تزوجت عجزه حكـايـات أسمـا ×5 والاخير
الفصل الأخير
والخطوات بدأت تنزل السلم علينا.
صوتها كان تقيل… بطيء… وبارد.
مش خطوات ناس داخلة تدور وخلاص.
دي خطوات ناس عارفة إنها أقوى، وإن اللي تحت محشورين، وإن الخوف سبقهم ونزل قبلهم على السلم.
يوسف كان ماسك في دراعي بقوة، ومريم ضامة آدم لصدرها كأنه ابنها مش أخوها الصغير في الشارع، وداليا واقفة جنبي ووشها أبيض، لكن عينيها ثابتة بطريقة خوفتني أكتر مما طمنتني.
أنا كنت ماسك دفتر الحسابات في إيدي.
الدفتر اللي ممكن يدفن شوقي العتال.
أو يدفننا إحنا قبله.
فوق، صوت راجل قال:
— تحت يا باشا… في باب مفتوح.
وبعدين صوت شوقي نفسه وصلنا، ناعم ومليان سم:
— براحة. الورق أهم من الناس.
ساعتها فهمت.
هو مش جاي يضربنا بس.
هو جاي يمسح الحقيقة.
داليا همست:
— كريم… لازم نطلع من هنا.
بصيت حواليا بسرعة.
البدروم كان واسع، لكن ملوش غير السلم اللي نزلنا منه… أو على الأقل ده اللي كان باين. ريحة الرطوبة كانت خانقة، واللمبة الصغيرة اللي شغلناها كانت بتترعش كأنها هتطفي في أي لحظة.
يوسف شدني وقال بصوت واطي:
— في فتحة.
بصيتله بسرعة.
— إيه؟
شاور ناحية آخر البدروم ورا كومة أخشاب كبيرة.
— شفتها وإحنا بندور. شكلها مجرى هوا أو باب قديم.
مافكرتش ثانية.
قلت لداليا:
— خدي مريم وآدم ورا يوسف.
قالت:
— والدفتر؟
بصيت للدفتر في إيدي.
وبعدين للخطوات اللي قربت أكتر.
قلت:
— معايا.
جرينا ناحية الأخشاب.
كان في فتحة واطية ورا لوح خشب عريض، متغطية بتراب وسلك قديم. يوسف زحف الأول بسرعة عجيبة، كأنه اتولد في الأماكن الضيقة. رجع وشه من الفتحة وهمس:
— بتطلع على حوش ورا العمارة.
داليا زقت آدم برفق.
— ادخل يا حبيبي.
آدم كان بيرتعش.
— ضلمة.
يوسف مدله إيده من الناحية التانية:
— أنا هنا. تعالى.
الطفل دخل.
مريم دخلت بعده.
داليا بصتلي:
— إنت الأول.
قلت:
— لأ. إنتي.
— كريم…
— داليا، مفيش وقت.
دخلت وهي ماسكة الملفات اللي قدرت تشيلها.
وأنا كنت آخر واحد.
قبل ما أزحف، سمعت أول رجل ينزل البدروم.
— أهو يا باشا!
شديت اللوح ورايا وأنا بزحف. التراب دخل في عيني وصدري، وإيدي المحروقة اتخبطت في الحجر فعضيت شفايفي علشان ماصرخش. الممر كان ضيق لدرجة إن كتافي كانوا بيحكوا في الحيطان. كل سنتيمتر كنت بسمع صوت الرجالة ورايا أقرب.
— دوروا في كل حتة!
— الخزنة!
— شوفوا الأدراج!
وصوت شوقي فوقهم:
— لو لقيتوا دفتر قديم أو ورق عليه اسم العتال… يتحرق فورًا.
قلبي كان بيدق في وداني.
زحفت لحد ما وصلت للنهاية، ويوسف شدني من إيدي. خرجت في حوش ضيق ورا العمارة، مليان زبالة وكراتين ومواسير قديمة. داليا كانت واقفة بتحاول تكتم عياط آدم، ومريم ماسكة حجر كأنها هتحارب الدنيا بيه.
يوسف قال:
— نطلع من هنا على الشارع الجانبي.
قلت:
— لأ.
كلهم بصوا لي.
داليا قالت:
— إنت اتجننت؟ لازم نهرب.
مسكت الدفتر وقلت:
— لو هربنا بس، هيرجع يحرق كل حاجة. لازم الدليل يطلع بره دلوقتي.
داليا فهمت قصدي فورًا.
طلعت موبايلها.
— هصور الصفحات.
لكن قبل ما تفتح الكاميرا، لقينا ظل رجل عند بوابة الحوش.
واحد من رجالة شوقي.
شافنا.
عينيه وسعت، وبعدين صرخ:
— هنا!
يوسف جرى ناحيته قبل ما أفكر.
— يوسف!
الولد رمى نفسه عليه بكل قوته. الراجل اتهز، بس ماوقعش. رفع إيده علشان يضربه، وساعتها أنا كنت وصلت. ضربته بالدفتر على وشه، مش ضربة قوية، لكنها شتتته ثانية. داليا شدت آدم ومريم وفتحت باب الحوش الصغير.
خرجنا نجري في الشارع الجانبي.
القاهرة وقتها كانت قبل الفجر بشوية.
الشارع شبه فاضي، إلا من قطة بتجري، وموتوسيكل بعيد، وعامل نظافة بيكنس الرصيف.
داليا صرخت:
— عربيتي قدام!
لكن عربية داليا كانت في الشارع الرئيسي، يعني لازم نلف من ناحية الورشة، وده مستحيل.
قلت:
— عند عم سيد مفتاح أوضة السطح، وفيه تليفون أرضي قديم عنده.
— نرجع العمارة؟
— من المدخل التاني.
داليا كانت هتعترض، لكن يوسف قال:
— في سلم خدمة من ورا، بيطلع على الدور الأول.
بصيتله مندهش.
— إنت عارف العمارة أكتر مني.
قال بسرعة:
— أنا نمت حوالينها قبل كده.
الجملة خطفت قلبي، بس ماكانش وقت وجع.
اتحركنا وراه.
طلعنا سلم خدمة ضيق، ووصلنا لباب خلفي مكسور في الدور الأرضي. من هناك، طلعنا بهدوء على السطح. صوت الرجالة كان لسه تحت، بيدوروا في الورشة والبدروم، وشوقي بيزعق فيهم.
على السطح، عم سيد كان صاحي.
أول ما شافنا، اتخض.
— يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل؟
قلت بسرعة:
— في رجالة تحت. لازم نكلم البوليس، ونبعت صور الورق لأي حد برا.
داليا كانت خلاص فتحت كاميرا الموبايل وبدأت تصور الصفحات بإيد بتترعش.
عم سيد قال:
— البوليس؟ يا ابني دول ممكن يكونوا شارين نص القسم.
داليا رفعت عينيها:
— يبقى الصحافة.
بصيتلها.
قالت:
— عندي صاحبة صحفية في موقع كبير. وكانت بتحب طنط نعمات. لو بعتلها الصور والفيديو بتاع الحريقة وكاميرا المحل… الموضوع هيكبر.
قلت:
— ابعتي.
بدأت تبعت الصور.
صفحة ورا صفحة.
أسماء.
تواريخ.
دفعات.
شحنات خشب نادر.
تحويلات.
إشارة لقطع أثرية كانت بتتخبى جوه الأثاث.
وتوقيع شوقي العتال الكبير.
كل ورقة كانت مسمار في نعش العيلة دي.
وفجأة…
الموبايل فصل.
البطارية خلصت.
داليا شهقت:
— لا… لا لا لا!
قلت:
— بعتّي قد إيه؟
— نص الدفتر تقريبًا.
عم سيد دخل أوضته بسرعة وطلع باور بانك قديم.
— جربي ده.
كان بيشتغل بالعافية، لكنه أنقذنا.
وصلت الموبايل، وداليا كملت إرسال.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت باب السطح بيتخبط من تحت.
مريم حضنت آدم.
يوسف وقف قدامهم.
عم سيد مسك عصاية خشب وقال:
— محدش هيطلع هنا غير على جثتي.
بصيت للراجل العجوز ده، البواب اللي قضى عمره يفتح أبواب الناس ويقفلها، وهو واقف دلوقتي يدافع عن بابنا.
الباب اتخبط تاني.
صوت شوقي طلع من ورا الحديد:
— افتح يا كريم. خلينا نخلص بهدوء.
ما رديتش.
قال:
— أنا عارف إن الورق معاك. وإنت عارف إنك مش هتكسب.
داليا همست:
— الصور اتبعتت.
شعرت إن نفسي رجعلي.
قربت من الباب وقلت:
— اتأخرت يا شوقي.
سكت لحظة.
— يعني إيه؟
قلت:
— الورق بقى بره.
لحظة صمت طويلة.
وبعدين الضربة اللي على الباب بقت أعنف.
— اكسروا الباب!
عم سيد زعق:
— يا أهل العمارة! اصحوا! بلطجية فوق!
الصوت دوّى في السلم.
أبواب بدأت تتفتح.
ناس تطلع.
صريخ.
موبايلات بتتصور.
وده كان أول كسر حقيقي لقوة شوقي.
لأن البلطجي شجاع طول ما الضلمة مخبياه.
لكن أول ما الكاميرات تفتح، بيبدأ يخاف.
الرجالة اللي معاه اترددوا.
صوت ست من تحت صرخ:
— إحنا بنصورك يا شوقي بيه!
راجل تاني قال:
— البوليس في الطريق!
شوقي زعق:
— اقفلوا الموبايلات!
لكن محدش قفل.
بعد دقايق، صوت سرينة قرب.
المرة دي مش عربية واحدة.
أكتر من عربية.
داليا قالت:
— صاحبتي الصحفية كلمت حد كبير.
أنا ماكنتش مصدق.
الباب اتفتح أخيرًا، لكن مش برجالة شوقي.
اللي طلع كان ضابط كبير ببدلة رسمية، وراه قوة شرطة.
وشوقي واقف على السلم، وشه أحمر من الغضب، لأول مرة مش عارف يبتسم.
الضابط بصله وقال:
— شوقي العتال؟
شوقي حاول يضحك:
— أيوه يا باشا، في سوء تفاهم صغير…
الضابط قاطعه:
— معانا إذن تفتيش وتحفظ على المستندات. وفي بلاغ شروع في حريق وتهديد شهود.
وشاور للعساكر.
— اتفضل معانا.
شوقي بصلي.
نظرة لوحدها كانت كفاية تحرق بلد.
وقال من بين سنانه:
— فاكر إنك كسبت؟
المرة دي أنا اللي ابتسمت.
— لأ. بس بطلت أخسر لوحدي.
خدوه.
رجالته اتلموا واحد واحد.
وفجأة، السطح اللي كان من دقايق فخ… بقى مليان ناس.
الجيران.
عم سيد.
أم سيد.
داليا.
العيال.
وكلهم واقفين حواليا كأننا خرجنا من معركة.
آدم شد كمي وقال:
— هو مش هيولع البيت تاني؟
نزلت على ركبتي قدامه.
— لأ.
قال:
— خلاص بقينا أمان؟
بصيت حوالي.
على الباب المكسور.
على الورشة المحروقة.
على إيدي الملفوفة.
على يوسف اللي لسه بيحاول يبان قوي.
على مريم اللي بتحضن أخوها.
على داليا اللي عينيها مليانة دموع.
قلت:
— لسه بنبني الأمان. بس أيوه… بدأنا.
—
القضية كبرت بسرعة.
أسرع مما كنا نتخيل.
الصبح، صور الدفتر وفيديو الحريق كانوا على مواقع الأخبار. العنوان كان ضخم:
“مستندات قديمة تكشف شبكة فساد عمرها عقودًا خلف حريق مصنع الهلال.”
اسم شوقي العتال اتجر في كل حتة.
ظهر إن أبوه فعلًا كان متورط في حريق المصنع القديم، وإن الأراضي حوالين المصنع اتنقلت بطرق مشبوهة بعد اختفاء سالم النحاس. وظهر كمان إن شوقي كان بيدور على الخزنة والدفاتر القديمة من سنين، وإن نعمات كانت مخبياها بعناد عمر كامل.
أما أنا…
فاسمي طلع فجأة.
“كريم سالم النحاس.”
أول مرة أشوف اسمي كامل كده.
أول مرة الاسم مايبقاش فراغ.
النيابة استدعتني.
قعدت قدام وكيل النيابة وحكيت كل حاجة.
حكيت عن نعمات.
عن الصندوق.
عن الورشة.
عن يوسف.
عن الحريق.
عن البدروم.
عن الرسالة.
ولما جه السؤال اللي كنت خايف منه:
— إنت كنت متجوز المرحومة نعمات ليه؟
سكت.
داليا كانت قاعدة برا.
العيال مستنيين في العمارة.
ونعمات، رغم موتها، كانت حاضرة في كل كلمة.
رفعت عيني وقلت:
— في البداية؟ علشان الفلوس.
وكيل النيابة بصلي.
كملت:
— كنت إنسان سيئ. أو كنت فاكر إن الفقر يبرر إني أبقى سيئ. اتجوزتها وأنا مستني ورثها. لكن هي كانت عارفة. وبرغم ده… ساعدتني. وسابتلي فرصة أصلح اللي فسد فيا.
الراجل فضل ساكت شوية.
وبعدين كتب.
أنا خرجت من النيابة أخف.
مش لأن المشكلة اتحلت.
لكن لأن لأول مرة قلت الحقيقة من غير ما أهرب منها.
—
بعد أسبوعين، الخزنة اتفتحت رسميًا بحضور النيابة.
جواها كان في عقود ملكية قديمة، صور، خطابات من سالم لأمّي، وإقرار نسب غير مكتمل كان سالم مجهزه قبل ما يختفي.
كنت واقف وأنا ماسك الورق كأني ماسك عضم أبويا.
كل خطاب كان بيفتح قبر جوايا.
“أنا مش هسيبك إنتي والولد…”
“هواجههم كلهم…”
“لو حصل لي حاجة، دوري على نعمات…”
أمي كانت عندها اسم.
مش مجرد ست ماتت بدري من التعب.
اسمها كان “ليلى عبدالجواد”.
كانت بتخيط كسوة الكراسي في المصنع.
حبت سالم.
وخافت.
واستخبت.
واتكسرت بعد اختفائه.
أنا كنت ابن قصة حب مدفونة تحت الرماد.
مش ابن غلطة.
ولا ابن شارع.
ولا ابن لا أحد.
وقفت في البدروم بعد ما كل الناس مشيت، ومعايا صورة سالم ونعمات وليلى.
نعمات كانت بتحب سالم.
وسالم حب أمي.
ورغم كده نعمات ماكرهتنيش.
دي حاجة فضلت أدوخ فيها أيام.
إزاي قلب اتكسر بالطريقة دي يفضل قادر يحب؟
داليا قالتلي مرة:
— طنط نعمات ماكانتش ملاك. هي بس قررت ما تخليش الوجع يحولها لوحش.
وساعتها فهمت.
الاختيار.
كلنا اتوجعنا.
بس مش كلنا لازم نبقى وحوش.
—
القانون خد وقته.
شوقي اتحبس على ذمة قضايا كتير.
مش كلها بسببنا، لكن إحنا كنا الخيط اللي شد باقي العقد.
العمارة اتحفظت مؤقتًا ضمن النزاع، لكن بما إن أوراق سالم أثبتت حقي، وبما إن وصية نعمات كانت واضحة في تركها لي للورشة والعمارة، بدأ المحامين يشتغلوا على تثبيت الملكية.
داليا كانت معايا في كل خطوة.
من غير ما أطلب.
وفي يوم، واحنا قاعدين وسط الورشة بعد ما اتدهنت من جديد، سألتها:
— إنتي ليه بتعملي كل ده؟
ابتسمت بحزن.
— يمكن علشان طول عمري كنت فاكرة إني قريبة من طنط نعمات، واكتشفت إني ماعرفتهاش بجد إلا بعد ما ماتت.
— وهي سابتلك الفيلا.
— آه. بس سابتلك قلبها.
الجملة كسفتني.
بصيت للأرض.
— أنا ماستحقش.
قالت بهدوء:
— يمكن. بس هي ما سابتلكش ده علشان كنت تستحق. سابتلك ده علشان تبقى تستحق.
فضلت الجملة معايا.
علشان دي كانت الحقيقة.
نعمات ماكافأتنيش.
هي كلفتني.
حملتني أمانة.
—
بيت الأمان بدأ رسميًا بعد شهرين.
مش بشكل مثالي.
ولا كبير.
ولا فاخر.
مجرد دور أرضي نضيف.
تلات غرف نوم بسيطة.
مطبخ صغير.
حمام اتصلح بالعافية.
ورشة تدريب على النجارة في البدروم.
وركن للمذاكرة.
داليا قدرت تسجل مبادرة تحت مظلة جمعية موثوقة كانت صاحبتها بتديرها، لحد ما نخلص أوراقنا.
مدام عواطف بقت تيجي تدرس عربي وحساب.
عم سيد بقى مسؤول الباب والأمان.
أم سيد بقت أم المكان بامتياز، تطبخ وتزعق وتدعي وتعيط على كل عيل جديد يدخل.
أما أنا…
فبقيت أصحى بدري.
أعمل فطار.
أحط العيش والجبنة والفول على ترابيزة طويلة من الخشب اللي رممناه بإيدينا.
وفي كل مرة كنت أقول:
— الأكل جاهز.
كنت أسمع صوت نعمات جوه رأسي:
“أكلت كويس يا كريم؟”
وفي البداية كان عندنا تلاتة.
يوسف.
مريم.
آدم.
وبعدين بقوا خمسة.
وبعدين تمنية.
كل واحد دخل كان شايل حكاية تقيلة.
ولد اسمه سامح كان بينام في محطة مترو.
بنت اسمها رقية هربت من خالها اللي كان بيضربها.
أخين توأم كانوا بيبيعوا مناديل عند الإشارة.
ماكناش بنقدر ناخد كل الناس.
وده كان أصعب درس.
كنت أرجع بالليل أعيط من غير صوت علشان اضطريت أقول “مش عندنا مكان” لطفل.
لكن داليا كانت تقول:
— اللي نقدر ننقذه ننقذه. واللي مش قادرين دلوقتي، نشتغل علشان نقدر بعدين.
يوسف بقى ذراعي اليمين.
كان لسه طفل، بس عنده إحساس مسؤولية أكبر من رجالة كتير. بدأ يتعلم نجارة بسرعة. أول كرسي عمله كان أعوج، لكنه أصر يصلحه لحد ما وقف مضبوط.
رفع الكرسي وقال:
— شريف كان هينبسط؟
بصيت لصورة شريف المعلقة على الحيطة.
— جدًا.
يوسف ابتسم بفخر.
مريم بقت مسؤولة عن الأصغر منها.
لكننا حاولنا نعلمها إن الطفلة جواها لها حق تعيش كمان. كانت بتقاوم. دايمًا حاسة إنها لازم تبقى أم، حارسة، جدار.
في يوم لقيتها بتعيط في الحمام.
قعدت بره الباب وقلت:
— مريم؟
قالت من جوه:
— مش عايزة حد يشوفني ضعيفة.
قلت:
— اللي بيعيط مش ضعيف.
— أمال إيه؟
— واحد تعب من إنه يفضل قوي طول الوقت.
بعدها فتحت الباب، وقعدت على الأرض، وعيطت من غير ما تتكلم.
وأنا قعدت بعيد كفاية علشان ما أضايقها، وقريب كفاية علشان تعرف إنها مش لوحدها.
آدم؟
آدم رجع يضحك.
وده كان معجزة.
طفل كان بيستخبى من أي صوت عالي، بقى يجري في الورشة وهو ماسك رسوماته.
رسم نعمات مرة.
مع إنه عمره ما شافها.
رسمها ست كبيرة، لابسة فستان أبيض، وواقفة قدام باب مفتوح.
لما سألته:
— عرفت شكلها منين؟
قال:
— من كلامكوا عنها.
علقت الرسمة جنب صورتها.
—
بعد ست شهور، عملنا افتتاح صغير.
ماكانش فيه شريط أحمر ولا كاميرات كبيرة.
بس كان فيه ترابيزة أكل طويلة، ولافتة خشب كتب عليها يوسف بإيده:
“بيت الأمان — حلم شريف ونعمات.”
وقفت قدام اللافتة وأنا مش قادر أتكلم.
الناس كلها كانت مستنية كلمة مني.
داليا وقفت جنبي وهمست:
— اتكلم من قلبك.
ضحكت بتوتر.
— قلبي مش متعود على الميكروفونات.
قالت:
— اتعود على الصدق. كفاية.
مسكت الميكروفون.
بصيت للوجوه.
العيال.
الجيران.
المحامين.
الصحفية اللي ساعدتنا.
ناس من الجمعية.
حتى بعض أهل نعمات جم، واقفين بعيد بوجوه متحفزة.
بدأت أتكلم:
— أنا اسمي كريم. من سنة، لو حد قاللي إني هقف هنا أفتح مكان للي مالهمش بيت، كنت هضحك عليه. أنا كنت شخص أناني. كنت فاكر إن الدنيا لما تظلمك، يبقى من حقك تظلم غيرك. كنت فاكر إن الفقر تصريح إن الواحد يفقد ضميره. لحد ما ست اسمها نعمات شافتني… وشافت كل قبح جوايا… وبرضه قررت تديني فرصة.
صوتي اتكسر.
كملت:
— الحاجة نعمات ما سابتليش فلوس أصرفها على نفسي. سابتلي مراية. خلتني أشوف أنا كنت إيه… وممكن أبقى إيه. والمكان ده مش صدقة. المكان ده اعتذار. اعتذار لكل طفل اتساب، لكل شاب نام في عربية، لكل واحد حد قاله إنه مالوش قيمة. هنا… هنحاول نقولهم إن ليهم قيمة. حتى لو العالم كله قال غير كده.
سكت لحظة.
بصيت لصورة نعمات.
— وأنا آسف يا حاجة نعمات. آسف إني ماحبتكيش بالطريقة اللي تستحقيها وإنتي عايشة. بس أوعدك… هحب حلمك طول ما أنا عايش.
محدش صفق في الأول.
كان السكوت تقيل.
وبعدين أم سيد بدأت تعيط وتصفق.
عم سيد صفق.
العيال صفقوا.
وبعدها المكان كله اتملأ صوت.
وفي وسط التصفيق، لمحت راجل كبير من أهل نعمات كان زمان بصلي في الجنازة كأني حشرة. قرب مني بعد الكلمة وقال:
— يمكن ظلمناك.
قلت:
— يمكن كنت أستاهل.
هز راسه.
— وهي كانت دايمًا بتشوف أبعد مننا.
دي كانت أول مرة حد من أهلها يبصلي من غير احتقار.
—
بعد الافتتاح، داليا فضلت ترتب الأطباق معايا في المطبخ.
قلت:
— كان ممكن تجيبي حد يعمل ده.
ردت:
— وأنا كان ممكن أعيش عمري كله في الفيلا فاكرة إن الخدمة دي للناس التانية. زهقت من النسخة دي مني.
ضحكت.
هي كمان ضحكت.
وبين الضحكتين، حصل صمت مريح.
مش صمت خوف.
ولا حرج.
صمت اتنين تعبوا ولقوا حاجة تستاهل.
بصتلي وقالت:
— طنط نعمات كانت هتبقى فخورة بيك.
بلعت ريقي.
— أتمنى.
— لأ. كانت هتبقى.
في اللحظة دي، مريم دخلت وقالت:
— آدم كسر طبق.
داليا رفعت حاجبها:
— طبق واحد؟ ده تطور.
ضحكنا كلنا.
وكان الضحك في المكان جديد.
كأنه بيجرب نفسه على الحيطان.
—
السنة الأولى ماكنتش سهلة.
الأمان مش باب بيتقفل وخلاص.
الأمان علاج طويل.
في عيال كانت بتهرب وترجع.
في عيال كانت بتسرق أكل وتخبيه تحت المخدة.
في عيال كانت تضرب قبل ما حد يلمسها.
في عيال ما بتعرفش تنام غير والنور مفتوح.
وأنا كنت بتعلم.
اتعلمت إنك ماينفعش تقول لطفل “خلاص متخافش” وتستغرب إنه لسه خايف.
الخوف لما يقعد سنين جوا الجسم، مش بيخرج بكلمة حلوة.
اتعلمت إن الجوع مش جوع أكل بس.
في جوع حضن.
جوع اسم.
جوع حد يستناك.
جوع إن حد يسألك رجعت متأخر ليه مش علشان يعاقبك، علشان كان قلقان عليك.
واتعلمت إن التكفير عن الذنب مش لحظة درامية.
ده شغل يومي ممل.
تنضيف.
طبخ.
مذاكرة.
مشاوير مصالح حكومية.
خناقات مع موظفين.
تصليح حنفية بايظة.
سهر جنب طفل عنده سخونية.
وسؤال كل يوم:
“أنا بعمل ده علشانهم؟ ولا علشان أحس إني بقيت كويس؟”
وكان لازم أواجه نفسي كتير.
لأن كريم القديم ما ماتش مرة واحدة.
كان بيطلع في لحظات التعب.
لما الفلوس تقل.
لما حد يتهمني.
لما طفل يكذب عليا.
لما مشروع يتعطل.
كنت أسمع صوته:
“بيع العمارة. خد فلوسك. إنت مش مسؤول عن حد.”
وساعتها كنت أروح للبدروم.
أفتح كشكول شريف.
أقرا الجملة اللي حفظتها:
“أي حد ممكن يبقى وحش… لو فضل جعان وخايف وقت كفاية.”
وأرد في سري:
“وأي حد ممكن يرجع إنسان… لو حد صدق إنه ينفع يرجع.”
—
بعد سنة كاملة، جالي جواب رسمي.
إثبات ملكية العمارة اتحسم.
العمارة بقت قانونيًا باسمي.
“كريم سالم النحاس.”
وقفت قدام الورقة طويل.
كان ممكن أبيعها بمبلغ يخليني أعيش مرتاح باقي عمري.
شقة فخمة.
عربية.
حساب في البنك.
كل اللي كنت بحلم بيه زمان.
مسكت القلم.
داليا كانت واقفة جنبي في الشهر العقاري.
قالت:
— متأكد؟
بصيتلها.
— أول مرة في حياتي أبقى متأكد.
وقعت عقد نقل انتفاع طويل الأمد لصالح “مؤسسة بيت الأمان”.
العمارة مبقتش بتاعتي.
بقت بتاعت الحلم.
لما رجعنا، العيال كانوا مستنيين.
يوسف سأل:
— خلاص؟
قلت:
— خلاص.
— يعني محدش يقدر يبيعها؟
ابتسمت.
— حتى أنا.
يوسف فضل باصصلي كام ثانية.
وبعدين حضني.
الحضن كان مفاجئ وقوي.
الولد اللي كان بيترعب من اللمس، بقى بيعرف يحضن.
دي كانت أكبر وثيقة ملكية في حياتي.
—
مرت السنين.
مش كتير قوي.
بس كفاية علشان المكان يكبر.
الدور الأول اتصلح.
البدروم بقى ورشة نجارة حقيقية.
عملنا عقود تدريب مع ورش محترمة.
بعض الشباب بدأوا يشتغلوا.
بعضهم رجعوا لأهاليهم بعد ما الأمور اتصلحت.
بعضهم فضلوا معانا لحد ما وقفوا على رجلهم.
يوسف كبر.
بقى شاب طويل، كتافه عريضة، ووشه هادي.
في يوم دخل عليا المكتب، لابس قميص نضيف، وماسك ورقة.
قال:
— اتقبلت في معهد فني صناعي.
قمت وقفت.
— بجد؟
ابتسم بخجل.
— أيوه.
حضنته وأنا مش قادر أمسك دموعي.
قال وهو بيضحك:
— إنت هتعيط على كل حاجة؟
قلت:
— آه. دي هوايتي الجديدة.
مريم دخلت جامعة خدمة اجتماعية.
قالتلي:
— هشتغل مع أطفال زيي.
قلت:
— زيك إزاي؟
رفعت راسها بفخر:
— ناجيين.
آدم بقى بيرسم بشكل مذهل.
رسم جدارية على حيطة الورشة: باب مفتوح، ووراه نور، وقدامه طفل ماسك مفتاح.
تحتها كتب بخط صغير:
“الأمان مش مكان… الأمان ناس.”
لما شفتها، قعدت على الكرسي وماعرفتش أتكلم.
—
في الذكرى الثالثة لوفاة نعمات، رحنا نزورها.
أنا وداليا ويوسف ومريم وآدم وعم سيد وأم سيد.
القبر كان هادي.
الجو ربيعي.
والشمس ناعمة.
حطيت ورد أبيض على قبرها.
وقفت ساكت.
كان معايا نفس الصندوق القديم.
صندوق الجزم اللي سلّمهولي المحامي.
فتحته.
جواه دلوقتي ماكانش صور ضعفي بس.
كان فيه صور جديدة.
يوسف وهو بيصلح أول كرسي.
مريم وهي بتقرأ للأطفال.
آدم وهو بيرسم الجدارية.
داليا وهي واقفة وسط العيال بتضحك.
عم سيد وهو رافع اللافتة.
أم سيد وهي بتوزع أكل.
وصورة الافتتاح.
حطيت الصور جوه الصندوق، وقفلت عليه.
قلت بصوت واطي:
— إنتي قلتي إن ده الشيء اللي أنا محتاجه فعلًا. كنت فاكر الصندوق عقاب. طلع باب.
داليا وقفت جنبي.
بعد لحظة، قالت:
— عندي حاجة أقولها لك.
بصيتلها.
كانت متوترة بطريقة ما شوفتهاش عليها من زمان.
قالت:
— أنا قدمت طلب لتحويل الفيلا لمركز إقامة للبنات الأكبر سنًا… اللي محتاجين مرحلة انتقالية قبل ما يعيشوا لوحدهم.
اتسعت عيني.
— الفيلا؟
هزت راسها.
— طنط نعمات ماكانت تحبش تفضل مقفولة. وأنا… أنا مش محتاجة بيت كبير فاضي.
ابتسمت وأنا حاسس إن الدائرة بتكمل.
قلت:
— إنتي متأكدة؟
قالت:
— أول مرة في حياتي أبقى متأكدة.
ضحكنا نفس الضحكة.
وكان واضح إن نعمات، بطريقة ما، لسه بتربي فينا حاجات اتولدت متأخر.
—
في الليل، رجعت بيت الأمان لوحدي.
الكل نام.
مشيت في الممر بهدوء.
عديت على الأوض.
سمعت نفس الأطفال.
أنفاس هادية.
حياة.
دخلت الورشة.
صورة نعمات وشريف وسالم وليلى كانت معلقة على الحيطة.
وقفت قدامهم.
زمان كنت فاكر إن العيلة دم بس.
وبعدين اكتشفت إن العيلة ممكن تبقى ست عجوز شافت قبحك وماسابكش.
ممكن تبقى ولد شوارع اختارك تحميه فأنقذك.
ممكن تبقى بنت غنية قررت تنزل من برجها وتقف في الرماد.
ممكن تبقى بواب ومراته وجيران وأطفال…
كلهم اتجمعوا حوالين باب واحد مفتوح.
قعدت على المكتب القديم وفتحت رسالة نعمات الأصلية.
كنت حافظها.
لكن كل ما أقراها، ألاقي معنى جديد.
“يا كريم…
أنا ما اتخدعتش بيك.
أنا اخترتك.”
مسحت دمعة نزلت من غير استئذان.
وقلت للورقة:
— وأنا أخيرًا اخترت نفسي الصح.
فجأة سمعت خبط خفيف على الباب.
قلبي اتنفض للحظة، وبعدين ابتسمت.
فتحت.
كان ولد صغير واقف في المطر.
رفيع.
مبلول.
حافي.
عنيه فيها نفس الجوع القديم.
نفس النظرة اللي كانت في عيني.
وفي عين يوسف.
وفي كل واحد دخل من الباب ده.
قال بصوت بيرتعش:
— عمو… قالولي هنا ممكن ألاقي أكل وأنام شوية.
وقفت ساكت لحظة.
الدنيا رجعت لأول ليلة.
لنفس السؤال.
لنفس الامتحان.
بس أنا المرة دي ماكنتش نفس كريم.
فتحت الباب على آخره.
ومن جوه، نور الورشة خرج على وش الولد.
قلت:
— ادخل يا ابني.
دخل بخوف.
قفلت الباب وراه بهدوء.
ومن غير ما أحس، بصيت لصورة نعمات.
كأنها كانت بتبتسم.
النهاية.
