المدير التنفيذي حكايات اسما السيد 2

أحمد كان سامع صوت موظفة النجدة وهي بتسأله عن العنوان، لكنه للحظة حس إن الكلمات مش طالعة من بقه صح. عينيه كانت معلقة بالورقة اللي في إيده، وبالخط الأحمر المتكرر فوق الرسمة، ماتقوليش لحد، ماتقوليش لحد، ماتقوليش لحد، كأن الجملة دي اتكتبت مش على الورق، لكن على روح طفلة عندها سبع سنين. قال العنوان بصوت متقطع، وكرر إن في طفلة محتاجة حماية، وإنه مش متأكد من كل التفاصيل، بس في شيء خطير حصل ولازم حد ييجي فورًا. الموظفة طلبت منه يبعد عن الطفلة أي ضغط، ومايسألهاش كتير، ويستنى وصول الشرطة. قفل المكالمة وهو حاسس إن البيت اللي كان من شوية مجرد شقة هادية في عمارة محترمة بقى فجأة مكان مليان ظلال. ليلى كانت واقفة قدامه، وشها شاحب، وإيديها ماسكة في طرف بيجامتها، كأنها ندمت إنها اتكلمت. قرب منها ببطء، وقعد على ركبته عشان يبقى في مستوى عينيها، وقال: “ليلى، بصيلي يا حبيبتي. إنتِ ماعملتيش حاجة غلط. إنتِ شجاعة جدًا.” دموعها نزلت أكتر، لكنها ماصرختش. همست: “ماما هتزعل.” أحمد بلع ريقه بصعوبة وقال: “ماما مش من حقها تزعل منك عشان قلتي الحقيقة.” البنت هزت راسها بعنف، وكأنها بتقاوم كلامه: “هي قالتلي محدش هيصدقني… وقالت إنك لو عرفت هتمشيني عند ناس وحشين.” أحمد حس بغضب بيغلي جواه، غضب مش قادر يطلعه قدامها، فشد على قبضته من غير ما تبان. قال لها: “أنا مصدقك. ومش هسيبك.” الجملة دي كانت بسيطة، لكنها كسرت حاجة جوا ليلى. فجأة قعدت على الأرض وبدأت تعيط بصوت مكتوم، كأنها بتخاف حتى من صوت بكاها. أحمد جاب البطانية ولفها عليها، وقعد جنبها من غير ما يلمسها إلا لما هي قربت منه بنفسها. بعد دقايق، خبط الباب. صوت الخبط خلا ليلى تنتفض وترجع بجسمها لورا. أحمد قال بسرعة: “دي الشرطة يا ليلى. أنا جنبك.” فتح الباب، ودخل ضابط ومعاه أمينة شرطة. أول ما شافوا الطفلة، اتغيرت ملامحهم. أمينة الشرطة قربت بهدوء وقالت: “إزيك يا ليلى؟ أنا اسمي نادية. ممكن أقعد جنبك؟” ليلى بصت لأحمد، وكأنها بتستأذن منه، فأومأ لها. الضابط خد أحمد على جنب، وسأله باختصار عن اللي حصل. أحمد ورّاه الرسمة، وحكى كل كلمة قالتها ليلى. الضابط وشه اتشد، لكنه فضل هادي. قال: “إحنا هنحتاج نبلغ حماية الطفل والنيابة، ومهم جدًا ماتتكلمش معاها في تفاصيل أكتر عشان التحقيق يبقى سليم.” أحمد هز راسه. بعد أقل من ساعة، البيت كان مليان ناس رسميين، لكن الغريب إن ليلى لأول مرة من شهور ماكنتش مستخبية من أحمد. كانت قاعدة على الكنبة، حاضنة البطانية، وعينيها بتدور عليه كل دقيقة. كل ما تلاقيه واقف قريب، تهدى شوية. سألوها أسئلة بسيطة جدًا، من غير ضغط. هي ماقالتش كل حاجة، لكنها قالت كفاية. قالت إن راجل كان بييجي أوقات كتير لما ريم تقول إنها في مشوار أو عند صاحبتها، وإنه كان يدخل الأوضة ويقفل الباب، وإن ريم كانت دايمًا تقول لها بعدها: “إنتِ بنت شقية وبتتخيلي حاجات.” قالت إن الراجل كان اسمه يمكن “طارق” أو “تامر”، هي مش فاكرة، بس فاكرة ريحة سجايره، وخاتم كبير في إيده، وصوته لما كان يقول: “اسكتي.” أحمد كان واقف في المطبخ سامع أجزاء قليلة، وكل جزء كان يضربه في صدره كأنه حجر. إزاي ماخدش باله؟ إزاي صدق إن خوفها منه مجرد رفض؟ إزاي ريم كانت بتضحك وهي عارفة كل ده؟ لما خلصوا، أمينة الشرطة طلبت من أحمد يجهز شنطة صغيرة لليلى، لأنهم هينقلوها لمكان آمن مؤقتًا لحد ما يتم استدعاء الأم والتحقيق معها. ليلى سمعت الكلام وصرخت لأول مرة: “لا! مش عايزة أمشي! مش عايزة أروح مع حد!” قامت تجري ناحية أحمد وتمسكت في رجله. كل الموجودين سكتوا. أحمد نزل لها فورًا وقال: “اهدي يا حبيبتي، أنا هنا.” قالت وهي بتشهق: “وعدتني ماتسبنيش.” قلبه اتقطع. بص للضابط وقال: “أنا جوز أمها، يعني مسؤول عنها، وهي معايا آمنة. ينفع أفضل معاها؟” الضابط قال إن الأمر محتاج قرار، لكنهم شايفين إن الطفلة متعلقة بيه وإنه هو اللي بلغ، وبعد مكالمات طويلة، وافقوا إنها تفضل في الشقة الليلة دي بشرط وجود متابعة رسمية، وعدم رجوع ريم قبل حضور الشرطة. أحمد وافق على كل شيء. وفي نص الليل، لما كل الناس مشيت، بقى البيت ساكت تاني، لكن السكون كان مختلف. ليلى نامت أخيرًا على الكنبة، وإيدها ماسكة طرف قميص أحمد، كأنها خايفة يصحى ويمشي. أما هو ففضل صاحي، عينه على الباب، والموبايل في إيده، مستني مكالمة ريم. وقبل الفجر بساعة، رن التليفون. اسمها ظهر على الشاشة: ريم. قلبه دق بعنف، لكنه رد. صوتها كان عادي، مستفز، كأن مفيش حاجة حصلت: “عاملين إيه؟ ليلى نكدت عليك ولا لسه؟” أحمد سكت لحظة، وبعدين قال: “ريم… ارجعي القاهرة فورًا.” ضحكت: “ليه؟ وحشتك؟” قال بصوت بارد: “الشرطة كانت هنا.” الصمت اللي حصل بعدها كان أول اعتراف منها. ماقالتش إيه؟ ولا ليه؟ ولا حصل إيه؟ سكتت بس. وبعد ثواني، قالت بنبرة اتغيرت تمامًا: “إنت سمعت من البنت؟ أحمد، إوعى تصدقها. دي مريضة. بتخترع قصص.” أحمد بص لليلى النايمة وقال: “طفلة عندها سبع سنين مش بتخترع الرعب ده.” ريم انفجرت: “إنت فاهم إيه؟ إنت دخلت حياتنا من أربع شهور وعايز تحكم؟ دي بنتي أنا!” قال: “بالظبط. بنتك. والمفروض كنتِ تحميها.” صوتها وطي فجأة: “أحمد، اسمعني… الموضوع مش زي ما إنت فاهم. أنا كنت مضغوطة. وطارق كان بيساعدني. وليلى دايمًا حساسة.” طارق. الاسم وقع في ودنه زي دليل. قال بهدوء مخيف: “اسمه طارق؟” رجعت تتلخبط: “أنا ماقولتش… أقصد… أحمد، بلاش تهور. إحنا نحل الموضوع بينا.” قال: “الموضوع خرج من بينا.” وقفل. بعد ساعة، اتصل بالضابط وبلغه بالمكالمة والاسم. ومع شروق الشمس، بدأت خيوط الحقيقة تتجمع أسرع مما توقع. طارق ماكنش مجرد صاحب لريم، كان عميل قديم في شركة التأمين، راجل متجوز، عنده نفوذ وفلوس، وكان بينه وبين ريم علاقة سرية من قبل جوازها بأحمد. الأسوأ إن الجيران افتكروا شكله لما الشرطة سألتهم. واحد منهم قال إنه شافه داخل العمارة أكتر من مرة في أوقات ريم ماكنتش موجودة فيها، أو على الأقل كانت بتقول إنها مش موجودة. بواب العمارة قال إنه كان بيطلع ومعاه أكياس هدايا، وإن ريم كانت موصياه يقول لأي حد يسأل إنه قريبها. كل كلمة كانت بتكشف طبقة أعمق من الكذب. لما ريم وصلت القاهرة، ماطلعتش على البيت. راحت الأول للشركة، ويمكن كانت بتحاول تلحق تمسح حاجة أو تكلم طارق. لكن الشرطة كانت أسرع. تم استدعاؤها رسميًا، وهناك انهارت صورتها اللامعة. في الأول أنكرت كل شيء. قالت إن أحمد بيحاول ينتقم منها بسبب خلافات زوجية، وإن ليلى طفلة خيالية. لكن لما واجهوها بالمكالمة المسجلة، وبشهادة الجيران، وبالرسمة، وبكلام الطفلة الأولي، بدأت تهاجم بدل ما تدافع. قالت: “أنا ضحيت كتير. محدش عارف أنا عشت إيه. البنت دي كانت سبب كل مشكلة في حياتي.” الجملة دي وحدها كانت كافية تخلي أحمد يفهم إن ريم عمرها ما شافت ليلى بنتها، شافتها عبء. في المساء، رجع أحمد البيت ومعاه إذن إنه ياخد ليلى لفترة مؤقتة تحت إشراف الجهات المختصة، لحد ما يتم ترتيب رعاية آمنة.

