ربيت ابن جوزي روماني مكرم 2

ربّيت ابن جوزي

### الجزء الرابع: استعادة الهوية

في التاكسي، كان الصمت أتقل من الجبال. يوسف ساند راسه على الشباك، وأنا باصة للفراغ، بحاول أجمع شتات نفسي. فجأة، يوسف قطع الصمت وقال بصوت واطي: “هنروح فين يا ماما؟”

كلمة “ماما” كانت زي الكهرباء اللي مشيت في جسمي، لأول مرة بتطلع منه وهو عارف إنها حقي وحقه. قلت له بثبات: “هنروح عند الشخص الوحيد اللي كان دايمًا بيحسسني إن فيه حاجة غلط.. الدكتورة ياسمين.”

لما وصلنا المستشفى، الدكتورة ياسمين استقبلتنا بذهول، وحكيت لها كل حاجة. بصت لي بشفقة وقالت: “أنا شكيت لما لقيت التوافق الجيني مش بس عالي، ده تطابق كامل في فصائل نادرة وتفاصيل وراثية مستحيل تكون لمرات أب.. بس مكنتش أتخيل إن القصة بالبشاعة دي.”

ياسمين ساعدتني أتواصل مع محامي شاطر، وبدأنا نتحرك. بس الصدمة الحقيقية كانت لما المحامي طلب “شهادة ميلاد” يوسف الأصلية وسجله الطبي من 16 سنة.

* “يا مدام ريم.. إحنا محتاجين نثبت إن سارة شريف هي ريم الجندي، وده محتاج ورق رسمي من المستشفى اللي حصلت فيها الحادثة.”

في الوقت ده، هشام ما سكتش. بدأ يبعت رسايل تهديد، وبعدها رسايل توسل، وبعدين بعت حماتي. مدام سهير جت لحد المستشفى، بس المرة دي كانت مكسورة، أو بتدعي الكسرة.

* “يا ريم.. ابوس إيدك بلاش فضايح. هشام ممكن يروح فيها، وإحنا عملنا كل ده عشان يوسف يتربى في عيلة مستقرة.. إنتِ كنتِ تعبانة ومسؤولة عن حادثة كانت هتموته!”

بصيت لها بسخرية: “كنت تعبانة ولا تعبتوني؟ كنت مسؤولة عن حادثة ولا هشام هو اللي كان سايق؟”

فجأة، فلاش باك سريع خبط في دماغي.. صوت فرامل.. صراخ.. وهشام وهو بيشدني من الكرسي اللي جنبه ويحطني ورا الدريكسيون قبل ما يغمى عليا.

* “إنتوا اللي عملتوا الحادثة يا سهير.. هشام هو اللي كان سايق وهو سكران، ولبستوني التهمة عشان تذلوني وتكسروا عيني طول العمر!”

سهير وشها اصفر، وحاولت تهرب من عيني، بس يوسف كان واقف وراها وسامع كل حرف. قرب منها وقال لها بكل غضب: “يعني كمان كنتوا بتكدبوا في الحادثة؟ إنتوا مش بني آدمين!”

يوسف بص لي وقال: “ماما، أنا مش هستنى المحاكم.. أنا هعرف العالم كله هما عملوا فينا إيه.”

يوسف طلع موبايله، وصور فيديو لايف. كان بيتكلم فيه بحرقة عن السنين اللي عاشها مخدوع، وعن “مرات الأب” اللي طلعت أمه، وعن عيلة “الجندي” اللي زورت ورق رسمي عشان تسرق حياة ست غلبانة.

الفيديو انتشر زي النار في الهشيم، والناس كلها بدأت تتكلم عن قضية “ريم ويوسف”.

تليفون هشام مكنش بيبطل رن من الصحافة والمباحث اللي بدأت تحقق في بلاغ التزوير. بس هشام عمل حاجة محدش توقعها..

بعت لي رسالة واحدة: “لو ملمتيش الدور يا ريم، هكشف السر اللي حتى إنتِ متعرفهوش عن أهلك الحقيقيين.. السر اللي يخليكي تتمني لو كنتِ فضلتي ‘سارة شريف’ طول عمرك.”

#الكاتب_روماني_مكرم

 

### الجزء الخامس: أوراق الماضي المحروقة

رسالة هشام كانت زي السم اللي بيجري في عروقي. “أهلك الحقيقيين”؟ أنا طول عمري عشت بوجع إني بنت ملجأ مجهولة النسب، وده كان السلاح اللي حماتي بتذلني بيه كل يوم.. إنهم “انتشلوني” من الضياع.

