حفيدتي حكـايـات أسمـا ×5

الفصل التاسع: التهديد

 

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

 

أعدت قراءة الرسالة مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم ثلاثًا.

 

لكن الكلمات لم تتغير.

 

«”اقفلوا الملف… قبل ما تخسروا مريم.”»

 

كانت الصورة ملتقطة قبل دقائق فعلًا.

 

نفس سيارتنا.

 

نفس الشجرة أمام البيت.

 

حتى الستارة التي حركها أحمد كانت ظاهرة في الصورة.

 

يعني صاحب الرسالة كان يراقبنا في تلك اللحظة.

 

نظر أحمد إلى الهاتف.

 

ثم إلى مريم.

 

وفجأة تحول خوفه إلى غضب.

 

غضب لم أره في حياته كلها.

 

قال وهو يمسك الهاتف بقوة:

 

“انتهى.”

 

سألته:

 

“انتهى إيه؟”

 

أجاب:

 

“مش هسكت تاني.”

 

لكن سامي هز رأسه.

 

“وده بالضبط اللي هما عايزينه.”

 

نظرنا إليه.

 

فقال:

 

“الناس دي مش بتشتغل بعشوائية.”

 

“لو بعتوا التهديد ده دلوقتي يبقى عارفين كل خطوة بنعملها.”

 

ساد الصمت.

 

ثم التفتت ريم نحونا.

 

وقالت شيئًا لم أتوقعه أبدًا.

 

“فيه حد جوه البيت.”

 

تجمدنا جميعًا.

 

سأل أحمد بحدة:

 

“يعني إيه؟”

 

قالت:

 

“كل مرة كنا نتكلم في حاجة تخص الصندوق أو سلمى… الشخص ده كان يعرف.”

 

“وكل مرة كان يسبقنا.”

 

بدأت أفكر.

 

الغرفة اتكسرت.

 

الصندوق اختفى.

 

ثم ظهر.

 

التهديدات بدأت فورًا.

 

كل شيء يحدث بسرعة مخيفة.

 

كأن أحدًا يسمعنا.

 

ويراقبنا.

 

ويعرف تحركاتنا.

 

وفجأة…

 

رفعت مريم رأسها.

 

وقالت بصوت خافت:

 

“أنا شفتها.”

 

نظرنا إليها جميعًا.

 

كانت أول مرة تتدخل في الحديث منذ ساعات.

 

اقترب أحمد منها فورًا.

 

“شفتي مين يا حبيبتي؟”

 

قالت:

 

“الست.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

“أي ست؟”

 

أجابت:

 

“الست اللي كانت تدخل أوضة ماما.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكملت:

 

“مش ريم.”

 

تجمدت ريم مكانها.

 

أما نحن فبقينا نحدق في مريم.

 

سألها سامي:

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوة.”

 

“شفتها مرتين.”

 

“كانت بتيجي بالليل.”

 

“ولابسة طرحة سودا.”

 

بدأت دقات قلبي تتسارع.

 

لأن هذا يغير كل شيء.

 

إذا كانت مريم تقول الحقيقة…

 

فربما ريم لم تكن الشخص الوحيد الذي كان يبحث عن الصندوق.

 

قال أحمد:

 

“وشفتي وشها؟”

 

هزت رأسها بالنفي.

 

“بس سمعتها.”

 

اقتربت منها أكثر.

 

“قالت إيه؟”

 

ترددت مريم.

 

ثم همست:

 

“كانت بتقول إنها لازم تلاقي الأوراق قبل ما حد يوصل لها.”

 

نظرنا لبعضنا.

 

ثم إلى الملف الموجود على الطاولة.

 

واضح أن الأوراق التي بداخل الصندوق أخطر مما تخيلنا.

 

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعدها بدقائق.

 

لأن جرس الباب رن.

 

مرة واحدة.

 

الجميع تجمد.

 

نظر أحمد إلى الساعة.

 

كانت الثانية والنصف بعد منتصف الليل.

 

من يأتي في هذا الوقت؟

 

اقترب بحذر.

 

ونظر من العين السحرية.

 

ثم عقد حاجبيه.

 

وقال:

 

“فيه بنت.”

 

فتح الباب بحذر.

 

فدخلت فتاة في منتصف العشرينات تقريبًا.

 

وجهها شاحب.

 

وتبدو وكأنها لم تنم منذ أيام.

 

بمجرد أن رأت سامي…

 

انفجرت بالبكاء.

 

وقالت:

 

“أخيرًا لقيتك.”

 

وقف سامي مصدومًا.

 

“إنتِ؟”

 

رفعت رأسها.

 

وقالت:

 

“أنا ليلى.”

 

ثم أضافت الجملة التي قلبت الغرفة رأسًا على عقب:

 

“وأنا بنت الدكتور فؤاد.”

 

ساد الصمت.

 

حتى أنفاسنا توقفت.

 

أما الفتاة فمدت يدها ببطء.

 

وكان بداخلها ظرف بني قديم.

 

وقالت:

 

“أبويا مات النهارده الصبح.”

 

شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدمي.

 

الدكتور فؤاد مات؟

 

الرجل الذي كنا نعتقد أنه وراء كل شيء؟

 

أكملت ليلى وهي تبكي:

 

“وقبل ما يموت طلب مني أوصل الظرف ده لسامي.”

 

تناول سامي الظرف بيد مرتجفة.

 

فتح الغطاء.

 

وأخرج ورقة واحدة.

 

قرأ أول سطر فيها.

 

ثم شحب وجهه.

 

قرأ السطر الثاني.

 

فجلس على الكرسي فجأة.

 

أما السطر الثالث…

 

فجعله يرفع رأسه إلينا ببطء.

 

وقال بصوت مرتعش:

 

“إحنا كنا بندور على الشخص الغلط طول الوقت.”

 

سأل أحمد بسرعة:

 

“يعني إيه؟”

 

رفع سامي الرسالة.

 

ثم قال:

 

“الدكتور فؤاد كتب اسم القاتل الحقيقي بنفسه.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انقطع التيار الكهربائي عن المنزل كله.

 

وغرقنا في الظلام الكامل.

 

ثم سمعنا صوت تحطم زجاج من الطابق العلوي.

 

وصوت خطوات شخص دخل البيت بالفعل.

الفصل الأخير: الحقيقة التي انتظرت سنوات

 

انطفأت الأنوار.

 

وغرق البيت كله في ظلام مخيف.

 

صرخت مريم وتمسكت بي بقوة.

 

أما أحمد فقفز واقفًا.

 

وقال:

 

“محدش يتحرك.”

 

ثم سمعنا الصوت مرة أخرى.

 

خطوات.

 

بطيئة.

 

قادمة من الطابق العلوي.

 

كان هناك شخص داخل المنزل.

 

شخص اقتحم البيت بعد انقطاع الكهرباء مباشرة.

 

همس سامي:

 

“معاه فرصة ياخد الرسالة.”

 

وفجأة فهمنا.

 

الهدف لم يكن إيذاءنا.

 

الهدف كان الرسالة.

 

والاسم المكتوب فيها.

 

الشخص الذي كان يقتل ويحطم ويهدد طوال الشهور الماضية.

 

اقترب أحمد من درج المطبخ.

 

وأخرج مصباحًا يدويًا.

 

أضاءه بسرعة.

 

ثم صعد السلم.

 

وخلفه سامي.

 

أما أنا فاحتضنت مريم وجلست معها في غرفة المعيشة.

 

لكن بعد ثوانٍ فقط…

 

سمعنا صرخة من الأعلى.

 

ثم صوت ارتطام قوي.

 

ثم صراخ أحمد:

 

“امسكه!”

 

قفزت من مكاني.

 

وصعدت السلم.

 

وعندما وصلت…

 

وجدت سامي وأحمد يطرحان رجلًا أرضًا.

 

كان يحاول الهرب من النافذة.

 

لكن قدمه علقت في الستارة.

 

وسقط.

 

رفع الرجل رأسه.

 

وعندما سقط الضوء على وجهه…

 

شهق الجميع.

 

حتى ليلى نفسها.

 

لأنها عرفته فورًا.

 

همست:

 

“كمال…”

 

كان كمال المدير المالي لشركة النور الطبية.

 

رجل محترم.

 

هادئ.

 

يحضر المناسبات العائلية أحيانًا.

 

ولم يشك فيه أحد يومًا.

 

لكن الرسالة كانت في يد أحمد الآن.

 

فتحها أمام الجميع.

 

وبدأ يقرأ.

 

كانت آخر رسالة كتبها الدكتور فؤاد قبل وفاته.

 

وجاء فيها:

 

«”أنا أخطأت كثيرًا في حياتي، لكن أكبر خطأ ارتكبته كان ثقتي في كمال. عندما اكتشفت عمليات الاختلاس والتزوير داخل الشركة هددني. وعندما اكتشفت سلمى الحقيقة بالصدفة، أصبحت هي أيضًا خطرًا عليه.”»

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

واصل أحمد القراءة:

 

«”سلمى لم تمت بسبب المرض. لقد كانت تجمع الأدلة لتسليمها للجهات المختصة. كمال عرف بذلك. ومنذ ذلك اليوم بدأت المأساة.”»

 

نظرنا إلى كمال.

 

وكان الصمت اعترافًا.

 

أما الرسالة فاستمرت:

 

«”كنت جبانًا. خفت على سمعتي وعلى عائلتي. لذلك سكت. لكن بعد موت سلمى لم أعد أحتمل الذنب.”»

 

ثم جاء السطر الأخير:

 

«”إذا وصلتك هذه الرسالة، فاعلم أن كمال هو المسؤول عن كل ما حدث.”»

 

أغلق أحمد الرسالة.

 

وبقي الجميع صامتين.

 

أما كمال…

 

فأدرك أن النهاية وصلت.

 

انخفض رأسه.

 

وقال بصوت مكسور:

 

“ماكنتش ناوي أوصلها للموت.”

 

صرخت فيه:

 

“لكنها ماتت!”

 

بدأ يبكي.

 

وقال:

 

“كانت عرفت كل حاجة.”

 

“كانت هتدمرني.”

 

“كل اللي بنيته كان هيضيع.”

 

لكن أحدًا لم يعد يهتم بأعذاره.

 

بعد دقائق وصلت الشرطة.

 

ومع الأدلة الموجودة في الصندوق.

 

ورسالة الدكتور فؤاد.

 

والتحويلات المالية.

 

وتسجيلات المراقبة.

 

انتهى كل شيء.

 

اقتادوا كمال مكبلًا.

 

وللمرة الأولى منذ سنوات…

 

شعرت أن روح سلمى ربما بدأت تجد السلام.

 

—

 

مرت الشهور.

 

ثم سنة كاملة.

 

تغيرت أمور كثيرة.

 

عاد سامي إلى حياتنا.

 

واستعاد علاقته بالعائلة.

 

أما ليلى فاختارت أن تبدأ من جديد بعيدًا عن أخطاء والدها.

 

وأحمد…

 

دخل علاجًا نفسيًا طويلًا.

 

كان يحمل ذنبًا كبيرًا لأنه لم ير معاناة ابنته الصغيرة مبكرًا.

 

لكنه حاول إصلاح ما يستطيع إصلاحه.

 

أما ريم…

 

فكانت المفاجأة الأكبر.

 

خلال التحقيقات ثبت أنها لم تشارك في الجريمة.

 

وأن خوفها وتصرفاتها الخاطئة كانت نتيجة غيرتها وحماقتها فقط.

 

اعترفت بكل أخطائها أمام مريم.

 

وطلبت منها السماح.

 

ولم يحدث ذلك بسرعة.

 

استغرق وقتًا طويلًا.

 

لكنها تعلمت أخيرًا أن الحب لا يُبنى على محو ذكرى من رحلوا.

 

بل على احترامها.

 

—

 

وفي صباح ربيعي هادئ…

 

كنت أجلس في حديقة المنزل.

 

أشرب الشاي.

 

وأراقب مريم تلعب.

 

كانت في السابعة من عمرها الآن.

 

تركض وتضحك.

 

والدبدوب الوردي ما زال معها.

 

لكن هذه المرة…

 

لم تكن تهمس له.

 

بل كانت تتكلم بصوت عالٍ.

 

وتضحك.

 

وتغني.

 

وتعيش طفولتها كما يجب.

 

ثم ركضت نحوي.

 

وجلست في حضني.

 

وقالت:

 

“تيتا؟”

 

ابتسمت.

 

“نعم يا قلب تيتا؟”

 

رفعت رأسها إلى السماء.

 

حيث كانت الشمس تشرق بين السحب.

 

ثم قالت:

 

“أنا فاكرة ماما.”

 

شعرت بالدموع تملأ عيني.

 

لكنها أكملت بابتسامة صغيرة:

 

“بس مبقتش زعلانة.”

 

احتضنتها بقوة.

 

ونظرت إلى السماء أنا الأخرى.

 

وفي تلك اللحظة…

 

شعرت وكأن سلمى تبتسم لنا من مكان بعيد.

 

بعد سنوات من الخوف والأسرار والوجع…

 

ظهرت الحقيقة أخيرًا.

 

وعادت الطفلة الصغيرة للكلام.

 

وعادت العائلة للحياة.

 

أما الدبدوب الوردي…

 

فبقي على الرف في غرفة مريم.

 

ليس كذكرى للخوف.

 

بل كذكرى للشجاعة.

 

لأن طفلة صغيرة لم تستطع الكلام…

 

وجدت طريقة أخرى لتقول الحقيقة.

 

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *