حماتي السـ,ـابقة اسما السيد

حماتي السابقة، نجلاء، عملت تحليل DNA لبنتي الصغيرة “ليان” اللي عندها 6 سنين… من ورا ضهري تمامًا.
أخدت عينة DNA من أخويا “أحمد” علشان تعمل التحليل، ولما النتيجة طلعت إن مافيش أي صلة قرابة بينهم، اقتنـ,ـعت فورًا إن ده معناه إن “ليان” مش بنتي أصلًا.
جت لعندي وهي ماسكة الورق وبتلوّح بيه قدام وشي بعصبية.
—دي مش بنتك يا دينا! إنتِ قاعدة تربّي بنت عـ,ـلاقة محـ,ـرّمة لواحدة ميتة!
وقالت الجملة دي قدام بنتي الصغيرة… اللي كانت واقفة ماسكة لعبتها ومش فاهمة ليه الكبار بيزعقوا.
بصّيت لها وأنا مستنية عقلي يستوعب الهبل اللي سمعته.
ولما استوعبت فعلًا…
انفجرت في الضحك.
ضحكت لدرجة إن بطني وجعتني.
وش نجلاء قلب أحمر من الغيظ، وقالت وهي بتصرخ: —إيه اللي يضحك في الكلام ده؟!
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
نجلاء فضلت تبصلي بذهول وهي شايفة ضحكي بيزيد بدل ما أنهار أو أعيط زي ما كانت متوقعة، وده جنّنها أكتر. كانت واقفة في نص الصالة ماسكة ورق التحليل بإيد مرتعشة، وعينيها مليانة انتصار رخيص، كأنها أخيرًا مسكت عليّا فضيحة هتهد الدنيا فوق دماغي. أما “ليان”، فكانت واقفة جنب الكنبة، حاضنة لعبتها الصغيرة، وعينيها الواسعة بتتنقل بيني وبين جدتها السابقة بخوف وتوتر، من غير ما تفهم ليه صوت الكبار عالي بالشكل ده.
حاولت أهدّى نفسي من الضحك بالعافية، ومسحت دموعي بإيدي، وبعدين بصّيت لنجلاء وقلت بهدوء: —يعني إنتِ عملتي تحليل DNA بين بنتي وبين أخويا أحمد… ولما النتيجة طلعت مفيش قرابة، استنتجتي إن ليان مش بنتي؟
هزّت راسها بعنف وقالت: —أيوه! لأن لو كانت بنتك فعلًا كان لازم يبقى فيه تطابق عائلي! فاكرة إني غبية؟
رجعت أضحك تاني، بس المرة دي ليان بدأت تقلق فعلًا، فقربت منها بسرعة وشلتها في حضني وأنا ببوس راسها. —متخافيش يا حبيبتي… مفيش حاجة.
لكن نجلاء ما سكتتش، بالعكس، بدأت صوتها يعلى أكتر. —إنتِ فاكرة إن الضحك هيغطي على فضيحتك؟! ابني مات وهو فاكر نفسه أبو البنت دي! ست سنين وهو بيصرف عليها ويحبها وفي الآخر تطلع مش من دمه!
أول ما جابت سيرة “كريم” قلبي وجعني للحظة. جوزي الله يرحمه مات من سنتين في حادثة عربية، وساب فراغ عمره ما اتسد. كريم كان أهدى إنسان عرفته في حياتي، وكان بيعشق ليان بشكل يخلي أي حد يشوفهم يحلف إنها قطعة منه فعلًا. عمره ما شك فيها ولا مرة، ولا حتى لمح بدهشة من اختلاف لون عينيها أو شعرها. كان بيقول دايمًا: “البنت دي شبهي في الروح… وده يكفي.”
لكن أمه كانت طول عمرها عندها هوس غريب بالدم والنسب. حتى بعد وفاته، فضلت تحاول تدوّر على أي حاجة تثبت إني خنته. يمكن لأنها عمرها ما حبتني أصلًا.
بصّيت لها ببرود وقلت: —إنتِ عندك فكرة أصلًا تحليل الـDNA بيشتغل إزاي؟
اتلخبطت للحظة، بس قالت بعناد: —آه طبعًا! ولو البنت بنتك فعلًا كانت هتطلع قريبة من أخوكي.
أخدت نفس طويل، وبعدين قلت الجملة اللي قلبت وشها: —ليان متبنّية يا نجلاء.
الصمت نزل على المكان فجأة.
حتى ليان نفسها بصّتلي باستغراب، لأنها كانت صغيرة جدًا لما دخلت حياتنا، ولسه ماكناش حكينا لها القصة كاملة.
وش نجلاء فقد لونه تمامًا. —إيه…؟
—أيوه. ليان مش بنتي البيولوجية أصلًا. أنا وكريم تبنيناها وهي عندها شهرين.
الورق وقع من إيدها على الأرض.
فضلت فاتحة بوقها كأن عقلها رافض يستوعب اللي سمعته. وأنا لأول مرة من وقت طويل حسّيت براحة غريبة. السر اللي خبيناه سنين طويلة خرج أخيرًا، لكن بالطريقة الأكثر جنونًا.
قعدت على الكنبة وأنا حاضنة ليان، وبدأت أتكلم بهدوء: —فاكرة لما الدكتور قال إني مستحيل أخلف؟ فاكرة إني دخلت في اكتئاب وقتها؟ كريم كان شايفني بموت بالبطيء. وفي يوم، أخدني دار رعاية أطفال وقال لي: “يمكن ربنا مخبّي لنا بنت مستنيانا هناك.”
ابتديت دموعي تنزل وأنا بافتكر اليوم ده.
كان فيه أطفال كتير، أصوات عياط، ممرضات رايحة جاية… لكن وسط كل ده كانت فيه طفلة صغيرة جدًا نايمة بهدوء غريب. أول ما شلتها، فتحت عينيها وبصّتلي، وحسّيت بحاجة اتزرعت جوا قلبي فورًا.
كريم وقتها ضحك وقال: “اهي دي… بنتنا.”
ومن يومها، بقت ليان بنتنا فعلًا. بالحب، بالتربية، بالسهر، بالخوف عليها، بكل تفصيلة صغيرة عشناها معاها.
لكن نجلاء كانت رافضة التبني تمامًا.
قالت وقتها: “مش هجيبوا عيل من الشارع يدخل اسم العيلة!”
وكريم وقتها وقف قدامها لأول مرة في حياته وقال: “لو أمي مش هتحب بنتي… يبقى متدخلش حياتنا.”
ومن يومها علاقتهم اتكسرت.
بعد موت كريم، حاولت نجلاء ترجع لحياتنا بحجة إنها جدة ليان، لكني كنت شايفة نظراتها الباردة للبنت. كانت دايمًا تعاملها كأنها دخيلة. وأنا كنت مستحملة علشان ليان يبقى عندها إحساس بالعيلة.
لكن اللي عملته النهارده كان آخر خط.
نجلاء أخدت نفس سريع وقالت: —يعني… يعني ابني كان عارف؟
ضحكت بسخرية: —ده كان أكتر واحد بيحبها في الدنيا.
بدأت تتراجع لورا كأن الأرض بتتهز تحتها. —ليه محدش قالّي؟
—لأن ده ماكانش يخصك.
وفجأة، ليان شدّت في هدومي بصوت خافت: —ماما… يعني إيه متبنّية؟
قلبي اتقبض.
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي، لكن ماكنتش متخيلة ييجي بالطريقة القاسية دي.
بصّيت في عينيها الصغيرة وقلت بهدوء: —يعني ربنا اختارك لينا مخصوص يا حبيبتي. يعني إحنا حبيناك واخترناك من بين كل الأطفال في الدنيا.
سكتت شوية، وبعدين سألت: —يعني إنتِ مش ماما؟
حضنتها بسرعة لدرجة إنها ضحكت من قوة الحضن. —أنا مامتك بكل حاجة مهمة في الدنيا.
ليان فضلت تبصلي كام ثانية، وبعدها قالت بمنتهى البراءة: —طب خلاص.
أما نجلاء، فكانت واقفة تبص للمشهد وعينيها مليانة صدمة، كأنها مش قادرة تفهم إزاي طفلة صغيرة استوعبت اللي هي نفسها فشلت تستوعبه طول عمرها.
لكن بدل ما تعتذر… قالت بحدة: —يعني إنتِ خدعتوا الناس كلها!
هنا فعلًا فقدت أعصابي.
قومت وقفت وأنا ببص لها بغضـ,ـب لأول مرة من سنين. —الخداع الحقيقي إن واحدة كبيرة تسرق DNA طفلة صغيرة من غير إذن أمها. الخداع الحقيقي إنك توقفي طفلة عندها ست سنين وتصرخي في وشها إنها “بنت حرام”.
نجلاء حاولت تتكلم، لكني كملت: —إنتِ متخيلة الضرر اللي ممكن يفضل جواها بسبب كلمة زي دي؟
ليان بدأت تحضني أقوى، فعرفت إنها فهمت إن الكلام كان وحش حتى لو مش فاهمة معناه.
قلت بهدوء مرعب: —اطلعي برا.
شهقت: —إيه؟
—برا بيتي. وحسابنا هيبقى عند المحامي.
وشها اتشد. —إنتِ هتهدديني؟
—لا. أنا بحمي بنتي.
ولأول مرة، شفت خوف حقيقي في عينيها.
يمكن لأنها أدركت إن كريم مش موجود يحاول يصلّح الأمور بيننا. وإن الست الهادية اللي كانت بتسكت احترامًا لجوزها… اختفت.
نجلاء خرجت وهي مرتبكة، لكن قبل ما تقفل الباب قالت: —البنت دي عمرها ما هتبقى من دمنا.
بصّيت لها بثبات وقلت: —بس أنا وكريم كنا عيلتها الحقيقية… وده أهم من الدم بمراحل.
وقفلت الباب في وشها.
أول ما الباب اتقفل، ليان بدأت تعيط أخيرًا. يمكن من التوتر، يمكن من الخوف، يمكن لأنها حست إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
شلتها ودخلت أوضتها، وقعدت معاها على السرير. —عايزة أحكيلك حكاية؟
هزّت راسها وهي بتمسح دموعها.
ابتديت أحكي لها عن أميرة صغيرة اتولدت لوحدها، وربنا بعت لها بابا وماما كانوا بيدوروا عليها طول عمرهم من غير ما يعرفوا. وكل ما كنت أوصف قد إيه الأميرة دي كانت محبوبة، كانت عيون ليان تلمع أكتر.
وفي نص الحكاية سألتني: —والبابا… كان بيحب الأميرة؟
دموعي نزلت غصب عني. —ده كان بيعشقها.
ليان ابتسمت أخيرًا، وبعدين نامت وهي حاضنة إيدي.
طلعت من أوضتها وأنا حاسة إن روحي متكسرة ومتجمعة في نفس الوقت.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن اللي عملته نجلاء ماكانش النهاية.
كان البداية.
تاني يوم الصبح، صحيت على رنات متواصلة من تليفوني. رسائل… مكالمات… إشعارات فيسبوك.
فتحت أول رسالة ولقيت صورة لتحليل الـDNA منشورة على صفحة نجلاء، ومعاها كلام طويل مليان تلميحات وقذارة: “الحقيقة دايمًا بتظهر… حتى بعد سنين.”
إيدي تلجت.
الست دي نشرت الموضوع للناس كلها.
وفي أقل من ساعة، بدأت التعليقات تنهال.
ناس بتشتم. ناس بتتهمني بالخيانة. ناس بتسأل عن نسب بنت عندها ست سنين كأنها قضية رأي عام.
قعدت على الكنبة وأنا حاسة بغثيان.
لكن اللي كسرني فعلًا… كان تعليق صغير من واحدة ماعرفهاش: “البنت شكلها فعلًا مش شبههم.”
قفلت التليفون بسرعة ورميته بعيد.
في اللحظة دي، فهمت إن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش.
لكنهم كلهم كانوا ناسيين حاجة مهمة جدًا…
إن الأم لما بيتأذى طفلها… بتتحول لوحش.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *