خلف القضبان حكايات اسما الفصل الثاني

مرّت ستة أشهر منذ صدور الحكم…
وكنت أظن أن كل شيء انتهى.
لكن النهايات الحقيقية لا تأتي دفعة واحدة…
بل تتسلل ببطء، مثل سكين بارد تحت الباب.
انتقلت إلى شقة صغيرة مطلة على النيل بعيدًا عن القصور والزجاج اللامع والحفلات التي كان ظافر يعشقها.
لم أعد أحتمل الأماكن الفاخرة… لأنها تذكرني بعدد الأكاذيب التي يمكن أن تختبئ خلف الرخام.
كنت أستيقظ مبكرًا كل يوم.
أعد قهوتي بنفسي.
أقرأ بصمت.
وأتعلم كيف أعيش دون خوف من صوت مفتاح يدور خلف الباب.
الغريب أن الحرية احتاجت وقتًا حتى أصدقها.
في بعض الليالي كنت أستيقظ مذعورة لأنني ظننت أنني ما زلت في الزنزانة.
أتحسس الجدران حولي بسرعة… ثم أتذكر أن الباب غير مغلق.
وأنني خرجت أخيرًا.
لكن أكثر ما فاجأني… كان الوحدة.
حين تسقط فضيحة كبيرة، يقترب الجميع منك.
صحافة.
أصدقاء قدامى.
أقارب اختفوا سنوات ثم عادوا فجأة وكأنهم كانوا يصلّون لأجلك طوال الوقت.
أما أنا… فكنت أريد الصمت فقط.
حتى جاء ذلك المساء.
كنت عائدة من اجتماع مع المحامين حين لاحظت سيارة سوداء تتبعني منذ ثلاثة شوارع.
تسارعت نبضاتي فورًا.
السجن يعلمك مراقبة التفاصيل الصغيرة…
السيارات البطيئة.
الوجوه المختفية.
الخطوات المتكررة خلفك.
أبطأت سرعتي قليلًا.
فعلت السيارة الشيء نفسه.
توقفت أمام متجر صغير مضاء… فتوقفت خلفي مباشرة.
شعرت بالبرد يسري داخل عظامي.
ثم فُتح الباب.
وترجل رجل طويل بمعطف رمادي.
لثوانٍ… ظننت أنه ظافر.
لكن ظافر كان في السجن.
اقترب الرجل ببطء رافعًا يديه قليلًا حتى لا أخاف.
“الأستاذة لينا؟”
لم أجب.
قال بهدوء:
“اسمي كريم… وأنا محامي السيد فريد الكيلاني.”
تجمّدت مكاني.
فريد الكيلاني.
والد ظافر.
الرجل الذي لم يقابلني سوى مرتين طوال زواجي… لكنه كان يملك نفوذًا يكفي لجعل الوزراء يقفون احترامًا حين يدخل غرفة.
قلت ببرود:
“ليس لدي شيء أقوله لعائلة زوجي.”
تنهد كريم.
“هو لا يريد المشاكل… فقط يريد مقابلتك.”
ضحكت بسخرية قصيرة.
“بعد أن دمر ابنه حياتي؟”
خفض صوته:
“هناك أمور لا تعرفينها.”
كرهت تلك الجملة.
كل مصيبة في حياتي بدأت دائمًا بعبارة:
“هناك شيء لا تعرفينه.”
لكن الفضول أخطر من الكراهية أحيانًا.
وفي النهاية… وافقت.
في الليلة التالية دخلت قصر الكيلاني لأول مرة منذ سنوات.
كان المكان كما أتذكره… ضخمًا، باردًا، صامتًا بشكل مخيف.
الثروة القديمة لها رائحة مختلفة… ليست فخامة، بل سيطرة.
قادني الخادم إلى المكتب الداخلي.
وهناك وجدته.
فريد الكيلاني.
شعره الأبيض مرتب بعناية، ووجهه يحمل القسوة نفسها التي رأيتها دائمًا في ظافر… لكن بنسخة أهدأ وأكثر ذكاءً.
لم يقف ليستقبلني.
فقط أشار إلى الكرسي المقابل.
“اجلسي.”
جلست دون كلمة.
تأملني طويلًا قبل أن يقول:
“أنتِ تشبهين أمك.”
ارتبكت للحظة.
“كنت تعرفها؟”
أومأ ببطء.
“أكثر مما تتخيلين.”
شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخلي.
