وجع بسيط حكايات اسما ×3

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

حتى أن سلمى سمعت صوت أنفاسها بوضوح.

 

البنت التي اختفت منذ سبع سنوات…

 

حية؟

 

نظر الرائد كريم إلى الضابط وكأنه لم يصدق ما سمعه.

 

“إنت متأكد؟”

 

أخرج الضابط صورة من هاتفه.

 

ووضعها على المكتب.

 

ظهرت فتاة نحيفة في السادسة عشرة تقريبًا.

 

شاحبة الوجه.

 

شعرها طويل ومتشابك.

 

وترتدي ملابس أكبر من مقاسها.

 

لكن عينيها…

 

كانتا تحملان شيئًا مرعبًا.

 

الخوف.

 

خوف شخص عاش سنوات طويلة وهو ينتظر النجاة.

 

قال الضابط:

 

“اسمها الحقيقي هنا عبد العزيز.”

 

ارتجفت أصابع سلمى.

 

وتذكرت كلام الطبيب.

 

الطفلة التي اختفت بعد إغلاق القض..ية.

 

لم تختفِ.

 

بل كانت محتجزة طوال هذه السنوات.

 

سأل الرائد بسرعة:

 

“طارق فين؟”

 

أجاب الضابط:

 

“هرب قبل وصول القوة بدقائق.”

 

ضرب الرائد المكتب بقبضته.

 

لكن الضابط أكمل:

 

“بس المرة دي مش هيفلت.”

 

—

 

في نفس الوقت…

 

داخل مركز الحماية.

 

كانت هنا تجلس أمام أخصائية نفسية.

 

كوب ماء بين يديها.

 

وترتجف.

 

قالت الأخصائية بلطف:

 

“مفيش حد هيأذيكي هنا.”

 

لم ترد.

 

فقط ظلت تنظر إلى الباب.

 

كأنها تتوقع دخوله في أي لحظة.

 

بعد دقائق طويلة همست:

 

“هو مات؟”

 

“مين؟”

 

“طارق.”

 

تبادل الموجودون النظرات.

 

ثم قالت الأخصائية:

 

“لا… لكنه هرب.”

 

أغمضت هنا عينيها.

 

وبدت عليها صدمة غريبة.

 

ليست راحة.

 

ولا حزنًا.

 

بل خوفًا أكبر.

 

قالت:

 

“يبقى هيجي.”

 

سألتها الأخصائية:

 

“ليه بتقولي كده؟”

 

رفعت هنا رأسها.

 

وقالت الجملة التي جعلت الجميع يتجمد:

 

“عمره ما بيسيب حد يعرف أسراره ويعيش.”

 

—

 

بعد ساعات…

 

حصلت الشرطة على إذن بتفتيش جميع ممتلكات طارق.

 

مكاتبه.

 

مخازنه.

 

الشقق المسجلة بأسماء شركاته.

 

وحتى الاستراحات القديمة.

 

وفي اليوم التالي مباشرة…

 

بدأت المفاجآت.

 

في أحد المخازن المهجورة بطريق الإسماعيلية.

 

وجدت الشرطة غرفة سرية خلف جدار معدني.

 

داخلها أجهزة كمبيوتر.

 

ملفات.

 

صور.

 

وأقراص تخزين.

 

عشرات.

 

بل مئات.

 

وعندما بدأ فريق الجرائم الإلكترونية فحص المحتويات…

 

تغير كل شيء.

 

لم يعد الأمر مجرد قضي..ة عنف أسري.

 

ولا بلاغًا قديمًا.

 

بل شبكة كاملة من الجرائم.

 

ابتزاز.

 

تزوير.

 

واختفاء أشخاص.

 

وأسماء رجال أعمال وشخصيات نافذة.

 

كلها مرتبطة بطريقة ما بطارق المنصوري.

 

وفي مساء اليوم نفسه…

 

وصلت رسالة إلى هاتف الرائد كريم.

 

رقم مجهول.

 

صورة فقط.

 

لا شيء آخر.

 

فتحها.

 

فتجمد مكانه.

 

كانت صورة حديثة.

 

التُقطت قبل دقائق.

 

لسلمى ومريم.

 

وهما تدخلان مركز الحماية.

 

أسفل الصورة رسالة قصيرة:

 

“وصلتولي متأخر.”

 

شحب وجه الرائد فورًا.

 

لأن هذا يعني شيئًا واحدًا.

 

هناك شخص يعمل لصالح طارق…

 

داخل المنظومة نفسها.

 

شخص يراقب التحقيق.

 

ويسرب له كل خطوة.

 

—

 

في تلك الليلة.

 

نُقلت سلمى ومريم إلى مكان سري آخر.

 

لم يعرف عنوانه سوى ثلاثة أشخاص فقط.

 

وكان الجميع يعتقد أن الأمر أصبح آمنًا.

 

لكن عند الثالثة فجرًا…

 

استيقظت مريم فجأة.

 

كانت الغرفة مظلمة.

 

هادئة.

 

إلا من صوت خافت.

 

صوت احتكاك معدني.

 

فتحت عينيها ببطء.

 

ونظرت نحو النافذة.

 

ثم شهقت.

 

لأن هناك رجلًا يقف في الخارج.

 

خلف الزجاج مباشرة.

 

يرتدي ملابس سوداء.

 

وينظر إليها.

 

ركضت نحو أمها وهي تبكي.

 

استيقظت سلمى مذعورة.

 

وأضاءت المصباح.

 

لكن الرجل اختفى.

 

وصل الحراس خلال ثوانٍ.

 

وفتشوا المكان بالكامل.

 

ولم يجدوا أحدًا.

 

لكنهم وجدوا شيئًا آخر.

 

شيئًا أكثر رعبًا.

 

ورقة مطوية تحت النافذة.

 

فتحها قائد الحراسة.

 

وقرأ ما بداخلها.

 

ثم تغير لون وجهه.

 

أخذ الورقة فورًا إلى الرائد كريم.

 

وعندما قرأها…

 

شعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.

 

لأن الرسالة كانت بخط يد طارق نفسه.

 

ولم تحتوِ إلا على سطر واحد:

 

“إذا كانت هنا قد نجت…

 

فاسألوا أنفسكم أين البقية؟”

 

يتبع…تجمد الرائد كريم وهو يقرأ الرسالة للمرة الثانية.

 

ثم الثالثة.

 

ثم رفع عينيه ببطء نحو الضباط الواقفين أمامه.

 

“إيه يقصد بالبقية؟”

 

لم يجب أحد.

 

لأن الجميع كان يفكر في الاحتمال نفسه.

 

إذا كانت هنا قد اختفت سبع سنوات كاملة ثم عُثر عليها حية…

 

فكم شخصًا آخر اختفى ولم يُعثر عليه؟

 

وكم سرًا ما زال مدفونًا؟

 

—

 

في صباح اليوم التالي.

 

بدأت الشرطة إعادة فحص كل البلاغات القديمة المرتبطة باسم طارق المنصوري.

 

ملفات أُغلقت.

 

قضايا حُفظت.

 

أشخاص اختفوا دون تفسير.

 

وبعد ساعات قليلة فقط…

 

ظهر نمط مرعب.

 

ست فتيات.

 

وثلاثة أطفال.

 

وجميعهم اختفوا خلال سنوات متفرقة.

 

بعضهم عاد بعد أيام.

 

خائفًا.

 

صامتًا.

 

ورافضًا للكلام.

 

والبعض الآخر…

 

لم يعد أبدًا.

 

قال أحد المحققين:

 

“إحنا قدام حاجة أكبر بكتير مما كنا متخيلين.”

 

—

 

أما هنا…

 

فبدأت تتكلم أكثر.

 

ببطء شديد.

 

وكأنها تخرج من سجن داخل عقلها.

 

قالت إنها لم تكن محتجزة وحدها دائمًا.

 

كانت تسمع أصواتًا.

 

أحيانًا أطفال.

 

وأحيانًا فتيات.

 

وأحيانًا أشخاصًا يتم نقلهم ليلًا.

 

لكنها لم تكن تراهم بوضوح.

 

ثم قالت شيئًا جعل الجميع ينتبه.

 

“كان فيه مكان تاني.”

 

سألها الرائد:

 

“مكان إيه؟”

 

أغلقت عينيها.

 

تحاول التذكر.

 

“مزرعة.”

 

“فين؟”

 

“مش عارفة.”

 

“أي حاجة فاكراها؟”

 

صمتت طويلًا.

 

ثم همست:

 

“كان فيه برج مياه أحمر.”

 

“وكمان؟”

 

“وسكة قطر قريبة.”

 

نظر المحققون لبعضهم.

 

كانت أول خيط حقيقي منذ سنوات.

 

—

 

استمرت عمليات البحث يومين كاملين.

 

ثم جاءت المفاجأة.

 

أحد الضباط الشباب كان يراجع صورًا قديمة من هاتف طارق المصادَر.

 

وعثر على صورة عادية جدًا.

 

صورة لرجل يقف أمام سيارة.

 

لكن في الخلفية ظهر برج مياه أحمر.

 

وبجواره خط سكك حديد.

 

تم تحديد الموقع بعد ساعات.

 

مزرعة مهجورة على أطراف محافظة بعيدة.

 

ملكية شركة وهمية مرتبطة بواحدة من شركات طارق.

 

وفي تلك الليلة…

 

تحركت قوة خاصة.

 

—

 

وصلت السيارات قبل الفجر.

 

المكان بدا مهجورًا.

 

أسوار صدئة.

 

مبانٍ قديمة.

 

وأبواب مغلقة.

 

لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.

 

قال قائد القوة:

 

“في آثار عربية حديثة.”

 

ثم أشار إلى الأرض.

 

كانت هناك إطارات جديدة فوق التراب.

 

أحدهم كان هنا قبل ساعات فقط.

 

أُعطي الأمر بالاقتحام.

 

واندفعت القوة إلى الداخل.

 

غرفة.

 

ثم أخرى.

 

ثم ثالثة.

 

لا شيء.

 

حتى وصلوا إلى مبنى إسمنتي صغير في آخر المزرعة.

 

الباب كان مغلقًا بسلسلة حديدية.

 

تم كسره.

 

ودخلوا.

 

في البداية ظنوا أنه مخزن عادي.

 

لكن أحد الضباط لاحظ شيئًا.

 

الأرضية.

 

كانت مجوفة.

 

وبعد دقائق من البحث…

 

عثروا على باب حديدي مخفي تحت ألواح خشبية.

 

نظر الجميع إلى بعضهم.

 

ثم بدأوا فتحه.

 

ومع أول دفعة…

 

خرج هواء بارد من الأسفل.

 

ورائحة رطوبة قديمة.

 

نزلت القوة بحذر.

 

درجات طويلة.

 

ثم ممر ضيق.

 

ثم…

 

توقف الجميع فجأة.

 

لأنهم لم يكونوا أمام قبو صغير.

 

بل أمام شبكة كاملة من الغرف السرية تحت الأرض.

 

غرف كثيرة.

 

أبواب كثيرة.

 

وآثار تدل على وجود أشخاص عاشوا هنا.

 

لفترات طويلة.

 

لكن المكان كان فارغًا.

 

فارغًا تمامًا.

 

وكأن من كان فيه غادر قبل ساعات.

 

على أحد الجدران وُجدت كتابة محفورة بأظافر بشرية:

 

“لو لقيتوا الرسالة دي…

 

إحنا كنا هنا.”

 

—

 

وفي نفس اللحظة تقريبًا…

 

كان طارق المنصوري يجلس داخل كوخ خشبي بعيد وسط منطقة جبلية.

 

أمامه جهاز كمبيوتر محمول.

 

وخريطة مفتوحة.

 

وراديو صغير يبث الأخبار.

 

استمع إلى المذيع وهو يتحدث عن اكتشاف المزرعة.

 

فابتسم.

 

ثم أغلق الجهاز.

 

وأخرج صورة من جيبه.

 

صورة لسلمى ومريم.

 

ظل ينظر إليها طويلًا.

 

قبل أن يقول بصوت هادئ:

 

“لسه اللعبة ما انتهتش.”

 

ثم التقط هاتفًا لا يحمل أي بيانات.

 

وأجرى اتصالًا.

 

رد شخص مجهول.

 

فقال طارق:

 

“جهز العربية.”

 

سأله الرجل:

 

“رايح فين؟”

 

نظر طارق إلى الصورة مرة أخيرة.

 

ثم أجاب:

 

“هسترجع اللي يخصني.”

 

وفي تلك اللحظة نفسها…

 

كانت سلمى في مكان الحماية الجديد.

 

تعتقد أن ابنتها تنام بسلام.

 

لكن عندما دخلت غرفة مريم لتطمئن عليها…

 

تجمدت في مكانها.

 

لأن السرير كان فارغًا.

 

والنافذة مفتوحة.

 

وفوق الوسادة…

 

وجدت دمية مريم المحشوة.

 

وبداخلها ورقة صغيرة.

 

مكتوب عليها:

 

“المرة دي جتلي لوحدها.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *