حفيدتي حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع: المكان السري
“فين؟!”
سأل أحمد وهو يكاد يصرخ.
أخذت نفسًا عميقًا.
وقلت:
“الحديقة القديمة عند البحيرة.”
تجمد للحظة.
ثم اتسعت عيناه.
طبعًا.
كيف لم يتذكر؟
كانت سلمى تأخذ مريم هناك كل يوم جمعة تقريبًا.
حديقة صغيرة قديمة على أطراف المدينة.
فيها بحيرة صناعية وعدد قليل من المقاعد الخشبية.
مكان هادئ بعيد عن الزحام.
وكانت سلمى تسميه دائمًا:
“مكاننا السري.”
من شدة حب مريم للمكان، كانت ترسمه باستمرار.
حتى بعد وفاة أمها.
قفز أحمد نحو الباب.
“يلا.”
بعد أقل من عشر دقائق كنا داخل السيارة.
أما ريم فخرجت خلفنا.
وقالت بلهفة:
“أنا جاية معاكم.”
لكن أحمد نظر إليها نظرة باردة لم أرها من قبل.
وقال:
“لأ.”
تجمدت مكانها.
ثم أغلق الباب وانطلقت السيارة.
طوال الطريق لم ينطق أحد.
كان القلق يلتهمنا.
كل دقيقة تمر كانت تبدو ساعة كاملة.
بدأت الشمس تميل نحو الغروب.
والهواء صار أبرد.
وفي رأسي كانت تدور مئات الاحتمالات.
مريم طفلة صغيرة.
خائفة.
وحزينة.
ومكسورة القلب.
وعندما يصل الأطفال إلى هذه المرحلة يفعلون أشياء لا يتوقعها أحد.
وصلنا أخيرًا.
قفز أحمد من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا.
وأخذ يجري بين الأشجار.
وهو ينادي:
“مريم!”
“مريم!”
لكن لم يرد أحد.
بدأ الخوف الحقيقي يظهر على وجهه.
بحثنا عند البحيرة.
وخلف الأشجار.
وعند الألعاب القديمة.
ولا أثر لها.
ثم فجأة…
سمعت شيئًا.
صوتًا خافتًا جدًا.
كأنه بكاء.
رفعت يدي.
“اسكت.”
توقف أحمد.
أنصتنا.
وجاء الصوت مرة أخرى.
ركضنا ناحية مصدره.
خلف صف من الأشجار الكثيفة.
وهناك…
وجدناها.
كانت جالسة على الأرض.
تضم الدبدوب إلى صدرها.
ورأسها مدفون بين ركبتيها.
تبكي بصمت.
شهق أحمد.
وركض نحوها.
“مريم!”
رفعت رأسها.
وبمجرد أن رأته…
انفجرت في البكاء.
ذلك البكاء الذي كانت تحبسه شهورًا كاملة.
ارتمت بين ذراعيه.
وظلت تبكي دون توقف.
أما أحمد فكان يبكي هو الآخر.
ويقبل رأسها ويديها.
ويكرر:
“سامحيني.”
“سامحيني يا بنتي.”
“أنا آسف.”
كانت تلك أول مرة أراه منهارًا بهذا الشكل منذ وفاة سلمى.
لكن المفاجأة جاءت بعد دقائق.
عندما هدأت مريم قليلًا.
ونظرت إلى والدها.
وقالت أول جملة كاملة منذ شهور:
“بابا… أنا كنت فاكرة إنك مش هتصدقني.”
توقف الزمن للحظة.
حتى أنا شعرت بالدموع تملأ عيني.
أحمد احتضنها بقوة أكبر.
وقال:
“أصدقك.”
“أقسم بالله أصدقك.”
ثم أضاف بصوت مكسور:
“قوليلي كل حاجة.”
نظرت مريم إلى الأرض.
ثم بدأت تحكي.
ببطء.
وتقطع.
لكن كل كلمة كانت كالسهم.
حكت كيف كانت ريم تخفي صور سلمى.
وكيف كانت تمنعها من الحديث عنها.
وكيف كانت تغضب كلما نادت أمها باسمها.
وكيف كانت تخبرها باستمرار أن عليها أن تنسى الماضي.
لكن أكثر شيء هزنا…
كان ما قالته بعد ذلك.
قالت:
“هي كانت تدخل أوضة ماما بالليل.”
نظرنا لبعضنا بدهشة.
سأل أحمد:
“أوضة ماما؟”
هزت رأسها.
“الأوضة اللي فيها حاجات ماما.”
غرفة سلمى القديمة.
التي أبقاها أحمد مغلقة تقريبًا منذ وفاتها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
سألتها:
“بتعمل إيه هناك؟”
هنا ازدادت حيرتنا.
لأن مريم قالت:
“كانت تدور على حاجة.”
“كل ليلة.”
“وتقول إنها لازم تلاقيها.”
سأل أحمد:
“حاجة إيه؟”
لكن مريم هزت رأسها.
“معرفش.”
ساد الصمت.
وفجأة تذكرت شيئًا.
قبل أشهر قليلة من وفاة سلمى.
كانت قد أخبرتني عن صندوق صغير.
صندوق خشبي كانت تحتفظ فيه بأوراق مهمة جدًا.
وقالت لي يومها:
“لو حصل لي حاجة يومًا ما… الصندوق ده هيكشف حاجات كتير.”
لكنها لم تخبرني أين أخفته.
وبعد وفاتها لم نجده أبدًا.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
هل يمكن أن تكون ريم تبحث عن الصندوق نفسه؟
وهل كانت تعرف بوجوده أصلًا؟
نظرت إلى أحمد.
ومن الواضح أنه تذكر نفس الحديث.
لأن وجهه شحب فجأة.
ثم قال:
“لازم نرجع البيت حالًا.”
سألته:
“ليه؟”
نظر إليّ مباشرة.
وقال:
“لأن لو ريم بتدور على الصندوق…”
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
“…يبقى فيه سر كانت سلمى مخبياه عن الكل.”
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف أحمد.
كان اتصالًا من أحد الجيران.
رد بسرعة.
ثم اتسعت عيناه من الرعب.
وقال:
“إيه؟!”
قفزت من مكاني.
“فيه إيه؟”
أغلق الهاتف ببطء.
ثم نظر إلينا.
وقال الجملة التي جعلت قلوبنا تتوقف:
“حد كسر باب أوضة سلمى… من أقل من ساعة.”
الفصل الخامس: الغرفة المكسورة
انطلقت السيارة كالسهم.
كان أحمد يقود بسرعة لم أره يقود بها من قبل.
أما مريم فكانت جالسة في المقعد الخلفي، متمسكة بالدبدوب بقوة، وكأنها تخاف أن يختفي منها هو الآخر.
لم يتكلم أحد طوال الطريق.
كل ما كنا نسمعه هو صوت المحرك وأنفاسنا المتوترة.
عندما وصلنا إلى المنزل، كانت سيارة الشرطة تقف أمام البوابة.
ونصف الجيران تقريبًا متجمعين في الشارع.
ترجل أحمد من السيارة بسرعة.
ودخل البيت.
ركضت خلفه.
وصعدنا السلم.
حتى وصلنا إلى غرفة سلمى.
وتوقفنا.
الباب كان مخلوعًا بالفعل.
وقفل الباب محطم على الأرض.
أما داخل الغرفة…
فكان كل شيء مقلوبًا رأسًا على عقب.
الأدراج مفتوحة.
الملابس مبعثرة.
الصناديق فارغة.
والصور متناثرة فوق الأرض.
وكأن شخصًا ما كان يبحث عن شيء بجنون.
وقف أحمد في منتصف الغرفة.
غير مصدق ما يراه.
ثم همس:
“يا رب.”
اقترب ضابط الشرطة.
وقال:
“الظاهر إن اللي دخل كان عارف هو بيدور على إيه.”
سأله أحمد:
“فيه بصمات؟”
هز الضابط رأسه.
“القفازات مستخدمة.”
ثم أضاف:
“لكن في كاميرا الجار المقابل.”
شعرت بأنفاسي تتوقف.
وسألته:
“وشافت مين؟”
رد:
“لسه بنراجع التسجيل.”
في تلك اللحظة بالذات…
سمعنا شهقة صغيرة خلفنا.
التفتنا.
فوجدنا مريم.
كانت تنظر إلى أحد أركان الغرفة.
وتشير بإصبعها.
اقتربنا جميعًا.
فوجدنا شيئًا صغيرًا ملقى تحت السرير.
كان زرًا معدنيًا.
زرًا من معطف نسائي.
أخذته الشرطة فورًا.
لكن مريم همست:
“أنا شفته قبل كده.”
سألتها:
“فين؟”
ردت دون تردد:
“في جاكيت ريم.”
ساد الصمت.
حتى الضابط توقف عن الكتابة.
أما أحمد فبدا وكأن أحدهم لكمه في معدته.
لكن الضابط رفع يده وقال:
“مش دليل كفاية.”
وكان محقًا.
أي محامٍ يستطيع إسقاط دليل كهذا بسهولة.
لكن الشك بدأ يتحول إلى يقين.
وفي تلك الليلة…
بعد مغادرة الشرطة…
جلسنا في غرفة المعيشة.
كانت مريم قد نامت أخيرًا.
وأنا وأحمد نتحدث بصوت منخفض.
فجأة قال:
“أنا فاكر الصندوق.”
نظرت إليه بسرعة.
“إيه؟”
تنهد.
ثم قال:
“سلمى كانت كاتبة وصية.”
تجمدت في مكاني.
“وصية؟”
هز رأسه.
“قبل وفاتها بشهور.”
شعرت بقشعريرة.
“وقالتلي لو حصلها حاجة أفتحها بعد ما مريم تكمل 18 سنة.”
“لكنها اختفت بعدها.”
أخذ نفسًا طويلًا.
وأضاف:
“ساعتها افتكرت إنها ضيعتها.”
لكن الآن…
كل شيء بدأ يترابط.
الصندوق المختفي.
تفتيش الغرفة.
خوف ريم.
وتصرفاتها مع مريم.
قال أحمد بصوت خافت:
“يمكن الوصية كانت جوا الصندوق.”
وفجأة…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
وكان اسم ريم يظهر عليها.
ظل ينظر للحظات.
ثم رد.
جاءه صوتها المرتجف:
“أحمد… لازم أقولك حاجة.”
قال ببرود:
“اتفضلي.”
سكتت ثواني.
ثم قالت:
“أنا ما كسرتش الغرفة.”
رد:
“بس؟”
قالت بسرعة:
“بس أعرف مين عمل كده.”
شعرت بقلبي يقفز.
أما أحمد فقال:
“مين؟”
وجاء الرد الذي لم نتوقعه أبدًا:
“أخو سلمى.”
تجمدنا في أماكننا.
أخو سلمى؟
سامي؟
الرجل الذي لم نره منذ أكثر من ثلاث سنوات؟
الرجل الذي اختفى بعد جنازة أخته مباشرة؟
الرجل الذي قيل إنه سافر خارج البلاد؟
قال أحمد بصدمة:
“إنتِ بتقولي إيه؟”
ردت ريم:
“هو رجع.”
“وشفته بعيني.”
ثم أضافت جملة جعلت الرعب يملأ الغرفة:
“وكان بيسأل عن الصندوق قبل ما الغرفة تتكسر بيوم واحد.”
انتهت المكالمة.
وبقي الصمت يسيطر على المكان.
لكن في داخلي…
كان هناك شيء لا يصدق كلام ريم.
شيء يخبرني أنها تحاول تحويل الأنظار.
لأن السؤال الحقيقي لم يكن:
من كسر الغرفة؟
بل كان:
كيف عرفت ريم أصلًا بوجود الصندوق؟
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوتًا خافتًا قادمًا من الطابق العلوي.
صوت خطوة.
ثم خطوة ثانية.
رغم أن الجميع كان في الأسفل.
رفع أحمد رأسه ببطء.
ونظر إلى السقف.
أما أنا فشعرت بالدم يتجمد في عروقي.
لأن الصوت كان قادمًا…
من غرفة سلمى نفسها.
الفصل السادس: الرجل المختبئ
توقفت أنفاسنا جميعًا.
الصوت تكرر مرة أخرى.
خطوة.
ثم احتكاك خفيف.
ثم صمت.
رفع أحمد عينيه ناحية السقف.
وقال بهدوء متوتر:
“خليكي مع مريم.”
لكنه كان يعرف أنني لن أبقى في الأسفل.
أمسك عصا حديدية كانت بجوار الباب.
وصعد السلم ببطء.
أما أنا فتبعته.
كل درجة كنا نصعدها كانت تجعل دقات قلبي أعلى.
حتى وصلنا إلى الطابق العلوي.
الممر كان مظلمًا.
وضوء غرفة سلمى مكسور منذ سنوات.
كل شيء بدا مخيفًا بشكل غريب.
ثم وصلنا إلى الباب.
المفتوح أصلًا منذ أن تم اقتحامه.
نظر أحمد إلى الداخل.
ولم ير شيئًا.
لكن فجأة…
صدر صوت من خلف الستارة الكبيرة قرب النافذة.
قفز أحمد نحوها.
وسحبها بعنف.
لتظهر أمامنا هيئة رجل.
رجل نحيف.
شعره طويل قليلًا.
ولحيته غير مرتبة.
وثيابه قديمة.
لكنني عرفته فورًا.
شهقت:
“سامي!”
رفع الرجل رأسه ببطء.
ونظر إلينا.
نفس عيون سلمى.
نفس النظرة.
نفس الملامح.
لكنها كانت مليئة بالتعب والحزن.
قال أحمد بصدمة:
“إنت حي؟”
ضحك سامي بسخرية مريرة.
“على حد علمي… أيوه.”
تقدم أحمد نحوه بغضب.
“كنت فين طول السنين دي؟”
لكن سامي لم يجب.
بل نظر حوله.
إلى الفوضى.
إلى الأدراج المقلوبة.
إلى الصور الممزقة.
ثم قال:
“متأخر.”
سألته:
“متأخر على إيه؟”
أجاب:
“هي سبقِتني.”
شعرت بقشعريرة.
“مين؟”
نظر مباشرة في عيني.
وقال:
“ريم.”
ساد الصمت.
ثم جلس سامي على طرف السرير وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.
وقال:
“أنا رجعت من شهر.”
“وأول حاجة عملتها إني جيت أدور على الصندوق.”
سأله أحمد:
“إيه اللي جوا الصندوق؟”
رفع سامي رأسه.
وقال:
“الحقيقة.”
تجمدنا جميعًا.
ثم أكمل:
“الحقيقة اللي سلمى اكتشفتها قبل ما تموت بأسابيع.”
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
وسألته:
“أي حقيقة؟”
نظر إلى صورة أخته المعلقة على الحائط.
ثم قال:
“سلمى ما ماتتش وفاة طبيعية.”
شعرت أن الأرض تميد بي.
أما أحمد فتراجع خطوة للخلف.
“إنت مجنون.”
لكن سامي هز رأسه.
“لا.”
“وأختي كانت عارفة إنها في خطر.”
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
ووضعه أمامنا.
كان أصفر اللون.
وعليه خط سلمى.
عرفته فورًا.
كنت أرى خطها منذ طفولتها.
فتح أحمد الظرف بيد مرتعشة.
وفي الداخل كانت هناك رسالة قصيرة.
بدأ يقرأ بصوت مرتجف:
“لو وصلتك الرسالة دي يا سامي، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.”
شعرت بالدموع تملأ عيني.
أما أحمد فتابع القراءة:
“فيه ناس مش عايزة الحقيقة تظهر.”
“ولو حصلي حاجة، الصندوق لازم يوصل لمريم.”
“ومتثقش في أي حد.”
“خصوصًا ريم.”
توقف أحمد عن القراءة.
وأصبح وجهه أبيض تمامًا.
أما أنا فشعرت ببرودة تسري في كل جسدي.
اسم ريم كان مكتوبًا بوضوح.
بخط سلمى نفسها.
قال أحمد بصوت مخنوق:
“مستحيل.”
لكن سامي أخرج ورقة ثانية.
وقال:
“دي مش كل حاجة.”
كانت نسخة من تقرير طبي.
قديم.
بتاريخ قبل وفاة سلمى بشهرين.
أخذته بيدي.
وبدأت أقرأ.
ثم شعرت أن قلبي توقف.
لأن التقرير لم يكن عن مرض.
ولا عن حادث.
بل عن…
تحليل سموم.
ورغم أن الكلمات الطبية كانت كثيرة…
إلا أن الجملة الأخيرة كانت واضحة جدًا.
“يوصى بإعادة الفحص لاحتمالية التعرض المتكرر لمادة سامة بجرعات منخفضة.”
شهقت.
أما أحمد فأمسك حافة الطاولة حتى لا يسقط.
وسأل بصوت بالكاد خرج:
“إنت بتقول إن حد كان بيسمم سلمى؟”
هز سامي رأسه ببطء.
وقال:
“وده السبب اللي خلاها تبدأ تجمع الأدلة.”
ثم أضاف:
“وده السبب اللي خلاها تخبّي الصندوق.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومرعب.
وفجأة…
رن جرس الباب.
مرة واحدة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات متتالية.
نظرنا لبعضنا.
لأن الوقت كان بعد منتصف الليل.
ومن يقف بالخارج في تلك الساعة؟
اقترب أحمد من النافذة.
ونظر إلى الشارع.
ثم شحب وجهه فجأة.
التفت نحونا.
وقال:
“ريم.”
سألته:
“لوحدها؟”
هز رأسه.
“لأ.”
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم قال:
“معاها شنطة سفر كبيرة.”
وفي اللحظة نفسها…
وصل إلى هواتفنا جميعًا إشعار بنكي واحد.
كان من حساب أحمد.
عملية سحب ضخمة تمت قبل دقائق.
بكل الأموال الموجودة تقريبًا.
والشخص الوحيد الذي كان يملك صلاحية الوصول للحساب معه…
كانت ريم.
يتبع