يوسف شافني وأنا برتعش والرسالة في إيدي. خد الموبايل وقرأها، وعينه اسودت من الغضب: “ده لسه بيلعب بينا يا ماما.. هو فاكر إننا لسه بنخاف منه؟”

* “يوسف، هشام جبان بس مش كداب في دي.. هو عارف عني حاجة أنا نفسي معرفهاش. أنا لازم أواجهه.”

المحامي حذرني، بس مكنش قدامي حل تاني. روحت البيت، بيت “الجندي” اللي عشت فيه 16 سنة غريبة. دخلت ولقيت البيت ضلمة، وهشام قاعد في وسط الصالة، والزاز مكسر في كل حتة، وشكله كان يوحي بانهيار كامل.

* “السر فين يا هشام؟” صرخت فيه وأنا واقفة بعيد عنه.

رفع راسه، ضحكته كانت مكسورة ومخيفة: “عارفة يا ريم.. أنا فعلاً حبيتك، بس حبيتك وإنتِ ‘سارة’.. البنت اللي ملهاش حد غيري. خفت لو عرفتي حقيقتك تسبيني وتمشي.. خفت ترجعي لورا وتكتشفي إنك مش بنت ملجأ ولا حاجة.”

وقف وقرب مني وهو بيطلع ورق قديم، اصفر من الركنة: “أمي لما شافت صورك زمان مع أهلك، عرفت إنك مش من مستوانا.. إنتِ كنتِ من عيلة ‘الشريف’.. عيلة غنية جدًا في الصعيد، وكان فيه تار قديم بين أبوكي وبين ناس تانية. أهلك اتقتلوا في حادثة مدبرة وإنتِ الوحيدة اللي هربتي، والمربية بتاعتك خبتك في الملجأ باسم مستعار عشان تحميكي.”

فتحت الورق.. صور صغيرة لست تشبهني بالمللي، راجل ملامحه حادة وجميلة، وطفلة صغيرة في حضنهم.

* “أمي عرفت الحقيقة دي من زمان، وبدل ما تساعدك ترجعي حقك، خافت إن أعداء أهلك يوصلوا لنا.. فقررت تمحي هويتك تمامًا. الحادثة اللي حصلت من 16 سنة كانت فرصة ذهبية.. هشام الجندي مش بس زور اسمك، ده دفن ‘وريثة عيلة الشريف’ وعيشها خدامة عنده!”

في اللحظة دي، دخلت مدام سهير وهي بتنهج: “إنت بتقول إيه يا غبي؟ إنت بتبوظ كل حاجة!”

بصيت لها بنظرة خلتها تترعب: “كنتوا خايفين عليا؟ ولا كنتوا خايفين من الفلوس والحق اللي ممكن يرجع لي؟ إنتوا مش بس سرقتوا ابني وعمري، إنتوا سرقتوا أصلي وفصلي!”

يوسف كان واقف ورايا، مسك الورق وبص لجدته وقال لها بكل حسم: “الفيديو اللي عملته الصبح كان البداية بس.. دلوقتي الموضوع مابقاش تزوير ورق، ده بقى خطف وتستر وجرايم تانية كتير.”

فجأة، سمعنا صوت سرينة بوليس قدام البيت. المحامي كان بلغ عن واقعة احتجاز وتزوير، ومعاهم أمر تفتيش.

هشام وقع على الأرض وهو بيعيط، وسهير حاولت تخبي الورق في صدرها، بس يوسف شده منها بقوة.

الظابط دخل، وبص للمنظر.. بص لهشام المنهار، ولريم اللي واقفة زي الملكة المستردة لعرشها، وليوسف اللي حامي ضهر أمه.

* “يا فندم، أنا ريم الشريف.. والناس دي سرقت حياتي لمدة 20 سنة.”

واحنا خارجين من البيت والكلبشات في إيد هشام، بصيت للسما وخدت نفس طويل.. لأول مرة بحس إن الهوا نظيف. بس وسط الزحمة، شفت راجل غريب واقف بعيد، لابس لبس صعيدي وقور، وعينه كانت مركزة عليا بذهول.. وكأنه شاف شبح لسه راجع للحياة.

#الكاتب_روماني_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *