سفره ملوكي حكايات اسما ×4
قبل نهاية الأسبوع اللي اديتهولهم كانت الأجواء في البيت متوترة بشكل ما حصلش قبل كده. الحاجة نادية بقت تتحرك في الشقة كأنها مستنية معجزة تنزل من السما وتنقذها. ريهام بقت كل شوية تدخل أوضتها وتقفل على نفسها بالساعات وهي بتكلم حد في التليفون. أما أحمد فكان بيعيش أسوأ أيام عمره. لأول مرة يكتشف إن الشخص اللي كان معتبره مضمون ومستحيل يمشي من حياته بقى واقف قدامه من غير خوف ولا تردد.
في الليلة الخامسة بعد الإنذار الرسمي كنت قاعدة في أوضة مريم بساعدها تركب مكعبات ملونة. كانت بتضحك وهي بتحاول تبني برج طويل وكل شوية يقع فتضحك أكتر. فضلت أبصلها شوية وأنا حاسة بوخزة في قلبي. الطفلة دي استحملت أكتر مما أي طفل المفروض يستحمله.
فجأة سمعت خناقة برة.
صوت عالي.
صوت أحمد.
وبعدين صوت أمه.
خرجت من الأوضة بهدوء.
لقيت الحاجة نادية واقفة في نص الصالة وبتصرخ.
“إنت السبب! لو كنت راجل كنت سيطرت على مراتك!”
أحمد رد بعصبية:
“وأنا أعمل إيه؟ أضربها يعني؟”
“كنت تمنعها!”
“أمنعها إزاي؟ البيت بيتها!”
الجملة خرجت منه بعفوية.
ولأول مرة شفت الحاجة نادية تسكت.
لأنها سمعت الحقيقة بصوت ابنها.
البيت بيتي.
مش بيتهم.
بعدها بثواني دخلت هبة من باب الشقة.
كانت جاية كالعادة تزور أحمد رغم إن الوضع كله كان منهار.
لكن أول ما دخلت وشافت الخناقة وقفت.
الحاجة نادية بصتلها وقالت بحدة:
“إنتي جاية تعملي إيه دلوقتي؟”
هبة اتصدمت.
“يعني إيه؟”
“يعني بسببك بيت ابني اتخرب.”
هبة بصت لأحمد.
وأحمد بص للأرض.
وقتها فهمت كل حاجة.
لما الفلوس كانت موجودة كانت هبة حبيبة العيلة.
ولما الفلوس اختفت بقت المشكلة.
هبة خرجت وهي بتعيط.
وأحمد جري وراها.
وأنا وقفت أتفرج.
من غير أي شعور.
بعد يومين فقط حصلت المفاجأة اللي ما كنتش متوقعاها.
كنت في الشركة لما السكرتيرة دخلت عليا وقالت:
“في واحدة عايزة تشوف حضرتك.”
سألتها مين.
قالت:
“بتقول اسمها هبة.”
استغربت.
لكن قلتلها تدخل.
دخلت هبة ووشها باين عليه التعب.
قعدت قدامي وهي متوترة.
وسكتت شوية.
بعدها قالت:
“أنا جاية أعتذر.”
بصيتلها باستغراب.
قالت:
“أنا ما كنتش أعرف الحقيقة.”
ما رديتش.
فكملت كلامها.
“أحمد قالي إنه منفصل عنك من سنة.”
سكتت.
“وقالي إن الجواز بينكم مجرد ورق عشان البنت.”
بدأت تخرج من شنطتها شوية أوراق.
وحطتهم قدامي.
“ولما عرف إنك كشفتيه بدأ يكذب عليا أنا كمان.”
فتحت الأوراق.
وكانت رسائل.
وصور محادثات.
وأدلة جديدة.
كلها تثبت إنه كان بيكذب عليها وعلى الناس كلها.
رفعت عيني ليها.
وسألتها:
“ليه جايبة الكلام ده؟”
قالت وهي دموعها بتنزل:
“لأن الراجل اللي يخون مراته ويستغلها بالشكل ده هيخون أي حد.”
ساعتها فقط حسيت بشوية شفقة عليها.
لأنها هي كمان كانت ضحية.
يمكن بطريقة مختلفة.
لكنها ضحية.
أخدت الأوراق.
وشكرتها.
ومشيت.
بعد خروجها بنص ساعة اتصل بيا المحامي.
ولما سمع مني التفاصيل قال جملة خلتني أبتسم.
“كل ما بيكذب أكتر بيسهل شغلك.”
الأسبوع خلص.
وجاء يوم التنفيذ.
الساعة تسعة صباحًا.
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت المحضر.
والمحامي.
ورجال التنفيذ.
أحمد كان لسه نايم.
الحاجة نادية خرجت من أوضتها مفزوعة.
ولما فهمت اللي بيحصل بدأت تصرخ.
ريهام بدأت تعيط.
لكن المرة دي محدش كان بيسمع.
لأن القانون كان بيتكلم.
وأحمد خرج من أوضته بملابس النوم.
وشه شاحب.
وعينه مليانة رعب.
بص للمحامي.
ثم بصلي.
وقال:
“إنتي بتعملي كده بجد؟”
بصيتله بهدوء.
وقلت:
“بعمل اللي كان لازم أعمله من زمان.”
قرب مني.
“بعد عشرة سنين جواز؟”
ضحكت ضحكة صغيرة.
“العشرة سنين دول أنا اللي كنت شايلهم لوحدي.”
سكت.
لأن ماعندوش رد.
بعد ساعات قليلة كانت شنطهم كلها متجمعة.
الحاجة نادية خارجة.
وريهام خارجة.
وأحمد واقف في آخر الصالة.
بيبص حواليه.
لأول مرة يدرك إنه فقد كل حاجة.
وقبل ما يخرج وقف قدامي.
وقال بصوت مكسور:
“إنتي عمرك ما حبيتيني.”
الكلمة كانت مضحكة لدرجة إني ما عرفت أرد فورًا.
ثم قلت:
“أنا حبيتك أكتر من نفسي.”
سكت.
كملت:
“بس إنت حبيت نفسك أكتر من أي حد.”
ولفيت وشي ومشيت.
الباب اتقفل وراهم.
ولأول مرة من سنين.
البيت بقى هادي.
هادئ بشكل غريب.
قعدت على الكنبة.
وبصيت حوالي.
مافيش صراخ.
مافيش طلبات.
مافيش استغلال.
مافيش حد بيحسب فلوسي قبل ما تدخل حسابي.
وفجأة حسيت بوزن ضخم بيتشال من فوق صدري.
في نفس اللحظة خرجت مريم من أوضتها.
بصت حواليها.
وقالت:
“تيتا مشيت؟”
ابتسمت.
وقلت:
“آه.”
سكتت شوية.
وبعدين سألت:
“مش هتقعد هنا تاني؟”
حضنتها.
وقلت:
“لا يا حبيبتي.”
ولأول مرة من شهور.
شفت ابتسامة حقيقية على وشها.
بعد شهرين اتحدد أولى جلسات الطلاق.
أحمد كان شكله مختلف تمامًا.
خس.
وشاحب.
والثقة اللي كانت مالية وشه اختفت.
أما أنا فكنت قاعدة هادية.
مستريحة.
ولأول مرة داخلة قاعة محكمة وأنا عارفة إن الحق معايا بالكامل.
القاضي اطلع على المستندات.
التحويلات.
الأدلة.
التقارير.
والشهادات.
وكان واضح جدًا مين اللي كان بيتحمل كل حاجة.
بعد الجلسة خرج أحمد يجري ورايا.
ناداني.
استنيت.
وقف قدامي.
وعينه مليانة دموع.
وقال:
“ممكن نبدأ من جديد؟”
بصيتله ثواني.
افتكرت أول يوم اتجوزناه.
وافتكرت أول حضن.
وأول حلم.
وبعدين افتكرت مريم وهي قاعدة لوحدها في البلكونة تاكل عيش ناشف بينما الناس اللي عايشين من فلوسي بيتعشوا جمبري وكابوريا.
افتكرت جملة واحدة.
“بلاش دراما.”
وقتها بس ابتسمت.
وقلت:
“إحنا بالفعل بدأنا من جديد.”
بصلي بأمل.
لكن كملت كلامي.
“بس كل واحد في طريق.”
وسبته واقف مكانه.
ومشيت.
بعد ستة شهور كانت حياتي اتغيرت بالكامل.
مريم بقت أسعد.
بقت تضحك أكتر.
وتتكلم أكتر.
وتجري في البيت من غير خوف.
أما أنا فبقيت أرجع من الشغل ألاقي بيتي بيتنفس راحة.
وفي يوم وأنا قاعدة في البلكونة نفسها اللي بنتي كانت قاعدة فيها تاكل العيش الناشف.
حطيت قدامي طبق فاكهة.
وكانت مريم بتجري وتضحك.
وقفت فجأة.
وبصتلي.
وقالت:
“ماما.”
“نعم يا حبيبتي؟”
ابتسمت وقالت:
“أنا مبسوطة.”
الجملة كانت بسيطة جدًا.
لكنها كانت تساوي عندي ملايين.
لأن كل اللي عملته.
وكل اللي استحملته.
وكل اللي خسرته.
كان علشان الجملة دي.
ولأول مرة من سنين طويلة.
بصيت للسما.
واتنفست براحة.
وعرفت إن العدالة أحيانًا ما بتيجيش في صورة انتقام.
أحيانًا بتيجي في صورة بيت هادي.
وطفلة شبعانة.
وأم أخيرًا بطلت تعتذر عن حقها.
يتبع