قال وهو يفتح درج مكتبه:
“ظافر ارتكب حماقات كثيرة… لكنه لم يخبرك بالحقيقة أبدًا.”
أخرج ملفًا قديماً ووضعه أمامي.
فتحت الصفحة الأولى… فتوقفت أنفاسي.
اسم أمي.
ثم اسم فريد.
ثم عقود شراكة قديمة تعود لثلاثين عامًا.
رفعت رأسي ببطء.
قال بهدوء:
“والدتك كانت شريكتي الأولى… وليس والد ظافر.”
لم أفهم.
أكمل:
“الشركة التي يملكها ظافر الآن… بدأت بأموال أمك.”
شعرت بدوار مفاجئ.
أمي ماتت وأنا صغيرة.
كل ما كنت أعرفه أنها تركت لي ميراثًا استخدمته لاحقًا لمساعدة ظافر في تأسيس أعماله.
لكن هذا… كان شيئًا مختلفًا.
قال فريد:
“أمك أنقذتني من الإفلاس يومًا… وبعد وفاتها وعدت نفسي أن تبقى حصتها محفوظة.”
حدقت فيه بصدمة.
“لكن ظافر سرقها.”
أغمض عينيه للحظة وكأنه يعترف بخطيئة قديمة.
“ظافر يشبهني كثيرًا… إلا أنه بلا حدود.”
ساد الصمت بيننا.
ثم قال فجأة:
“هناك شيء آخر.”
دفَع نحوي صورة قديمة باهتة.
كنت فيها طفلة صغيرة… أقف بجانب أمي… وبجانبنا فريد.
قال بصوت خافت:
“أنتِ كنتِ مثل ابنتي يومًا.”
كرهت الألم الذي شعرت به وقتها.
لأن جزءًا مني صدقه.
سألته بحدة:
“وماذا تريد الآن؟”
أجاب مباشرة:
“أريد إنهاء هذه الحرب.”
ضحكت بمرارة.
“ابنك بدأها.”
“وأنتِ قادرة على إنهائها.”
اقترب قليلًا للأمام.
“ظافر ينهار في السجن.”
لم أشعر بالشفقة.
ولا حتى بالقليل منها.
قال:
“لقد حاول إيذاء نفسه مرتين.”
تجمدت عيناي عليه.
أكمل بصوت منخفض:
“هو يرفض الطعام… ويرفض مقابلة أي أحد.”
همست دون تفكير:
“هذا ليس ذنبي.”
رد بهدوء:
“أعرف.”
لكن نظرته قالت شيئًا آخر… شيئًا يشبه الرجاء.
غادرت القصر تلك الليلة وأنا أشعر بأن الماضي كله انفتح تحت قدمي.
وفي الصباح… وصلتني رسالة من رقم مجهول جديد.
“أعرف أين تسكنين الآن.”
توقفت أنفاسي.
ثم رسالة ثانية:
“لو مات ظافر… لن تنتهي القصة.”
أرسلت الرقم فورًا إلى هناء.
وبعد ساعات اتصلت بي بصوت متوتر:
“الرسائل خرجت من هاتف مدفوع غير مسجل… لكن هناك شيء أسوأ.”
“ماذا؟”
سكتت لثوانٍ قبل أن تقول:
“هناك تحويلات مالية كبيرة خرجت من حسابات ظافر قبل سجنه… واختفت.”
شعرت بقلبي ينقبض.
“كم المبلغ؟”
“أكثر من خمسين مليون.”
أغلقت الهاتف ببطء.
ظافر لم يكن مجرد رجل خائن…
بل رجل خطط دائمًا لشيء أكبر.
وفي تلك الليلة… اقتحموا شقتي.
استيقظت على صوت الزجاج يتحطم.
قفزت من السرير فورًا بينما دخل رجلان ملثمان.
صرخ أحدهما:
“أين الملفات؟!”
ركضت نحو المطبخ وأمسكت أول شيء وصلت إليه يدي… سكين.
لم أعد المرأة التي ترتجف.
وحين أمسك أحدهما بذراعي… غرست السكين في كتفه دون تردد.
صرخ بقوة بينما دفعت الآخر بكل ما أملك وركضت نحو الباب.
لكن قبل أن أصل…
دوى صوت إطلاق نار.
ثم صمت.
استدرت ببطء.
كان الرجلان على الأرض.
وخلفهما وقف كريم… يحمل مسدسًا بوجه جامد.
تجمدت مكاني بالكامل.
اقترب بسرعة.
“أنتِ بخير؟”
لم أستطع الرد.
الدم كان ينتشر فوق أرضية شقتي… وصوت أنفاسي وحده يملأ المكان.
قال كريم بحدة:
“اسمعيني… لم يعد الأمر متعلقًا بظافر فقط.”
رفعت عيني نحوه.
“هناك أشخاص يخافون مما قد تعرفينه.”
“من؟”
أجاب أخيرًا:
“شركاء والده.”
في اليوم التالي… اكتشفت الحقيقة كاملة.
شركة الكيلاني لم تكن مجرد إمبراطورية تجارية.
كانت واجهة لغسيل أموال وصفقات غير قانونية تمتد لسنوات.
وظافر… كان يحاول التخلص مني لأنني بدأت أقترب دون قصد من الحسابات الحقيقية.
شعرت بالغثيان.
كل شيء… كل شيء كان أكبر مني منذ البداية.
حتى زواجي نفسه.
قالت هناء وهي تقلب الملفات:
“لو خرجت هذه الوثائق للإعلام… سيسقط نصف رجال الأعمال المرتبطين بهم.”
سألتها:
“ولماذا يساعدنا فريد إذًا؟”
أجابت بهدوء:
“لأنه يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.”
لكنني لم أثق به تمامًا.
الرجال الأقوياء لا يتحولون فجأة إلى طيبين… هم فقط يختارون الطرف الذي يخدمهم.
ومع ذلك… احتجنا إليه.
خلال الأسابيع التالية بدأ التحقيق يتوسع بشكل مرعب.
اعتقالات.
مداهمات.
حسابات مجمدة.
سياسيون يختفون فجأة من الشاشات.
أما أنا… فأصبحت هدفًا حيًا.
انتقلت من شقة لأخرى تحت حماية مؤقتة.
ولأول مرة منذ خروجي… عاد الخوف الحقيقي.
في إحدى الليالي، بينما كنت أجلس وحدي داخل منزل آمن صغير، رن هاتفي.
رقم السجن.
ترددت… ثم أجبت.
وجاءني صوته.
ظافر.
صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
“اشتقت إليكِ.”
أغلقت عيني بقوة.
يا للهول… حتى الآن يعرف كيف يربك قلبي رغم كل شيء.
قلت ببرود:
“ماذا تريد؟”
ضحك ضحكة مكسورة لم أعرفها فيه من قبل.
“هل تصدقين أنني لا أنام؟”
لم أرد.
قال:
“كل ليلة أراكِ واقفة خلف الزجاج.”
همست:
“هذه مشكلتك.”
لكن صوته انخفض أكثر:
“هم سيق*تلونك يا لينا.”
تجمّدت.
“من؟”
“الناس الذين كنت أعمل معهم.”
سكت قليلًا ثم قال:
“أنا كنت أحميك بطريقتي.”
ضحكت بغضب.
“أرسلتني إلى السجن!”
صرخ فجأة:
“لأنهم أرادوا ق*تلك!”
ساد الصمت.
حتى أنفاسي توقفت.
أكمل بصوت مرتجف:
“عندما بدأتِ تدققين بالحسابات… عرفوا أنكِ لاحظتِ التحويلات.”
شعرت بالأرض تميد تحتي.
قال:
“لو طلقتكِ فقط… كنتِ ستبقين قريبة من الشركة… قريبة منهم.”
“فلفقت لي جريمة؟!”
“كنت أعرف أن السجن سيحميك أكثر من الخارج.”
كدت أصرخ من شدة الغضب.
أي منطق مريض هذا؟!
لكنه أكمل بسرعة:
“لم أتوقع أن يطول الأمر… كنت سأخرجك بعد أشهر.”
ضحكت بمرارة موجعة.
“لكن راندا استمتعت بالدور… وأنت استمتعت بعقابي.”
سكت.
وهذا كان اعترافًا كافيًا.
ثم قال أخيرًا:
“أنا أخطأت… لكني أحببتك فعلًا.”
دمعة ساخنة نزلت رغمًا عني.
كرهت نفسي عليها.
قلت بصوت مكسور:
“الحب لا يفعل هذا.”
جاءني صوته هادئًا متعبًا:
“أعرف… بعد فوات الأوان.”
وانقطع الاتصال.
بقيت جالسة وحدي وقتًا طويلًا أحدق بالفراغ.
هل كان يكذب؟
هل كان يقول الحقيقة؟
وهل يهم أصلًا؟
أحيانًا أسوأ الرجال يحبون فعلًا… لكن حبهم يكون سامًا بما يكفي لتدمير كل شيء حوله.
بعد ثلاثة أيام… حدثت الكارثة.
تم اغتيال فريد الكيلاني.
رصاصة واحدة أثناء خروجه من سيارته أمام شركته القديمة.
والمدينة انفجرت بالفوضى بعدها.
الصحافة.
الشرطة.
الأسهم المنهارة.
والأسماء التي بدأت تتسرب تباعًا.
أما أنا… فعرفت فورًا ما يعنيه ذلك.
الحماية انتهت.
وفي منتصف الليل جاء كريم إلى المنزل الآمن بوجه شاحب.
قال دون مقدمات:
“يجب أن تختفي الليلة.”
“ماذا؟”
“هناك أمر بق*تلك.”
شعرت بالبرد يض*رب أطرافي.
أعطاني جواز سفر جديدًا وحقيبة صغيرة.
“سيارة بانتظارك بالخلف.”
سألته بسرعة:
“وأنت؟”
ابتسم بتعب.
“سأبقى لأعطلهم.”
أمسكت ذراعه دون شعور.
“كريم…”
نظر إليّ للحظة طويلة ثم قال بهدوء:
“أمك أنقذت عائلة كاملة يومًا… اعتبري هذا دينًا قديمًا.”
ثم دفعني نحو الباب الخلفي.
ركبت السيارة بينما المطر يهطل بغزارة من جديد.
دائمًا المطر…
وكأن حياتي لا تعرف لحظات التحول إلا تحته.
تحركت السيارة بسرعة عبر الطرق المظلمة.
لكن بعد عشر دقائق…
ظهرت خلفنا سيارتان.
ثم بدأت المطاردة.
صرخ السائق:
“تمسكي جيدًا!”
تسارعت نبضاتي بعنف بينما انطلقت الطلقات خلفنا.
الزجاج الخلفي تحطم.
انحنت رأسي تلقائيًا وأنا أتنفس بصعوبة.
ثم فجأة…
ظهرت سيارات الشرطة من الجهة الأخرى.
توقفت السيارات المطاردة بعنف قبل أن تنعطف وتهرب.
كل شيء حدث خلال ثوانٍ.
لكنني خرجت من السيارة وأنا أرتجف بالكامل.
اقترب ضابط نحوي.
“أنتِ آمنة الآن.”
لكنني لم أعد أعرف معنى الأمان أصلًا.
بعد أشهر طويلة من التحقيقات والمحاكمات… انتهت القضية أخيرًا.
سقطت أسماء كبيرة.
واختفى آخرون للأبد.
أما ظافر…
فقد مات داخل السجن قبل محاكمته الثانية بأيام.
قالوا إنها أزمة قلبية.
لكن لا أحد عرف الحقيقة أبدًا.
حين وصلني الخبر… لم أبكِ.
جلست فقط قرب النافذة وقت الغروب أحدق في النيل بصمت طويل جدًا.
ثم أدركت شيئًا غريبًا…
الرجل الذي دمّر حياتي… كان أيضًا الرجل الذي أحببته أكثر من أي أحد.
وتلك الحقيقة كانت أقسى من الكراهية نفسها.
بعد سنة كاملة… غادرت مصر لفترة قصيرة.
سافرت كثيرًا.
تعلمت كيف أعيش وحدي.
كيف أضحك دون خوف.
وكيف أنام دون كوابيس أحيانًا.
ثم عدت أخيرًا.
وفي صباح هادئ… وقفت أمام قبر أمي للمرة الأولى منذ سنوات.
وضعت الزهور وجلست قربه بصمت.
ثم همست:
“انتهى الأمر يا أمي.”
حرك الهواء أطراف معطفي برفق.
ولأول مرة منذ زمن طويل… شعرت أن قلبي خفيف.
رن هاتفي.
رسالة من هناء:
“لدينا عرض جديد لشراكة باسمك… يبدو أنك أصبحتِ سيدة أعمال مخيفة.”
ابتسمت وحدي.
ثم نظرت إلى السماء.
الحياة لم تعد كما كانت.
وأنا أيضًا.
لكن ربما… هذا ليس دائمًا شيئًا سيئًا.
وقفت أخيرًا وغادرت المقبرة بخطوات هادئة.
لا أهرب.
لا أنتقم.
لا أبحث خلفي.
فبعض القصص لا تنتهي بالحب…
بل بالنجاة.
وقصتي…
كانت واحدة منها.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *