الفستان الاحمر حكايات أسما-2
بعد الفرح بثلاث أسابيع تقريبًا
كنت قاعدة في الصالة عندي أنا ومدام نوال
البيت كان هادي بشكل غريب
وهي كانت سرحانة في فنجان القهوة كأنها شايفة عمر كامل جواه
من يوم الفضيحة وهي كبرت عشر سنين مرة واحدة
الشعر الأبيض بان أكتر
إيديها بقت ترتعش
وصوتها بقى أهدى بشكل يخوف
قلت لها بهدوء
— نمتي امبارح؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة
— أول مرة أعرف أن الحقيقة مريحة ومتعبة في نفس الوقت
سكتت شوية
وبعدين قالت
— كريم بيبعتلي رسايل كل يوم من الحجز
قلبي اتقبض
— بتردي عليه؟
هزت راسها بالنفي
— بيقولي إني دمرت حياته
ضحكت ضحكة مكسورة
— تخيلي؟
ماعرفتش أرد
هي بصتلي فجأة
— عمرك كرهتيني؟
السؤال نزل عليا تقيل
بصيت لها شوية
وبعدين قلت الحقيقة
— بعد الطلاق؟ أيوه
كرهت إنك فضلتي ساكتة
وكرهت إنك ساعات كنتي تدافعي عنه حتى وإنتي عارفة خيانته
دموعها نزلت بهدوء
— كنت بخاف أفقد ابني الوحيد بعد ما فقدت دينا
كل مرة كنت بشوف سواده وأقول لنفسي هيتغير
كل مرة كنت أكدب على نفسي
وبعدين همست
— لحد ما ظلمك إنتي كمان
السكوت بينا كان تقيل
لكن مريح
لأن لأول مرة بقينا بنتكلم من غير أقنعة
—
القضية بدأت تاخد شكل أكبر مما توقعت
الصحافة دخلت
برامج تليفزيون اتكلمت
وحكاية الحادثة القديمة رجعت للسطح
ناس كتير من أصحاب كريم اختفوا فجأة
الناس اللي كانت بتضحك معاه وتشرب معاه وتقول عليه راجل جدع
بقوا يعملوا نفسهم مايعرفوش اسمه
أما مي
فكانت الصدمة عاملاها شبه الشبح
في يوم لقيت رقم غريب بيرن عليا
رديت بحذر
— ألو؟
صوت ضعيف قال
— أنا مي
سكتت
هي كملت بسرعة
— عارفة إنك مش طايقاني
بس محتاجة أقابلك
بصراحة ماكنتش عايزة
كل ما أفتكرها في سريري مع جوزي القديم كانت النار ترجع تاني
لكن فضولي وافق
اتقابلنا في كافيه صغير في الزمالك
أول ما دخلت ماعرفتهاش
البنت اللي كانت دايمًا مهتمة بشكلها وعاملة نفسها ملكة المكان
كانت قاعدة من غير ميكاب وعينيها وارمين من العياط
قعدت قدامي وهي متوترة
— أنا آسفة
ما رديتش
قالت بسرعة
— كنت فاكرة إنه بيحبني
وإنك إنتي السبب في فشل جوازكم
ضحكت بمرارة
— الرجال الخاينين بيعرفوا يحكوا كويس
هزت راسها وهي بتبكي
— لما سمعت التسجيل حسيت إني كنت نايمة جنب وحش
بصيت لها شوية
ولأول مرة ماحستش بغيرة ولا غضب
بس شفقة
هي طلعت ظرف من شنطتها
— ده كان عند كريم
ولقيته بعد الفرح
فتحت الظرف
وكانت الصدمة
صور
صور لدينا
وصور عربية الحادثة
وفي صورة تحديدًا خلت الدم يتجمد في عروقي
كريم واقف جنب العربية بعد الحادثة
وشه كله دم
لكن واضح إنه واقف
سليم
ودينا جوا العربية
ما بتتحركش
إيدي بدأت ترتعش
مي قالت بصوت مخنوق
— كان محتفظ بكل حاجة
كأنه عايز يفتكر اللي عمله وفي نفس الوقت مش قادر يعترف
قلبي وجعني على مدام نوال
أم عاشت عشر سنين فاكرة إن بنتها ماتت في حادثة
وإن ابنها مجرد ناجي
وطلع السبب الحقيقي في موتها
—
في الليلة دي ماقدرتش أخبي الصور عن مدام نوال
أول ما شافتها شهقت
وقعت الصورة من إيدها
— لا…
حضنتها بسرعة قبل ما تقع
كانت بتترعش بشكل مرعب
— سابها تموت…
الجملة خرجت منها كأنها سكينة
فضلت تعيط بطريقة عمري ما شوفتها بيها
عياط أم قلبها بيتكسر للمرة التانية على نفس البنت
وفي نص انهيارها قالت حاجة عمري ما هنساها
— أنا اللي ربيته
يبقى أكيد غلطتي أنا
مسكت وشها بين إيديا
— لا
كل إنسان مسؤول عن نفسه
لكنها ما اقتنعتش
لأن مفيش أم بتعرف تفصل نفسها عن ذنب ابنها بسهولة
—
الأيام بعدها بقت أصعب
ناس بدأت تهاجم مدام نوال
قرايبها قالوا إنها فضحت ابنها
واحدة من خالات كريم اتصلت بيها تصرخ
— مهما عمل ده ابنك
كنتي استريتي عليه
مدام نوال ردت بهدوء عمرها ما كان عندها زيه
— سترت عليه عشر سنين
ودفعت التمن كل يوم
وقفلت السكة
لكن بعدها دخلت أوضتها وقعدت تعيط بالساعات
—
أما أنا
فكنت بحاول أرجع لحياتي
بس الغريب إن حياتي القديمة ما بقتش تنفعني
بعد كل اللي حصل حسيت إني شخص مختلف
بطلت أستحمل العلاقات السطحية
بطلت أخاف من الوحدة
بطلت أصدق أي راجل بسهولة
وفي عز اللخبطة دي ظهر شخص ماكنتش متوقعاه
آدم
محامي القضية
كان هادي بطريقة مريحة
مافيهوش استعراض
ولا النظرات التقيلة اللي كنت بشوفها من الرجالة بعد الطلاق
في الأول تعاملنا كان رسمي
مكالمات عن القضية
أوراق
جلسات
لكن مرة بعد جلسة طويلة لقاني مرهقة
قال بهدوء
— أكلتي؟
ضحكت
— هو ده سؤال محامي؟
ابتسم
— ده سؤال حد شايف إنك هتقعي من التعب
الغريب إن قلبي ارتاح
ارتاح لمجرد إن حد سألني ببساطة
—
بعدها بكام أسبوع مدام نوال تعبت
ضغطها علي فجأة
جريت بيها المستشفى وأنا مرعوبة
وإحنا مستنيين الدكتور خرج آدم من آخر الممر
كان جاي يتابع حاجة تخص القضية
أول ما شافني قرب بسرعة
— حصل إيه؟
ماعرفتش أتماسك
انهرت فجأة
لأول مرة من شهور أحس إني تعبت
تعبت من القوة
آدم ماقالش كلام كتير
بس حط إيده على كتفي بهدوء
وللمرة الأولى من سنين حسيت إن في حد شايل معايا جزء صغير من الحمل
—
مدام نوال خرجت من المستشفى بعد يومين
لكنها بقت أهدى جدًا بعدها
كأن التعب الجسدي كسر آخر مقاومة جواها
في ليلة وإحنا بنتعشى قالتلي فجأة
— لو جرالي حاجة أوعي تسيبيني لوحدي
اتخضيت
— بعد الشر عليكي
ابتسمت
— أنا مش بخاف من الموت
أنا بخاف أموت قبل ما أصلح اللي أقدر أصلحه
وبعدين بصتلي بطريقة غريبة
— آدم بيحبك
كتمت ضحكتي
— طنط بالله عليكي
— أنا ست كبيرة وبفهم
والولد ده أول مرة أشوفه يبص لواحدة بالخوف عليها مش بالرغبة فيها
قلبي اتلخبط
لأن الحقيقة إني أنا كمان كنت بخاف من إحساسي ناحيته
—
القضية أخدت شهور
وفي آخر جلسة المحكمة حكمت على كريم بالسجن المشدد بعد إعادة فتح ملف الحادثة وإثبات الإهمال والهروب والتلاعب في الشهادات
كريم كان واقف في القفص يبص ناحيتي
مش ندمان
غضبان
ودي كانت أكتر حاجة مرعبة
قبل ما ياخدوه صرخ
— إنتو كلكم خنتوني
مدام نوال وقفت تبصله بعيون مليانة دموع
وقالت جملة واحدة
— أول واحد خان كان إنت
واتاخد
واختفى
والغريب إن أول إحساس جالي ماكانش الشماتة
كان الحزن
حزن على الراجل اللي حبيته يومًا
وطلع شخص عمري ما عرفته
—
بعد القضية الحياة بدأت تهدى تدريجي
أنا رجعت أشتغل أكتر
ومدام نوال بقت تقعد معايا أغلب الوقت
وفي يوم قالتلي
— تعالى نفتح أوضة دينا
الأوضة كانت مقفولة من عشر سنين
أول ما الباب اتفتح ريحة قديمة خرجت
ريحة برفان خفيف وذكريات
السرير مرتب
الكتب مكانها
والفستان الأحمر مكانه على شماعة فاضية
مدام نوال لمست الكومود بإيد مرتعشة
— بعد الحادثة ماقدرتش أدخل هنا غير مرات قليلة
قعدنا ننضف سوا
وفي درج صغير لقينا جواب
دينا كانت كاتباه قبل موتها بأسبوع
مدام نوال فتحته بإيد بتترعش
وكان مكتوب فيه
“ماما
حاسه إن كريم اتغير
بقى عصبي ومخيف ساعات
ولو جرالي حاجة ماتصدقيش أي حكاية بسهولة”
مدام نوال انهارت
وأنا حضنتها بقوة
لأن دينا حاولت تتكلم
لكن محدش لحق يسمعها
—
بعد شهور طويلة
آدم طلب يقابلني على النيل
كنت متوترة بطريقة سخيفة
قعدنا ساكتين شوية
وبعدين قال
— ندى
أنا عارف إنك مريتي بحاجات تخليكي تخافي من أي بداية
بس أنا مش مستعجل
بصيتله
ابتسم بهدوء
— بس حبيت تعرفي إن في حد شايفك تستاهلي حياة أهدى من كل اللي عشتيه
دموعي نزلت من غير ما أحس
مش عشان الكلام رومانسي
لكن عشان كان صادق
ولأول مرة بعد سنين ماحستش إن الحب فخ
—
بعد سنة كاملة
كنت واقفة في بلكونة شقتي
لابسة فستان أحمر جديد
مش نفس الفستان القديم
لكن قريب منه
مدام نوال كانت قاعدة جوه بتضحك مع آدم على حاجة
والهواء جاي من النيل بارد وخفيف
بصيت لانعكاسي في الإزاز
وافتكرت الليلة اللي دخلت فيها فرح كريم وأنا حاسة إني داخلة حرب
ماكنتش أعرف إن الليلة دي هتنهي عمر كامل
وتبدأ عمر تاني
مدام نوال خرجت من الصالة وشافتني
ابتسمت وقالت
— الأحمر لايق عليكي
ضحكت وأنا ببص للسما
لأول مرة اللون ده ما بقاش لون فضيحة
ولا انتقام
ولا دم
بقى لون نجاة
لون ستات اتكسرت
بس ماوقعتش
ولون بنت اسمها دينا
الحقيقة أخيرًا رجعلها صوتها بعد عشر سنين سكوت.
تمت
