للحنية اللي كنت خايفة أكون خسرتها.
كتبت على ظهر الرسمة تاريخ اليوم، وحطّيتها في برواز صغير فوق الكومود.
وفي الليلة دي نمت وأنا حاسة إن الدنيا أخيرًا بدأت تهدى.
بس الهدوء ساعات بيبقى مجرد نفس قصير قبل العاصفة.
بعد يومين، صحيت على رنة جرس طويلة ومزعجة. فتحت الإنتركم، لقيت صوت دينا.
قالت بحدة مكتومة: — افتحي يا طنط أمينة… لازم نتكلم.
ما رديتش فورًا.
قالت تاني: — أنا مش جاية أعمل مشكلة.
ابتسمت بمرارة. دي الجملة اللي غالبًا بتسبق كل مشكلة.
فتحت البوابة الخارجية بس ما فتحتش باب البيت. خليتها تقف قدام الباب الحديد، وأنا واقفة جوه.
كانت لابسة نضارة شمس كبيرة رغم إن الجو غيم، وماسكة شنطة بإيد وملف بإيد تانية. شكلها متحضرة لمعركة مش لزيارة.
قالت: — يعني هتسيبيني واقفة كده؟
قلت: — أيوه. لحد ما أعرف جاية ليه.
اتنهدت بعصبية وقالت: — أنا جاية عشان العيال.
قلبي اتقبض، بس وشي فضل ثابت. — مالهم؟
قالت بسرعة: — العيال حالتهم النفسية وحشة بسبب اللي عملتيه. كل يوم يسألوا عن البيت وعن حضرتك. آدم بقى عصبي، وليلى بتعيط قبل النوم. وإنتِ السبب.
فتحت الباب بهدوء وخرجت خطوة واحدة بس. — أنا السبب؟ ولا اللي خلاهم يحسوا إن بيت جدتهم اتاخد منهم؟
اتلخبطت لحظة، وبعدين قالت: — بصي… خلينا واقعيين. اللي حصل كان سوء تفاهم. إحنا كنا عايشين هنا، والعيال اتعودوا على البيت، وكريم كمان حياته اتقلبت. مش معقول فجأة تخرجي أسرة كاملة كده.
قلت: — أسرة كاملة كانت عايشة في بيت مش بيتها… ونسيت تشكر صاحبته.
ردت بحدة: — حضرتك بتقوليها كأننا غرب!
قلت: — لا. الغرب ساعات بيحترموا أكتر.
وشها شد.
رفعت الملف اللي في إيدها وقالت: — على العموم أنا سألت محامي. وبما إننا كنا مقيمين هنا فترة، لينا وضع قانوني، ومش من حقك تمنعينا بالطريقة دي.
ضحكت بهدوء. — سألتي محامي ولا حد قالك كلام يطمنك؟
قالت: — مش مهم. المهم إن كريم مش هيسكت.
قلت: — كريم جه واتكلم. وإنتي جاية تهددي.
قربت خطوة وقالت بصوت أوطى: — أنا مش بهددك. أنا بفكرك إن ابنك ممكن يبعد عنك خالص. والعيال كمان.
ساعتها حسيت بحاجة قديمة بتتحرك جوايا… الخوف.
نفس الخوف اللي كان بيخليني أسكت لما كريم يرفع صوته. ونفس الخوف اللي كان بيخليني أتنازل عشان أشوف الأحفاد. ونفس الخوف اللي خلا دينا تفتكر إن قلبي نقطة ضعفي الوحيدة.
لكن الفرق إن المرة دي… الخوف ما ساقنيش.
بصيت في عينها وقلت: — اللي بيحبني ما بيستخدمش أحفادي كس*لاح ضدي. واللي يستخدمهم… يبقى محتاج يتعلم إن السل*اح ده بيرجع يجرح صاحبه.
ارتبكت.
كملت: — لو منعتيهم عني، هتشرحي لهم إيه؟ إن تيته وحشة عشان رفضت تبقى خدامة؟ إن تيته أنانية عشان رجّعت بيتها؟ الأطفال بيكبروا يا دينا… وبيفتكروا.
قالت بغضب: — حضرتك شايفة نفسك مظلومة قوي!
قلت: — لا. أنا شايفة نفسي اتأخرت قوي.
في اللحظة دي، عربية كريم وقفت قدام البيت.
نزل بسرعة، أول ما شاف دينا وقف مكانه. — إنتِ بتعملي إيه هنا؟
دينا اتلفتت له بعصبية: — جاية أصلح اللي إنت مش عارف تصلحه.
قال: — بالإجبار؟
قالت: — دي أمك يا كريم! مش غريبة. المفروض ترجعنا البيت بدل ما نتهان كده.
كريم بصلي، وبعدها بص لها. — البيت بيتها يا دينا.
الجملة دي عملت صمت غريب.
يمكن لأنها أول مرة يقولها قدامها بوضوح.
دينا اتجمدت. — نعم؟
قال بثبات أكبر: — البيت بيت ماما. وإحنا كنا ضيوف… وطولنا أكتر من اللازم.
ضحكت بسخرية: — ضيوف؟ أنا وعيالك بقينا ضيوف؟
رد: — لما البيت مش باسمنا، آه.
عينها لمعت بغضب. — برافو يا كريم. أمك كسبت.
هنا اتكلمت أنا: — لا يا دينا. مفيش حد كسب. بس في ناس أخيرًا صحيت.
بصتلي بكره واضح وقالت: — حضرتك فاكرة إنك كده قوية؟
قلت: — لا. أنا كده ارتحت.
وهنا دينا عملت حاجة ما توقعتهاش.
رمت الملف على الأرض وقالت: — طيب خليكي مرتاحة… بس متستنيش تشوفي ولادنا تاني.
كريم صرخ: — دينا!
لكنها كانت ركبت عربيتها ومشيت بسرعة.
فضل هو واقف مكانه، وشه بين الغضب والكسوف والتعب.
قال بصوت مكسور: — أنا آسف.
قلت: — آسف على إيه بالضبط؟
سكت.
قلت: — على سكوتك؟ ولا على إنك سبتها تهددني بأحفادي؟ ولا على السنين اللي عشتها في أوضة صغيرة جوه بيتي؟
دموعه نزلت فجأة. — على كل ده.
ما حضنتوش.
مش قسوة… بس لأن في لحظات الاعتذار لازم صاحب الغلط يحس بوزن اللي عمله من غير ما الأم تسرع وتنقذه من الوجع.
قلت: — يا كريم… أنا مش عايزة أقطعك. ولا عايزة أخسرك. بس أنا كمان مش هرجع أدفن نفسي عشان تفضلوا مرتاحين.
قال: — أنا عارف.
قلت: — لأ. إنت لسه بتتعلم.
بعدها بأسبوع، حصل اللي كنت متوقعاه.
دينا منعت العيال ييجوا.
كل مرة كريم يحاول يجيبهم، تعمل مشكلة. مرة تقول عندهم تمرين. مرة عندهم مذاكرة. مرة تعبانين. ومرة قالتها صريحة: — اللي مش عايزني في بيته، ما يشوفش عيالي.
كنت بتوجع، آه.
كنت بقعد بالليل أبص على كرسي ليلى الصغير في المطبخ، وعلى كوب آدم الأزرق، وأحس إن البيت وسع فجأة بطريقة توجع.
بس ما اتصلتش أترجاها.
كنت كل يوم جمعة أعمل كيكة صغيرة زي ما بيحبوها، وأحطها في علبة. لو جم تبقى موجودة. لو ما جُمش، أوزعها على أولاد الجيران.
وفي ثالث جمعة، الباب خبط.
فتحت لقيت آدم واقف لوحده، شنطته على ضهره، ووشه أحمر من الجري.
اتخضيت. — آدم! إنت جيت إزاي؟
قال وهو بيلهث: — مشيت من عند النادي.
قلبي وقع في رجلي. — لوحدك؟!
دخلته بسرعة وقفلت الباب وكلمت كريم فورًا.
جالي صوته مفزوع: — آدم عندك؟!
قلت: — آه. تعالَ حالًا.
آدم كان قاعد على الكنبة، دموعه محبوسة، وبيحاول يبان كبير.
قعدت جنبه وقلت: — عملت كده ليه يا حبيبي؟
بص للأرض وقال: — ماما قالت إنك مش عايزانا.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
قلت بهدوء: — وأنا عمري أقدر ما أعوزكوش؟
هز راسه بسرعة، والدموع نزلت. — أنا عارف. عشان كده جيت.
حضنته، وساعتها بس عيط زي الطفل اللي هو.
لما كريم وصل، كان مرعوب. دخل جري وحضن ابنه، وبعدها بصلي بعينين مليانين ذنب.
بعد عشر دقايق، دينا وصلت.
دخلت كالعاصفة. — إنتِ خطفتي ابني؟!
قبل ما أرد، آدم وقف وقال: — لا! أنا اللي جيت.
قالت: — اسكت!
هنا كريم اتغير وشه. — ما تزعقيش له.
بصت له بصدمة. — إنت بتكلمني أنا كده؟
قال: — آه. لأنك كذبتي عليه.
قالت: — أنا بحميه من أمك.
آدم صرخ فجأة: — تيته مش وحشة! إنتِ اللي قلتيلي كده!
الصوت سكت البيت كله.
دينا بصت لابنها كأنها أول مرة تشوفه.
أما أنا، فكنت واقفة بعيدة، إيدي على صدري، بحاول ما أنهارش.
كريم قال بصوت منخفض لكنه حاسم: — دينا… كفاية.
قالت: — يعني إيه كفاية؟
قال: — يعني العيال مش ورق ضغط. وماما هتشوفهم. سواء عجبك أو لا.
دينا ضحكت بسخرية: — بقى كده؟
قال: — أيوه. بقى كده.
في الليلة دي، دينا أخدت آدم ومشيت، بس ماكانتش منتصرة.
كانت خايفة.
لأن آدم سمع. وكريم اتكلم. وأنا ما اتهزتش.
بعدها بدأت مرحلة جديدة.
كريم بقى يجيب العيال يوم السبت ساعتين. الأول دينا كانت بترفض، وبعدين لما آدم بقى يثور وليلى تبكي، اضطرت توافق.
كنت بحاول أخلي الزيارة دافية من غير ما أتكلم عن أمهم بسوء.
كنت أقول لهم: — ماما بتحبكم، بس الكبار ساعات بيتخانقوا ويتصرفوا غلط.
آدم كان بيسألني: — إنتِ زعلانة من بابا؟
أرد: — كنت زعلانة. بس الزعل لما يتقال بصراحة بيبدأ يخف.
وليلى كانت تدخل أوضتي القديمة وتقول: — دي أوضتك الكبيرة؟
أقول: — أيوه يا قلب تيته.
فتسأل ببراءة: — طب إنتِ كنتِ نايمة في الأوضة الصغيرة ليه؟
كنت أسكت لحظة، وبعدين أقول: — عشان ساعات الكبار بيفتكروا إن التضحية حب… بس لازم الحب ما يخليش الواحد ينسى نفسه.
ما كانتش تفهم كل الكلام، بس كانت تحط راسها على رجلي وتقول: — أنا لما أكبر هخليكي تنامي في أكبر أوضة.
وكنت أضحك رغم الدموع.
في يوم، نجلاء جات تزورني. لقتني بعلّق رسومات العيال على الحيطة.
قالت: — قلبك بدأ يطرى تاني؟
قلت: — قلبي عمره ما كان ناشف. أنا بس بطلت أسيبه يتداس.
قعدت قدامي وقالت: — خلي بالك يا أمينة. كريم ممكن يتغير، آه. بس لو رجعتي تفتحي الباب زيادة عن اللزوم، هيرجعوا ياخدوا المكان كله.
قلت: — عارفة.
قالت: — والبيت؟
قلت: — البيت مش للبيع، ومش هيتكتب لحد وأنا عايشة.
ابتسمت. — كده إنتِ رجعتي فعلًا.
لكن الحكاية ما خلصتش هنا.
بعد شهر تقريبًا، كريم جالي في يوم لوحده. كان شايل ظرف كبير.
قال: — محتاج أقولك حاجة.
حسيت من وشه إن الموضوع مش بسيط.
قعد، وفضل يفرك إيديه زي ما كان بيعمل وهو صغير لما يكسر حاجة.
قلت: — اتكلم.
قال: — أنا مديون.
الكلمة وقعت بينا تقيلة.
سألته: — قد إيه؟
قال رقم خلاني أسند ضهري للكرسي.
طلع إن كريم كان داخل في شراكة فاشلة، وخسر مبلغ كبير، وكان معتمد ضمنيًا إن البيت “موجود” لو احتاج قرض أو بيع أو رهن. ما قالهاش صريحة، بس أنا فهمت.
قلت ببطء: — عشان كده دينا كانت مصممة ترجع؟
سكت.
قلت: — كانت عايزة البيت؟
قال: — كانت عايزة نقنعك تكتبيه باسمي… أو على الأقل نعمل توكيل إدارة.
ضحكت ضحكة وجعتني. — إدارة؟ دي كلمة شيك للسيطرة.
قال بسرعة: — أنا رفضت.
سألته: — إمتى؟ بعد ما رفضت أنا؟
نزل عينه.
الإجابة كانت واضحة.
حسيت إن جرح قديم اتفتح بس المرة دي ما نزفش بنفس القوة.
قلت: — يا كريم، أنا مش بنك. ولا خطة طوارئ. ولا حيطة تسند عليها بعد ما تكسرها.
قال: — أنا عارف. والله عارف. أنا جاي أقولك، مش أطلب منك.
قلت: — كويس.
قال: — هبيع عربيتي. وهبدأ أسدد. وممكن أسيب الشقة اللي مأجرها دلوقتي وننقل لمكان أصغر.
سألته: — ودينا؟
ابتسم بمرارة. — دينا شايفة إن ده عار.
قلت: — العار الحقيقي إن الإنسان يعيش فوق طاقته بفلوس غيره.
لأول مرة، ما دافعش عنها.
قال: — أنا تعبت يا ماما.
كنت عايزة أحضنه. كل أم جواها حاجة بتتحرك لما ابنها يقول تعبت.
لكنني سألت: — تعبت من النتيجة… ولا من الطريق اللي وصلك لها؟
بصلي طويلًا. — الاتنين.
قلت: — يبقى ابدأ من الطريق.
ومن اليوم ده، كريم بدأ يتغير ببطء. مش التغيير اللي بيحصل في مشهد واحد زي الأفلام. لا. تغيير موجع وبطيء ومليان انتكاسات.
كان بيتصل يستأذن قبل ما ييجي. لما يدخل، يخلع حذاءه من غير ما أطلب. يسألني لو محتاجة حاجة، ولأول مرة يسمع الإجابة لو قلت “لا”. ما بقاش يفتح التلاجة كأنها حق مكتسب. وما بقاش يسيب العيال يبعثروا البيت من غير ما يلم وراهم.
الحاجات الصغيرة دي كانت بالنسبة لي أكبر من أي اعتذار.
أما دينا… فكانت بتبعد أكتر.
في يوم ليلى جات وهي ساكتة زيادة عن اللزوم. قعدت ترسم، وكل شوية تبصلي.
سألتها: — مالك يا لولو؟
قالت بصوت صغير: — ماما قالت لو بابا فضل يحبك أكتر منها، هي هتمشي.
قلبي اتقبض.
قربت منها وقلت: — حبيبتي، حب بابا لتيته غير حبه لماما. القلب مش طبق رز، لو حد أخد معلقة يبقى التاني جعان.
ضحكت رغم حزنها. — يعني القلب كبير؟
قلت: — كبير قوي… بس لازم اللي جواه ما يكسروش بعض.
في آخر اليوم، كلمت كريم وقلتله اللي حصل. سكت طويلًا، ثم قال: — أنا هتصرف.
ما سألتوش هيعمل إيه.
بعد أسبوع، عرفت.
كريم ودينا دخلوا جلسات استشارات أسرية. دينا وافقت بعد تهديد صريح منه إنه لو فضلت تستخدم العيال، هيطلب تنظيم رؤية رسمي. الكلمة خوفتها، مش لأنها بتحب الهدوء، لكن لأنها كانت بتحب السيطرة بعيد عن الورق والقانون.
كنت أتمنى يتصلوا ببعض بعيد عني، لكنني كنت أعرف أن بعض البيوت لا تُنقذ إلا بعدما تُفضح حقيقتها أمام أصحابها.
وفي مساء خريفي، جه كريم ومعاه دينا.
أنا اتفاجئت.
كانت واقفة ورا الباب، من غير شنطة ماركة، من غير نضارة شمس، ومن غير صوت عالي.
قال كريم: — ماما… دينا عايزة تقولك حاجة.
بصيت لها.
دخلت بخطوات بطيئة، وقعدت على طرف الكرسي. كانت عيناها حمراوين، بس مش بنفس عياط التمثيل القديم.
قالت: — أنا مش هطلب ترجعي البيت لنا. ولا هقول إن اللي عملتيه كان قاسي.
سكتت، كأن الجملة نفسها تقيلة عليها.
ثم قالت: — أنا غلطت في حقك.
ما رديتش.
كملت: — أنا اتعاملت مع البيت كأنه حقي. ومعاكِ كأن وجودك مضمون. وكنت بخاف من علاقتك بالعيال… حسيت إنهم بيحبوكي أكتر مني.
هنا رفعت عيني.
قالت: — فبدل ما أتعلم أحبهم من غير خوف، حاولت أقللك قدامهم.
صوتها اتكسر. — وده كان وحش.
كان في داخلي صوت عايز يقول لها: “وحش بس؟ ده كان قاسي ومهين ومدمر.”
لكنني سكت.
ليس لأنني سامحت فورًا.
بل لأن الاعتراف الصادق يحتاج مساحة.
قالت: — أنا آسفة.
بصيت لها طويلًا.
ثم قلت: — الاعتذار مش مفتاح بيرجع يفتح الباب القديم.
هزت رأسها. — عارفة.
قلت: — الاعتذار بداية امتحان.
قالت: — موافقة.
كريم كان واقف صامت، وكأنه حابس نفسه.
قلت: — أنا هسامحك على مهلي. مش النهارده بالكامل. ومش بكلمة واحدة. كل مرة تتصرفي باحترام، جزء من قلبي هيرتاح. وكل مرة ترجعي لطريقتك، الباب هيتقفل.
دينا مسحت دموعها وقالت: — مفهوم.
بصيت لكريم: — وإنت كمان.
قال فورًا: — عارف.
بعدها، اتفقنا على شيء واضح: زيارة الأحفاد ثابتة، البيت بيتي، لا أحد يبيت عندي إلا بدعوة مني، ولا حديث عن المال أو الملكية داخل البيت.
كانت شروط بسيطة… لكن بالنسبة لي كانت حدود حياة كاملة.
مرت شهور.
الصيف خلص، والمدارس بدأت، والبيت امتلأ بطريقة مختلفة. مش امتلاء إقامة وسيطرة، لكن امتلاء زيارات وضحك ورائحة كيك وألوان خشب.
آدم بقى يذاكر عندي رياضيات كل خميس. ليلى كانت بتطلب مني أحكيلها حكايات عن كريم وهو صغير.
كنت أحكي لها: — أبوكي وهو عنده ست سنين كان بيخاف من الضلمة، فكنت أسيب له نور المطبخ مفتوح.
فيبص كريم من بعيد ويقول: — يا ماما بلاش فضايح.
ونضحك كلنا.
حتى دينا بدأت تدخل المطبخ تساعدني. في البداية كان الأمر غريبًا ومتوترًا. كانت تسأل: — أعمل إيه؟
فأقول: — قطعي الخيار.
تقطعه كأنه عملية جراحية.
ومرة قالت لي فجأة: — أنا عمري ما اتعلمت أعمل بيت. كنت فاكرة البيت يعني شكل وصور قدام الناس.
قلت: — البيت مش بيتعمل بالصور. البيت بيتعمل بالناس اللي بتحس فيه بالأمان.
سكتت، ثم قالت: — يمكن عشان كده كنت بخاف من بيتك. كان باين إنه ليكي حتى وإحنا ماليينه.
لم أرد، لكنني فهمت.
بعض الناس لا يسرقون لأنهم أشرار فقط… بل لأنهم فارغون.
لكن الفراغ لا يبرر الأذى.
في يوم عيد ميلادي، لم أخبر أحدًا. كنت معتادة ألا أحتفل. بعد وفاة زوجي، صار اليوم يمر كأي يوم.
لكن العصر، الجرس رن.
فتحت الباب فوجدت كريم ودينا وآدم وليلى واقفين، وكل واحد شايل حاجة.
ليلى شايلة ورد. آدم شايل تورتة مائلة شوية. كريم شايل صندوقًا صغيرًا. ودينا شايلة صينية محشي.
ضحكت رغماً عني: — إيه ده كله؟
قال آدم: — عيد ميلاد بيت تيته!
قلت: — بيتي ولا أنا؟
قالت ليلى: — الاتنين.
دخلوا. ولأول مرة لم أشعر أن دخولهم يأخذ مني شيئًا.
كريم أعطاني الصندوق. فتحته، فوجدت مفتاحًا قديمًا، مصقولًا ومعلّقًا في سلسلة فضية صغيرة.
نظرت إليه باستغراب.
قال: — ده نسخة من مفتاح البيت القديم قبل ما تغيري الأقفال. لقيته معايا. ماحبتش أحتفظ بيه كحق… فعملته ذكرى.
ثم أضاف: — عشان أفضل فاكر إن في أبواب ما تتفتحش غير بالاحترام.
لم أستطع التماسك هذه المرة.
بكيت.
بكيت على سنين سكتُّ فيها. وعلى أمٍّ ظنت أن الحب يعني أن تختفي. وعلى ابن ضاع قليلًا ثم بدأ يرجع. وعلى بيت كاد يتحول إلى سجن، ثم عاد بيتًا.
دينا اقتربت مني بتردد وقالت: — كل سنة وإنتِ طيبة يا طنط أمينة.
نظرت لها وقلت: — قولي يا ماما أمينة… بس لما تبقي قد الكلمة.
ابتسمت وسط دموعها. — هحاول.
قلت: — المحاولة بداية كويسة.
وفي تلك الليلة، جلسنا كلنا على السفرة. لم تكن مثالية. كان المحشي مالحًا قليلًا، والتورتة مائلة، وآدم سكب العصير على المفرش، وليلى نامت قبل أن نغني آخر الأغنية.
لكن البيت كان حيًا.
ليس لأنهم عادوا يسكنون فيه.
بل لأنهم عادوا يعرفون حدوده.
بعد أن رحلوا، وقفت عند الباب ألوّح لهم.
كريم قبل أن يركب السيارة، التفت وقال: — تحبي نيجي الجمعة الجاية؟
ابتسمت. — اتصل الأول.
ضحك وقال: — حاضر يا ماما.
أغلق باب السيارة، وتحركوا.
دخلت البيت، أغلقت الباب، ووضعت المفتاح الفضي بجانب رسمة آدم.
ثم جلست على الكرسي الهزاز قرب الشباك.
كان الليل هادئًا، والياسمين في البلكونة بدأ يطلع زهورًا صغيرة.
مددت يدي ولمست أوراقه برفق.
همست لنفسي: — مش كل اللي بنخسره بيبقى خسارة… ساعات ربنا بياخد مننا الوهم عشان يرجعلنا نفسنا.
ومن يومها، لم أعد أخاف من صوت الباب.
لأنني أخيرًا عرفت الفرق بين من يطرق الباب لأنه يحبك…
ومن يفتحه كأنه يملكك.
تمت
