تحدي الكرامه حكـايـات أسمـا ×5

الفصل الثامن

 

ساد الصمت داخل المكتب.

 

صمت ثقيل.

 

مخيف.

 

الجميع كان ينظر إلى المحامي.

 

حتى الأطفال شعروا بأن شيئًا خطيرًا يحدث.

 

اقترب سيف خطوة.

 

وقال بحدة:

 

“مين؟”

 

ابتلع المحامي ريقه.

 

وأعاد النظر إلى شاشة الحاسوب.

 

كانت أصابعه ترتجف وهو يتنقل بين الملفات.

 

ثم قال:

 

“التحويلات بدأت من عشرين دقيقة.”

 

نظر فارس إلى الشاشة.

 

“على كام حساب؟”

 

“سبعة حسابات.”

 

قطب فارس حاجبيه.

 

“دي عملية مخطط لها من شهور.”

 

أومأ المحامي.

 

“واضح جدًا.”

 

رفع سيف صوته:

 

“اسم الشخص!”

 

أخذ المحامي نفسًا عميقًا.

 

ثم قال:

 

“التوقيع الإلكتروني المستخدم تابع لأحد أعضاء مجلس الإدارة.”

 

ساد الصمت.

 

لأن مجلس الإدارة كله تقريبًا من أفراد العائلة.

 

بدأت الأسماء تدور داخل رأس سيف.

 

أعمامه.

 

أبناء أعمامه.

 

شركاء العائلة.

 

لكن الاسم الذي ظهر على الشاشة بعد ثوانٍ…

 

جعل الدم يتجمد في عروقه.

 

“خالد المنصوري.”

 

شهقت نادية.

 

أما سيف…

 

فلم يتحرك.

 

فقط ظل يحدق في الشاشة.

 

كأن عقله يرفض تصديق ما سمعه.

 

خالد المنصوري.

 

ابن عمه.

 

الرجل الذي نشأ معه.

 

ولعب معه.

 

واعتبره أخًا طوال حياته.

 

قال سيف بصوت خافت:

 

“مستحيل.”

 

لكن فارس لم يبدُ متفاجئًا.

 

بل جلس بهدوء.

 

وقال:

 

“أنا كنت متوقع.”

 

التفت الجميع إليه.

 

“إزاي؟”

 

فتح فارس حقيبته الجلدية.

 

وأخرج ملفًا آخر.

 

ثم رماه فوق المكتب.

 

قال:

 

“أنا براقبه من سنة كاملة.”

 

اتسعت عينا سيف.

 

“ليه؟”

 

فتح فارس الملف.

 

فظهرت عشرات الصور.

 

اجتماعات سرية.

 

مستندات.

 

تحويلات مالية.

 

تسجيلات.

 

وقال:

 

“لأن خالد هو اللي كان بيسرب أسرار المجموعة للمنافسين.”

 

شعر سيف بالدوار.

 

فارس أكمل:

 

“وهو اللي أقنع بعض المستثمرين ينسحبوا.”

 

ثم أشار إلى الأوراق.

 

“وهو اللي كان مستني لحظة انهيار الشركة عشان يستولى عليها.”

 

تجمدت نادية.

 

ثم همست:

 

“يعني الإفلاس…”

 

أومأ فارس.

 

“كان جزء من الخطة.”

 

في تلك اللحظة…

 

رن هاتف المحامي.

 

رد بسرعة.

 

استمع للحظات.

 

ثم صاح:

 

“لقيناه!”

 

قفز سيف من مكانه.

 

“فين؟”

 

رد الرجل:

 

“كان خارج من المطار الخاص.”

 

قطب فارس حاجبيه.

 

“رايح فين؟”

 

نظر المحامي إلى الشاشة.

 

ثم قال:

 

“سويسرا.”

 

ضحك فارس بسخرية.

 

“طبعًا.”

 

لكن قبل أن يتكلم أحد…

 

وصل إشعار جديد.

 

قرأه المحامي.

 

ثم تجمد.

 

قال:

 

“فيه مشكلة.”

 

تنهد سيف بعصبية.

 

“تاني؟”

 

رفع المحامي رأسه.

 

وقال:

 

“الحسابات اتجمدت.”

 

ابتسم فارس.

 

“كويس.”

 

لكن المحامي هز رأسه.

 

“مش حسابات خالد.”

 

اختفت الابتسامة من وجه فارس.

 

“أمال حسابات مين؟”

 

نظر المحامي إلى الشاشة مرة أخرى.

 

ثم قال ببطء:

 

“حسابات الأطفال.”

 

ساد الصمت.

 

أما أنا…

 

فشعرت ببرودة تسري في جسدي.

 

اقتربت بسرعة.

 

“إيه معنى الكلام ده؟”

 

قال المحامي:

 

“كل الأسهم اللي انتقلت لياسين وآدم وعمر متوقفة مؤقتًا.”

 

“ليه؟”

 

فتح الملف القانوني.

 

ثم قال:

 

“فيه دعوى قضائية اتقدمت من ساعة واحدة.”

 

تجمد سيف.

 

أما نادية فأغلقت عينيها.

 

وكأنها تعرف الإجابة.

 

قلت:

 

“مين رفع الدعوى؟”

 

رفع المحامي رأسه.

 

وقال:

 

“خالد المنصوري.”

 

ضرب فارس المكتب بعنف.

 

أما المحامي فأكمل:

 

“بيطعن في نسب الأطفال.”

 

ساد الصمت.

 

ثم انفجر سيف غضبًا.

 

“إيه؟!”

 

قال المحامي:

 

“بيطالب بتحليل DNA رسمي أمام المحكمة.”

 

ارتفعت دقات قلبي.

 

لكن ليس خوفًا.

 

بل غضبًا.

 

بعد كل ما حدث…

 

ما زالوا يحاولون استخدام أطفالي.

 

قال فارس بهدوء:

 

“هو عارف إن التحليل هيطلع إيجابي.”

 

أومأ المحامي.

 

“أكيد.”

 

“يبقى ليه عمل كده؟”

 

ساد الصمت لثوانٍ.

 

ثم فهم فارس.

 

وفهمت أنا أيضًا.

 

قال ببطء:

 

“مش هدفه يكسب القضية.”

 

نظر إليه سيف.

 

“أمال؟”

 

أجاب فارس:

 

“هدفه الوقت.”

 

ثم أشار إلى الشاشة.

 

“كل يوم القضية تفضل مفتوحة فيه… الأسهم هتفضل مجمدة.”

 

تجمد الجميع.

 

لأن المعنى كان واضحًا.

 

خالد لا يريد إثبات الحقيقة.

 

بل يريد تعطيل انتقال السلطة.

 

حتى يهرب بالأموال.

 

أو يسيطر على ما تبقى من المجموعة.

 

لكن المفاجأة جاءت من مصدر لم يتوقعه أحد.

 

من نادية نفسها.

 

وقفت فجأة.

 

ومسحت دموعها.

 

ثم قالت بصوت ثابت لأول مرة منذ بداية اليوم:

 

“أنا هشهد.”

 

نظر الجميع إليها.

 

وأكملت:

 

“قدام المحكمة.”

 

شهق سيف.

 

أما فارس فحدق فيها طويلًا.

 

وقالت:

 

“هقول كل حاجة.”

 

“كل حاجة؟”

 

سألها فارس.

 

أومأت.

 

“حتى الحاجات اللي هتدخلني السجن.”

 

ساد الصمت.

 

لأن الجميع أدرك أن نادية وصلت إلى نقطة اللاعودة.

 

ثم استدارت نحوي.

 

ونظرت إلى الأطفال الثلاثة.

 

وقالـت بصوت مكسور:

 

“أنا ضيعت خمس سنين من عمرهم.”

 

وانهمرت دموعها.

 

“ومش هضيع باقي عمرهم كمان.”

 

لكن بينما كانت الكلمات تخرج من فمها…

 

رن هاتف فارس مرة أخرى.

 

نظر إلى الرقم.

 

ثم تجمد.

 

قال سيف:

 

“مين؟”

 

رفع فارس الشاشة ببطء.

 

وكان الاسم الظاهر كافيًا ليصدم الجميع.

 

خالد المنصوري.

 

اتصال مباشر.

 

في وسط كل هذه الفوضى.

 

ضغط فارس على زر الرد.

 

ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

 

ثم قال ببرود:

 

“اتفضل.”

 

وجاء صوت خالد هادئًا بشكل مرعب:

 

“مساء الخير يا عيلة المنصوري.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف جملة واحدة فقط…

 

جعلت وجوه الجميع تشحب.

 

“لو فاكرين إن اللعبة انتهت… يبقى لسه ما عرفتوش السر الحقيقي اللي خبّيته عنكم عشرين سنة.”

الفصل التاسع

 

لم يتحرك أحد.

 

حتى الهواء داخل المكتب بدا وكأنه تجمد.

 

كان صوت خالد يخرج من الهاتف هادئًا بصورة مخيفة.

 

هادئًا أكثر من اللازم.

 

قال فارس ببرود:

 

“اتكلم.”

 

ضحك خالد ضحكة قصيرة.

 

“دايمًا مستعجل يا فارس.”

 

أغلق سيف قبضته بقوة.

 

وقال:

 

“لو عندك حاجة قولها.”

 

ساد صمت لثوانٍ.

 

ثم جاء صوت خالد:

 

“الحقيقة إنكم كلكم بتدوروا على الشخص الغلط.”

 

نظر الجميع إلى بعضهم.

 

أما نادية فبدت وكأنها تعرف شيئًا.

 

شيئًا لا تريد سماعه.

 

قال خالد:

 

“بتفتشوا في تحويلات مالية.”

 

“وفي وصايا.”

 

“وفي فضايح.”

 

ثم ضحك مرة أخرى.

 

“لكن محدش فيكم سأل السؤال الصح.”

 

قطب فارس حاجبيه.

 

“أي سؤال؟”

 

جاء الرد كالرصاصة:

 

“مين قتل محمود المنصوري؟”

 

سقط الصمت.

 

صمت مرعب.

 

أما سيف…

 

فشحب وجهه بالكامل.

 

لأن جده مات قبل سنوات إثر أزمة قلبية مفاجئة.

 

وكان الجميع يعتقد أن الأمر طبيعي.

 

قال سيف ببطء:

 

“إنت اتجننت؟”

 

لكن خالد لم يتراجع.

 

“أنا بتكلم بجد.”

 

ثم أضاف:

 

“جدك ما ماتش طبيعي.”

 

شهقت نادية.

 

وأغلقت عينيها بقوة.

 

وهنا فقط…

 

عرف الجميع أنها تخفي شيئًا.

 

صرخ سيف:

 

“ماما!”

 

فتحت عينيها.

 

وكانت مليئتين بالرعب.

 

قالت بصوت مرتجف:

 

“اسكت يا خالد.”

 

ضحك من الطرف الآخر.

 

“خلاص فات الأوان.”

 

ثم قال:

 

“عندي تسجيل.”

 

ارتجف جسد نادية بالكامل.

 

أما فارس فاقترب من الهاتف.

 

“أي تسجيل؟”

 

رد خالد:

 

“آخر ليلة في حياة محمود المنصوري.”

 

لم يعد أحد يتنفس.

 

قال خالد:

 

“لو حابين تعرفوا الحقيقة… شغلوا البريد الإلكتروني اللي بعتّه حالًا.”

 

نظر المحامي بسرعة إلى جهازه.

 

ثم قال:

 

“وصل بالفعل.”

 

فتح الرسالة.

 

وظهر ملف صوتي.

 

ساد الصمت.

 

ثم ضغط تشغيل.

 

في البداية…

 

كان هناك صوت أجهزة طبية.

 

وصوت تنفس رجل مسن.

 

ثم ظهر صوت محمود المنصوري.

 

ضعيفًا.

 

متعبًا.

 

لكنه واضح.

 

قال:

 

“نادية… لازم سيف يعرف الحقيقة.”

 

ارتجفت نادية.

 

أما سيف فشعر بقلبه يتوقف.

 

ثم جاء صوت نادية.

 

أصغر سنًا.

 

وأكثر حدة.

 

“الحقيقة هتدمر العيلة.”

 

رد محمود:

 

“الكذب هو اللي هيدمرها.”

 

ثم ساد صمت قصير.

 

قبل أن يقول الرجل العجوز جملة واحدة.

 

جملة غيرت كل شيء.

 

“سيف مش حفيدي الوحيد.”

 

تجمد الجميع.

 

أما فارس…

 

فأغمض عينيه.

 

وكأنه كان يتوقع جزءًا من الحقيقة.

 

لكن ليس كلها.

 

في التسجيل تابع محمود:

 

“فيه طفل تاني.”

 

ثم انقطع الصوت للحظات.

 

بسبب تشويش قديم.

 

قبل أن يعود من جديد.

 

“ولو ظهر يوم من الأيام…”

 

سعال شديد.

 

ثم أنفاس متقطعة.

 

“…يبقى لازم ياخد حقه.”

 

ثم انتهى التسجيل فجأة.

 

ساد الصمت.

 

أما سيف…

 

فنظر إلى والدته.

 

وقال ببطء:

 

“مين الطفل التاني؟”

 

لم ترد.

 

“ماما.”

 

صمت.

 

“مين؟”

 

بدأت دموعها تنزل من جديد.

 

لكن هذه المرة لم تكن دموع ندم.

 

بل دموع خوف.

 

خوف قديم جدًا.

 

أقدم من فارس.

 

وأقدم من سيف.

 

وأقدم من كل الأسرار السابقة.

 

قال خالد عبر الهاتف:

 

“قوليلهم يا نادية.”

 

أغلقت عينيها.

 

ولثوانٍ طويلة ظن الجميع أنها لن تتكلم.

 

ثم همست:

 

“كان عنده بنت.”

 

ساد الصمت.

 

“إيه؟”

 

قالها سيف بذهول.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

وقالت:

 

“قبل جوازه من جدتك.”

 

اتسعت أعين الجميع.

 

وأكملت:

 

“محمود المنصوري كان عنده بنت.”

 

نظر فارس إلى سيف.

 

ونظر سيف إلى فارس.

 

كأنهما يحاولان استيعاب الكارثة الجديدة.

 

قال سيف:

 

“يعني ليا عمة؟”

 

هزت نادية رأسها.

 

“كانت ليك.”

 

“كانت؟”

 

اختنق صوتها.

 

“ماتت.”

 

ثم أضافت:

 

“لكن بنتها عايشة.”

 

ساد الصمت.

 

أما المحامي…

 

فكان يحدق في الشاشة بذهول.

 

لأنه فهم ما تعنيه هذه الكلمات.

 

وريثة جديدة.

 

دم جديد من عائلة المنصوري.

 

شخص لم يكن أحد يعرف بوجوده.

 

قال فارس ببطء:

 

“فين هي؟”

 

ضحك خالد.

 

ثم جاءت إجابته:

 

“السؤال الأفضل…”

 

وتوقف لحظة.

 

“…مين هي؟”

 

قطب الجميع حواجبهم.

 

لكن خالد أكمل:

 

“لأنكم قابلتوها بالفعل.”

 

تجمدت الأنفاس.

 

أما أنا…

 

فشعرت بقشعريرة غريبة.

 

لسبب لا أفهمه.

 

وقال خالد الجملة التي قلبت الغرفة رأسًا على عقب:

 

“الوريثة اللي بتدوروا عليها واقفة معاكم دلوقتي في نفس المكتب.”

 

ساد صمت مطبق.

 

وتحولت كل الوجوه نحوي ببطء.

 

أما نادية…

 

فانفجرت بالبكاء.

 

وعرفت قبل أن تنطق بكلمة واحدة…

 

أن السر الأخير كان متعلقًا بي أنا.

 

وأن حياتي كلها ربما كانت كذبة أكبر مما تخيلت يومًا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *