حفل الشركه اسما السيد
زوجي أخدني معاه لحفل ضخم علشان يبان بصورة أفضل قدام المالك الجديد للشركة…لكن قبل ما ندخل، مال عليا وهمس بحدة: بقولك ايه خليكِ بعيد عني طول الوقت… الفستان اللي لابساه محرج جدا..
ماكانش يعرف إن الليلة دي هتغيّر حياته كلها
أنا و”فارس” عمرنا ما كنا زوجين حقيقيين بالشكل اللي الناس كانت فاكراه.
طول خمسة وعشرين سنة جواز… كان دايمًا يحب يخليني في الخلفية.
زوجة موجودة وقت الحاجة فقط.
أنا اللي أكوي قمصانه، وأجهز أكله، وأحفظ أسماء عملائه، وأعرف مين بيشرب قهوة ومين يفضل العصير في الاجتماعات.
أنا اللي اتعلمت أسكت في العزومات… وماسألش عن الفلوس… وماحكيش عن ماضيَّ… والأهم: ما أحرجوش أبدًا.
وفي صباح يوم ثلاثاء، نزل الجورنال من قدامه وقال ببرود:
— هتيجي معايا حفلة الشركة النهارده.
رفعت عيني باستغراب: — أنا؟
قال وهو بيقلب في موبايله: — المالك الجديد هيحضر… والشركة اتباعت، ولازم أسيب انطباع محترم.
سكتُّ لحظة ثم قلت بهدوء: — بس معنديش فستان مناسب.
رفع عينيه أخيرًا وبصلي بنفس النظرة المتضايقة اللي حافظاها من سنين.
— دوري على أي حاجة رخيصة… بس بالله عليكي ما تحرجينيش.
الجملة دي…
“ما تحرجينيش.”
كانت كأنها حكم مؤبد عايشة بيه طول جوازنا.
ما تحرجينيش بكلامك.
ما تحرجينيش بأصلك البسيط.
ما تحرجينيش بلبسك.
ما تحرجينيش بوجودك أصلًا.
كان بيديني مبلغ صغير كل شهر للمصاريف الشخصية… وبعد سنين، بقيت خبيرة في إني ألاقي شياكة وسط الحاجات الرخيصة.
الفستان اللي اشتريته كان كحلي بسيط، بأكمام طويلة، شكله هادي وأنيق.
اشتريته من محل ملابس مستعملة بـ900 جنيه فقط.
كيّته بعناية وعلّقته في الدولاب وكأني بحاول أقنع نفسي إنه جميل فعلًا.
ليلة الحفلة، خرج فارس من أوضته ببدلة سوداء فاخرة متفصلة مخصوص.
شعره الرمادي متسرح بعناية، وساعته الذهبية اللامعة في إيده… الساعة اللي دايمًا يلبسها علشان الناس تفتكر إنه من عيلة غنية حتى بعد ما شركته بدأت تغرق في الديون.
بصلي أول ما شافني… ووشه اتقلب فورًا.
— ده اللي هتلبسيه؟
بصيت لنفسي فجأة بعينه هو…
الفستان اللي كان عاجبني بقى فجأة قديم ورخيص.
قلت بهدوء: — ده أحسن حاجة قدرت أجيبها بالمبلغ اللي ادتهولي.
هز راسه بضيق: — خلاص… هيمشي. بس طول السهرة خليكِ في الخلف وماتلفتيش النظر. وأوعى تتكلمي في أي حاجة شخصية… الناس دي رجال أعمال مهمين.
طريقنا لفندق النيل الكبير كان صامت.
هو مركز في موبايله… وأنا قاعدة ألمس السلسلة الفضية الصغيرة اللي حوالين رقبتي.
السلسلة الوحيدة اللي عمره ما اشتراهالي.
بقالها معايا 30 سنة… ودايمًا بخبيها تحت هدومي.
قاعة الحفل كانت عالم تاني.
نجف كريستال ضخم…
طاولات بيضا فاخرة…
ورد طبيعي في كل مكان…
رجالة بساعات أغلى من شقق كاملة…
وستات بفستين أسعارها تكفي مصاريف سنة.
ريحة البرفانات والفلوس كانت مالية المكان.
وقف فارس قريب من البار، وأشار على ركن مستخبي ورا نباتات الزينة.
— استنيني هنا… هروح أقابل كام شخص. وماتتحركيش…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
وقفت في الركن اللي أشار عليه، بين نباتات الزينة الطويلة والستارة الثقيلة، كأني قطعة ديكور زيادة في القاعة. كنت شايفة فارس من بعيد وهو بيتحول لشخص تاني. ضحكته اتوسعت، كتافه اتفردت، صوته بقى واثق، وإيده اللي طول عمرها تقيلة عليا بقت خفيفة وهو بيسلم على الناس ويضحك ويهزر. كنت أعرف النسخة دي منه كويس… النسخة اللي بيطلعها للغرباء بس. أما أنا، فكان لي نصيب النسخة المرهقة، المتأففة، اللي ترمي الكلام زي الطوب وتفتكر السكوت واجب. حاولت أقنع نفسي إن الليلة هتعدي زي غيرها. هقف في مكاني، أبتسم لو حد بص ناحيتي، وأرجع البيت في الآخر أخلع الفستان وأعلقه في الدولاب، وكأني بخلع معاه إهانة جديدة وأحطها فوق الإهانات القديمة. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الفستان الكحلي البسيط ده، اللي فارس شافه محرج، كان هيفتح باب اتقفل في وشي تلاتين سنة. بعد حوالي ربع ساعة، جرس موسيقي خفيف ملأ القاعة، والناس بدأت تلتفت ناحية المدخل الرئيسي. همسات انتشرت بسرعة. المالك الجديد وصل. شفت فارس يعدل كرافتته بسرعة، ويمسح على شعره، ويقرب من مجموعة المديرين اللي واقفين في الصف الأول وكأنه واحد منهم. دخل رجل في أواخر الخمسينات، طويل، هادي، لابس بدلة رمادية بسيطة، لكن مشيه كان فيه ثقة مش محتاجة استعراض. حواليه كام شخص من الإدارة، وكل الناس بتفتح له الطريق. ماكنش من نوع الرجالة اللي يلفتوا النظر بصوت عالي، لكنه من النوع اللي لما يدخل مكان، المكان نفسه يسكت له. سمعت واحدة قريبة مني تهمس لصحبتها: ده المهندس شريف النجار… اشترى الشركة كلها في صفقة واحدة. قلبي اتقبض لحظة من الاسم. شريف النجار. الاسم دخل ودني كأنه مش جديد. مش عارفة ليه حسيت بحاجة قديمة بتتحرك جوايا، زي باب خشب اتفتح بعد سنين تراب. قرب فارس منه بسرعة، وابتسامته مرسومة بعناية. مد إيده وقال بصوت عالي كفاية يسمعه اللي حواليه: شرفت مصر كلها يا باشمهندس. أنا فارس العسال، مدير العمليات. شريف النجار صافحه باحترام، لكن عينه ماوقفتش عنده كتير. كانت بتتحرك في القاعة بهدوء لحد ما وصلت للركن اللي أنا واقفة فيه. للحظة، حسيت إن عينه ثبتت عليا. مش نظرة رجل غريب لست غريبة. نظرة حد شاف شبح من ماضيه. ارتبكت، فنزلت عيني بسرعة، ومسكت السلسلة الفضية تحت ياقة الفستان كعادتي لما بتوتر. لكن الحركة دي بالذات خلت شريف يتجمد. شفته من بعيد يسيب إيد فارس قبل ما فارس يخلص كلامه، ويخطو خطوة ناحيتي. فارس اتلخبط، بص وراه، ولما شاف إنه جاي ناحيتي، وشه اتغير. مشي بسرعة وحاول يلحقه. شريف اقترب ببطء، وكل خطوة منه كانت بتخليني أسمع دقات قلبي أعلى من الموسيقى. وقف قدامي، وبص في وشي كأنه بيحاول يصدق. قال بصوت منخفض: نادية؟ حسيت الأرض مالت بيا. محدش ناداني بالاسم ده من سنين طويلة. كل الناس تعرفني دلوقتي بـ “مدام فارس”، أو “طنط”، أو “أم مروان”، رغم إني ماخلفتش. لكن نادية… كان اسم بنت تانية، بنت قبل الجواز، قبل الصمت، قبل ما فارس يعلمني أختصر نفسي. رفعت عيني له وقلت بتردد: أيوه… أنا نادية. شريف ابتسم ابتسامة موجوعة وقال: نادية عبد السلام؟ إيدي اتجمدت على السلسلة. فارس وصل جنبنا بسرعة وقال وهو بيحاول يضحك: حضرتك تعرف مراتي؟ كلمة “مراتي” خرجت منه لأول مرة في الليلة دي بصوت عالي، قدام الناس. شريف لم يرد عليه فورًا. كان مركز معايا، مع السلسلة اللي بان جزء منها من تحت الفستان. قال: السلسلة دي… لسه معاكي؟ حسيت بحرارة في عيني. السلسلة الفضية الصغيرة، فيها نجمة رفيعة محفور على ظهرها حرفين: ن وش. كنت فاكرة إن مفيش حد في الدنيا فاكر معناها غيري. فارس بصلي بدهشة ممزوجة بضيق: سلسلة إيه؟ إنتِ تعرفي الباشمهندس منين؟ شريف التفت له أخيرًا، ونظرته كانت مهذبة لكنها حادة: أعرفها من قبل ما تعرفها أنت بسنين. القاعة حوالينا بدأت تهدى. ناس كتير لاحظت الموقف. فارس حس إن الأرض بتسحب من تحت رجله، فحاول يمسك ذراعي بخفة كأنه بيعلن ملكيته. قال: نادية، تعالي نقعد على الترابيزة. لكني، ولأول مرة من سنين، سحبت ذراعي بهدوء. مش بعنف. بس كفاية عشان يفهم. شريف لاحظ الحركة، ووشه اتغير. قال لي: إنتِ بخير؟ سؤال بسيط. تلات كلمات. لكني حسيت إن قلبي اتكسر. لأن فارس عاش معايا خمسة وعشرين سنة، وعمره ما سألني السؤال ده بصدق. كنت ممكن أقول آه، وأخلص الموقف، وأرجع للركن زي ما اتعلمت. لكن في عيون شريف كان في ماضي كامل بيطلب مني ما أكذبش. قلت بصوت واطي: مش دايمًا. فارس ضغط على أسنانه وقال: نادية! شريف رفع إيده بهدوء كأنه يطلب منه يسكت، وقال: خليها تتكلم. فارس ضحك ضحكة عصبية: حضرتك واضح إن في لبس. نادية ست بيت بسيطة، مش متعودة على الأجواء دي، يمكن متوترة. الجملة نزلت قدام الناس كصفعة. ست بيت بسيطة. مش متعودة. كأنه بيعتذر عن وجودي. في العادة كنت هبتسم بخجل، وأبلع الإهانة، وأقنع نفسي إنه مايقصدش. لكن الليلة، كل الإهانات اللي بلعتها من سنين وقفت في حلقي مرة واحدة. بصيت له وقلت بهدوء: أنا مش متوترة يا فارس. أنا فاكرة. شريف قرب خطوة وقال: فاكرة إيه؟ لمست السلسلة وقلت: فاكرة مكتبة الجامعة القديمة. فاكرة مشروع المنحة. فاكرة جواب السفر اللي اختفى. شريف شحب وجهه. قال: جواب السفر؟ أنا بعتلك أكتر من جواب. كنت فاكر إنك رفضتي. حسيت الدم ينسحب من وشي. فارس وقف ساكت، لكن صمته كان أعلى من أي اعتراف. بصيت له. شفته يبلع ريقه. فجأة، سنين كاملة بدأت تتجمع في صورة واحدة. قبل جوازي من فارس، كنت طالبة في كلية التجارة، شاطرة جدًا، وحلمي أشتغل في إدارة الشركات. شريف كان زميلي في الجامعة، أهدأ شاب في دفعتنا، لكنه كان أول واحد يقول لي: عقلك أكبر من المكان ده. قدمنا مع بعض على منحة تدريب في لندن. هو سافر. وأنا استنيت جواب القبول اللي عمره ما وصل. بعدها بأسبوعين، أبي مات، والدنيا اتقفلت، وفارس ظهر في حياتي كمنقذ. ابن جارنا، محترم قدام الناس، قال إنه هيسترني، وإن التعليم والشغل مش مضمونين، وإن البنت لازم لها بيت. أمي وقتها كانت مكسورة، وأنا كنت تايهة. تزوجته وأنا فاكرة إن أحلامي رفضتني. لكن الحقيقة يمكن كانت واقفة قدامي دلوقتي ببدلة رمادية ونظرة موجوعة. قلت لفارس بصوت مبحوح: إنت خبيت جوابات المنحة؟ فارس ضحك بصوت خفيف مصطنع: إيه الكلام الفارغ ده؟ جوابات إيه ومنحة إيه؟ إحنا في حفلة شركة، مش في مسلسل. لكن شريف قال بهدوء: المنحة دي كانت حقيقية. ونادية كانت مقبولة. وأنا عندي نسخة من خطاب القبول القديم، لأن اسمها كان ضمن قائمة الفريق اللي سافر. القاعة اتسعت وسكتت. فارس بص حواليه وبدأ يحس إن الصورة اللي بناها قدام الناس بتنهار. قال بحدة منخفضة: نادية، كفاية فضايح. قلت له: فضايح؟ إن حلمي اتسرق فضيحة؟ ولا إنك طول عمرك مخبيني كأني عيب؟ وشه احمر، وقال: أنا عملت منك ست محترمة. الجملة دي كانت القشة الأخيرة. كل اللي فات كان إهانة، لكن دي كانت محاولة يسرق حتى احترامي لنفسي. وقفت مستقيمة، رغم إن رجلي كانت بتترعش، وقلت بصوت واضح: لا يا فارس. إنت ماعملتش مني حاجة. أنا كنت محترمة قبلك. وفضلت محترمة رغمك. شريف نظر لي بفخر صامت، والناس حوالينا بدأت تهمس. مدير الموارد البشرية كان واقف قريب، ومدير مالي، وزوجات موظفين، وكلهم شايفين فارس لأول مرة من غير القناع. حاول فارس يضحك ويقلب الموضوع: واضح إن المدام تأثرت شوية. حضرتك عارف الستات لما تفتكر حاجات قديمة… شريف قاطعه بصوت حاسم: لا تقلل منها مرة أخرى. فارس اتجمد. شريف أكمل: وجودك في الشركة الجديدة تحت التقييم من الليلة. وأول تقييم سمعته منك كان طريقة كلامك مع زوجتك. لو دي طريقتك مع أقرب شخص ليك، فأنا أتخيل طريقتك مع الموظفين اللي تحت سلطتك. فارس قال بسرعة: حضرتك بتخلط الأمور الشخصية بالشغل. شريف رد: الشخصية بتكشف الأصل. وقيادة الناس تبدأ من احترام الإنسان. ثم التفت لي وقال بنبرة مختلفة تمامًا: نادية، هل تسمحي لي أتكلم معاكي في مكان أهدى؟ فارس قال فورًا: لا طبعًا. هي مش هتتحرك مع حد. بصيت له بهدوء وقلت: أنا هتحرك. عينه اتسعت. يمكن دي كانت أول مرة أقول له قرارًا من غير ما أستأذنه. مشيت مع شريف ناحية شرفة جانبية مطلة على النيل. كنت حاسة بعيون الناس في ظهري، وبنار فارس ورايا، لكن الغريب إني ماكنتش خايفة. الشرفة كانت هادية، والهوا اللي جاي من النيل لمس وشي كأنه بيفوقني. وقف شريف على مسافة محترمة وقال: مش عارف أبدأ منين. قلت: ابدأ من الجوابات. تنهد وقال: بعد التخرج، المنحة قبلتنا إحنا الاتنين. أنا سافرت على أساس إنك هتلحقيني بعد شهر لأن إجراءاتك كانت ناقصة. بعتلك جوابين على بيتكم القديم، وبعدين اتصلت أكتر من مرة، كانوا يقولولي إنك اتخطبتي ومش عايزة تسمعي عن السفر. مرة واحدة رد عليا راجل وقال لي: نادية اختارت حياتها، ابعد عنها. قلبي وقع في صدري. قلت: راجل؟ قال: أظن صوته كان قريب من صوت فارس. أغمضت عيني. فارس ماكانش بس خبّى جواب. فارس قطع طريق كامل. سرق نسخة مني كانت ممكن تعيش حياة مختلفة. سألت بصوت مكسور: وأنت صدقت؟ قال بحزن: كنت صغير وغبي ومجروح. قلت لنفسي يمكن ضغط العيلة، يمكن اخترتي الأمان. لكني ما نسيتكيش. السلسلة دي أنا اللي جبتها لك يوم ناقشنا مشروع التخرج. قلت لك وقتها: لما تنجحي، افتكري إن في حد آمن بيكي قبل الكل. دموعي نزلت من غير استئذان. قلت: أنا لبستها طول السنين. يمكن عشان جزء مني كان فاكر حتى وأنا مش فاهمة. شريف سكت لحظة ثم قال: وحياتك معه؟ ضحكت بمرارة: حياة في الخلفية. أنا كنت خيال في بيته. يقدمني لما يحتاج شكل اجتماعي، ويخبيني لما يخاف أظهر. قال: وليه فضلتي؟ السؤال موجع، لكنه مش جارح. قلت: في الأول عشان أمي، وبعدها عشان الخوف، وبعدها عشان السنين عدت. لما الست تقعد سنين تسمع إنها قليلة، بتنسى تسأل نفسها إذا كان ده صحيح. شريف قال بهدوء: أنتِ مش قليلة يا نادية. مش النهارده، ومش زمان. الجملة كانت بسيطة، لكنها ردمت حفرة كبيرة جوايا. وقبل ما أرد، باب الشرفة اتفتح بعنف ودخل فارس. وشه كان غاضبًا لكن صوته حاول يفضل مهذب. قال: كفاية كده. نادية، هنمشي. قلت: لا. قال: نعم؟ قلت: أنا مش همشي. الحفلة لسه ماخلصتش، وأنا جاية بدعوة، وزوجتك، ووجودي مش محرج. نظر للفستان باشمئزاز وقال: إنتِ فعلًا مصدقة إنك مناسبة للمكان ده؟ شريف رد: الفستان أنيق. واللي مش مناسب للمكان هو أسلوبك. فارس انفجر: حضرتك ما تعرفش إحنا عشنا إزاي! الست دي أنا شلتها من الفقر. أكلتها ولبستها وخليتها تعيش في مستوى عمرها ما حلمت بيه. لأول مرة، ضحكت. ضحكة صغيرة هادية. قلت: مستوى؟ أنت كنت بتديني مصروف أقل من تمن ربطة عنق من اللي لابسها. أنا اللي كنت أوفر من أكل البيت عشان أشتري دواء لأمي. أنا اللي بعت دهب أمي عشان تسدد قسط عربيتك ومحدش يعرف. أنا اللي كتبت خطابات الاعتذار للعملاء لما لسانك يبوظ الصفقات. أنا اللي كنت أراجع عروضك وإنت نايم، وتصحى الصبح تقدمها كأنها شطارتك. فارس اتجمد. شريف رفع عينه باهتمام. قلت وأنا أحس إن الكلمات اللي اتخزنت ربع قرن بتخرج أخيرًا: فاكر صفقة شركة الدلتا؟ العرض اللي أنقذك من الفصل؟ أنا اللي كتبته. فاكر خطة تقليل الخسائر في 2016؟ أنا اللي عملتها من دفاترك اللي كنت سايبها على السفرة. فاكر خطاب المستثمرين اللي خلاك تترقى؟ أنا اللي صغته. كل ده عملته وأنا واقفة في المطبخ بين الحلة والمكواة، وإنت بتقول للناس إن مراتي متفهمش في الشغل. فارس حاول يرد، لكن لسانه خانه. شريف سأله: هل هذا صحيح؟ فارس قال بتلعثم: هي كانت بتساعد حاجات بسيطة… شريف قال: بسيطة؟ لو الكلام ده صحيح، فالشركة كانت بتدير جزءًا من عملياتها بعقل امرأة لم نرها أبدًا. ثم نظر لي وقال: هل ما زلت تحتفظين بأي نسخ؟ لم أتوقع السؤال. لكني كنت نادية التي تحفظ كل شيء. قلت: عندي دفتر قديم، وإيميلات كتبتها من حسابه، وملفات على فلاشه في البيت. فارس صرخ: دي أسرار شركة! قلت: أسرار شركة كتبتها أنا ولم يذكر اسمي عليها أحد. شريف قال بحسم: غدًا صباحًا، أريد مراجعة كل ذلك مع الإدارة القانونية. وإذا ثبت ما تقولينه، فسيكون لنا حديث آخر. فارس اقترب مني بغضب وقال بصوت منخفض: إنتِ كده بتخرّبي بيتي. قلت: لا. أنا بطلع من البيت اللي خرّبني. كان الصمت بعد الجملة دي أوسع من الشرفة والقاعة كلها. دخلت الحفل مرة أخرى، لكني لم أعد نفس المرأة التي خرجت منه قبل دقائق. كنت أمشي والفستان الكحلي الذي وصفه فارس بالمحرج يلمع بهدوء تحت ضوء النجف. لم يتحول فجأة لفستان غالٍ، لكنه تحول لشيء أهم: شاهد على لحظة رجوعي لنفسي. النساء اللي كانوا بيبصولي من بعيد بدأوا يبتسموا ابتسامات صغيرة. بعض الرجال تهربوا من عين فارس. وشريف وقف بجانبي، لا كحبيب قديم يستعرض الماضي، بل كشاهد عدل على امرأة كانت تُمحى أمام الجميع. في نهاية الحفل، طلب شريف أن يلقي كلمة قصيرة. صعد إلى المنصة، شكر الحضور، وتكلم عن المرحلة الجديدة للشركة. ثم قال جملة لم أنسها أبدًا: الشركة التي لا ترى أصحاب العقول الحقيقيين، تخسر قبل أن تبدأ. وسأحرص من اليوم أن كل جهد يُنسب لصاحبه، مهما كان صاحبه بعيدًا عن الضوء. عرفت أنه يقصدني. وفارس عرف. في السيارة، لم يقل فارس كلمة أول عشر دقائق. كنت أنظر من النافذة إلى القاهرة وهي تمر كأنني أراها لأول مرة. ثم قال بصوت مكتوم: إنتِ فرحانة؟ قلت: مش فرحانة. أنا صاحية. قال: شريف النجار رجع لك بعد خمسة وعشرين سنة، فافتكرتي نفسك بطلة؟ قلت: لا. أنا افتكرت إن كان عندي نفس قبل ما أنت تكتمه. ضرب الدركسيون بيده وقال: إنتِ عمرك ما هتلاقي حد يستحملك زيي. نظرت له وقلت بهدوء: كلمة يستحملك دي بالذات هي اللي خلتني أفهم. أنا مش حمل على حد. أنا كنت سند، وأنت اتكيت عليا لحد ما صدقت إني أرض. وصلنا البيت. لأول مرة لم أدخل المطبخ أجهز له عشاء متأخر. دخلت غرفة النوم، فتحت الدولاب، وطلعت شنطة قديمة. فارس وقف عند الباب يراقبني بذهول. قال: بتعملي إيه؟ قلت: بجمع حاجتي. قال بسخرية: وهتروحي فين؟ لقيت نفسي أبتسم. السؤال ده كان دايمًا السلسلة اللي رابطني بيه. هتروحي فين؟ مين هيقبلك؟ هتعيشي إزاي؟ لكن الليلة، لأول مرة، لم أخف من الإجابة. قلت: أي مكان لا يطلب مني أختفي. بدأ صوته يعلو. قال إني مجنونة، وإن الناس ضحكت عليا، وإن شريف هيستخدمني ضده ويرميني. لكني لم أرد. كنت أضع في الشنطة هدومي البسيطة، الدفتر القديم، الفلاشة، شهاداتي الجامعية اللي كان مخبيها في درج مقفول، والسلسلة الفضية حول رقبتي. عند الفجر، كنت في بيت صديقتي القديمة هدى، الوحيدة التي ظلت تتصل بي رغم أن فارس كان يكرهها لأنها “بتحرضني على الاستقلال”. فتحت لي الباب وهي مصدومة، لكن لما رأت الشنطة في يدي، لم تسأل كثيرًا. حضنتني وقالت: أخيرًا. بكيت على كتفها. مش بس على فارس. بكيت على نادية التي ضاعت، وعلى نادية التي رجعت متأخرة لكنها رجعت. في الصباح، ذهبت إلى مقر الشركة مع هدى. كنت أرتدي نفس الفستان الكحلي، لكني أضفت فوقه جاكيت أسود بسيط. في الاستقبال، لأول مرة، لم أكن زوجة فارس التي تنتظر في الكرسي. كنت نادية عبد السلام، ومعي ملفات تثبت أنني كنت أعمل في الظل لسنوات. قابلني شريف ومعه الإدارة القانونية. لم يكن اللقاء عاطفيًا كما تخيلت فتاة صغيرة يومًا. كان رسميًا، محترمًا، دقيقًا. عرضت الدفاتر. شرحت الخطط. فتحت الفلاشة. قرأوا رسائل بخطابتي، ملاحظاتي، جداولي، أفكاري. مدير مالي شاب رفع رأسه بعد ساعة وقال: هذه الخطة وحدها وفرت للشركة ملايين. شريف نظر لي وقال: لماذا لم توقعي باسمك؟ ابتسمت بحزن: لأنني كنت أظن أن دوري أن أساعده يلمع. قال: من اليوم، توقيعك يخصك. بعدها بدأت سلسلة طويلة. فارس أُوقف عن العمل مؤقتًا لحين التحقيق في نسب الأفكار والتقارير التي قدمها باسمه. لم يتم فضحه علنًا كما كان يخاف، لكن الحقيقة داخل الشركة كانت كافية لهدم مملكته الصغيرة. أما أنا، فعُرض عليّ عقد استشاري لمدة ستة أشهر. عندما وضعوا العقد أمامي، يدي ارتعشت. لم أكن عملت رسميًا منذ تخرجي. قلت: يمكن أكون كبرت على البداية. شريف قال: البداية لا تسأل عن العمر. تسأل عن الشجاعة. وقّعت. إمضائي كان مهتزًا، لكنه كان لي. في الأسابيع التالية، حاول فارس كل شيء. اتصل يعتذر، ثم يهدد، ثم يترجى، ثم يرسل أمه تقول إن “الست مالهاش غير بيت جوزها”. أمي كانت قد توفيت منذ سنوات، لكنني تمنيت لو كانت ترى أن بيت الجوز أحيانًا يكون قبرًا مزينًا. رفعت قضية طلاق للضرر. لم أفعلها انتقامًا، بل خروجًا. فارس في المحكمة قال إنني تغيرت بسبب رجل غريب. قلت للقاضي بهدوء: لم أتغير بسبب رجل. تغيرت لأنني سمعت نفسي أخيرًا. أما شريف، فظل على مسافة محترمة. لم يقل لي كلمة حب، ولم يطلب مني أن أعود لماضٍ فات. كان أكثر نضجًا من ذلك. ساعدني كصديق قديم وكمالك شركة رأى قيمة مهنية مهدرة. ربما كان في عينيه حنين، وفي قلبي امتنان، لكنني كنت أعرف أن أول قصة حب يجب أن أعيشها بعد فارس هي قصة حبي لنفسي. بعد ستة أشهر، وقفت في قاعة اجتماعات نفس الفندق تقريبًا، لكن المرة دي لم أكن واقفة وراء نباتات الزينة. كنت على المنصة، أشرح خطة إعادة هيكلة لقسم كامل. كان شعري مرفوعًا ببساطة، والفستان الذي أرتديه لم يكن غاليًا جدًا، لكنه كان اختياري أنا. في الصف الأول، جلس شريف يبتسم بفخر هادئ. وفي آخر القاعة، رأيت فارس. جاء بصفته مدعوًا من شركة أخرى بعد أن ترك منصبه. كان وجهه متعبًا، وعيناه لا تعرفان أين تستقران. بعد العرض، صفق الحضور. تصفيق طويل لم أكن أعرف كيف أستقبله. شعرت للحظة أن الفتاة الجامعية التي انتظرت جواب المنحة تقف بجانبي وتصفق أيضًا. بعد انتهاء الندوة، اقترب فارس مني. لم يكن غاضبًا هذه المرة، بل مكسورًا بطريقة لم أفرح بها. قال: كنتِ فعلًا شاطرة. ابتسمت بحزن وقلت: كنت أعرف. بس كنت مستنية أنت تعرف. قال: ضيعتك. قلت: ضيعت سنين، لكنك لم تضيعني. أنا هنا. سكت، ثم قال: هل في فرصة نرجع؟ نظرت حولي. إلى القاعة، إلى النور، إلى الناس الذين ينادون اسمي، إلى يدي التي لم تعد تخفي السلسلة تحت الملابس. قلت: لا. ليس لأنني أكرهك، لكن لأنني عندما خرجت من ظلك، اكتشفت أنني لا أحتاج للعودة إليه. في تلك الليلة، عدت إلى شقتي الصغيرة الجديدة. نعم، صغيرة. أصغر من بيت فارس بكثير. لكن كل ركن فيها كان يحمل صوتي. كوب القهوة في المكان الذي اخترته، الكتب على الرف كما أحب، الفستان الكحلي معلق داخل برواز زجاجي صغير في غرفة مكتبي. كتبته تحته بخط يدي: “الفستان الذي ظنوه محرجًا… أنقذني.” وبعد عام، تلقيت دعوة من الجامعة القديمة لإلقاء كلمة للطالبات عن الفرص الثانية. وقفت أمام وجوه شابة مليئة بالخوف والأحلام، وقلت لهم: لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن الهدوء يعني الضعف. أحيانًا الإنسان يسكت لأنه يراقب، يتعلم، ينتظر لحظة واحدة فقط يقول فيها: كفاية. وبعد المحاضرة، جاءتني فتاة صغيرة وقالت: أنا أمي تشبهك… طول عمرها واقفة في الخلفية. ماذا أقول لها؟ مسكت يدها وقلت: قولي لها إن الخلفية ليست مكانها الحقيقي، هي فقط المكان الذي تعودت عليه. في المساء، وجدت رسالة من شريف: “فخور بك يا نادية.” ابتسمت ولم أرد فورًا. فتحت الشباك، ونظرت للنيل البعيد. لم أكن أعلم ماذا سيحدث بيني وبين شريف لاحقًا، ولم أكن مستعجلة. لأول مرة، لم أكن أبحث عن رجل ينقذني، ولا عن بيت يحميني، ولا عن اسم أختبئ خلفه. كنت أبحث عني، وقد بدأت أجدها. وبعد سنوات، عندما كنت أمر أمام فندق النيل الكبير، كنت أرى في ذاكرتي امرأة بفستان كحلي واقفة وراء نباتات الزينة، تحاول أن تكون غير مرئية حتى لا تحرج زوجها. كنت أريد أن أعود إليها، أمسك يدها، وأقول لها: اصبري قليلًا… ليس لأن الإهانة تستحق الصبر، بل لأن اللحظة التي ستقفين فيها أمام الجميع وتقولين “أنا كنت محترمة قبلك وفضلت محترمة رغمك” قادمة. ومن يومها، لم أخبئ السلسلة مرة أخرى. تركتها فوق صدري، تلمع بهدوء، لا لأنها ذكرى رجل أحبني قديمًا، بل لأنها تذكرة بأن هناك شخصًا في يوم من الأيام رأى عقلي قبل أن يراه العالم. والأهم، أنني أخيرًا رأيته بنفسي. أما فارس، فبقي في حياتي كدرس قاسٍ لا كجرح مفتوح. تعلمت منه أن بعض الناس لا يكرهونك لأنك ضعيف، بل لأنهم يعرفون قوتك ويحاولون إقناعك ألا تستخدميها. وتعلمت أن الزواج الذي يطلب منك أن تصغري كل يوم ليس بيتًا، بل قفصًا يلمع من الخارج. وتعلمت أن الفستان الرخيص لا يصنع امرأة رخيصة، كما أن البدلة الغالية لا تصنع رجلًا محترمًا. وفي آخر مرة رأيته فيها، كان في عزاء أحد زملاء الشركة. تقدم نحوي بهدوء وقال: نادية، أنتِ بقيتِ كبيرة أوي. نظرت له وقلت: لا يا فارس. أنا كنت كبيرة من زمان. أنت بس كنت واقف قريب لدرجة إنك ما شفتنيش. ثم تركته ومشيت. لم تكن مشية انتصار صاخب، بل مشية امرأة عرفت طريقها. وفي نهاية الحكاية، لم يكن المالك الجديد هو الذي غيّر حياتي، ولا الحفل الضخم، ولا الفستان الكحلي. الذي غيّر حياتي كان تلك اللحظة الصغيرة قبل دخول القاعة، حين قال لي زوجي: “خليكِ بعيد عني طول الوقت… الفستان اللي لابساه محرج جدًا.” لأنه من غير أن يدري، أزاحني من جواره خطوة واحدة… وكانت تلك الخطوة هي أول خطوة أخذتها بعيدًا عنه، ونحو نفسي.
تمت
