تجاوزات حكـايـات أسمـا ×3

الفصل السادس

 

ظل كريم واقفًا مكانه عدة ثوانٍ غير قادر على استيعاب ما يراه.

 

كان الرجل الجالس أمامه هو عمه حسام.

 

شقيق والده الأصغر.

 

الرجل الذي دخل بيتهم آلاف المرات.

 

والذي كان يجلس معهم في المناسبات والأعياد.

 

والذي طالما تحدث عن حب العائلة والترابط بينهم.

 

لم يتخيل كريم يومًا أن يكون اسمه موجودًا وسط كل تلك الخيوط المظلمة.

 

نظر إليه حسام بهدوء غريب.

 

ثم أغلق الملف الذي كان أمامه.

 

وقال:

 

“كنت عارف إنك هتوصل.”

 

شعر كريم بغضب هائل.

 

تقدم نحوه.

 

وقال:

 

“إنت اللي عملت كل ده؟”

 

لم يجب حسام فورًا.

 

بل ظل ينظر إليه للحظات طويلة.

 

ثم قال:

 

“أيوه.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل حتى إن كريم سمع صوت أنفاسه.

 

قال بصوت مرتجف:

 

“ليه؟”

 

ابتسم حسام ابتسامة باهتة.

 

وقال:

 

“علشان أبوك.”

 

اتسعت عينا كريم.

 

أما حسام فاستند إلى مقعده.

 

وبدأ يتحدث.

 

قبل ثلاثين عامًا كان والد كريم هو المسيطر على معظم أعمال العائلة.

 

وكان الجميع يثق به.

 

لكن حسام كان يرى الأمور بطريقة مختلفة.

 

كان مقتنعًا أن أخاه حرمه من أشياء كثيرة.

 

وكان يعتقد أن نجاح أخيه جاء على حسابه.

 

مرت السنوات.

 

وكبر الحقد داخله.

 

حتى تحول إلى رغبة في الانتقام.

 

لكنه لم يستطع الوصول إلى أخيه مباشرة.

 

فقرر أن يضربه من خلال ابنه.

 

من خلال كريم.

 

وعندما سنحت الفرصة استغل ضعف أم كريم.

 

وأقنعها بأشياء كثيرة.

 

ثم ساعد في إدخال سمر إلى حياة كريم.

 

ومن هناك بدأت الكارثة.

 

كان يتحدث وكأنه يروي قصة عادية.

 

أما كريم فكان يشعر أن عالمه كله ينهار.

 

قال بغضب:

 

“دمرت حياتي علشان خلاف قديم؟”

 

رد حسام ببرود:

 

“أنا ما دمرتش حياتك.”

 

ثم أضاف:

 

“أنا فتحت الباب بس… والباقي عملته بإيدك.”

 

كانت الكلمات مؤلمة.

 

لأن جزءًا منها كان صحيحًا.

 

نعم.

 

هناك من خطط.

 

لكن كريم نفسه هو الذي اتخذ القرارات.

 

هو الذي تجاهل التحذيرات.

 

وهو الذي طرد أقرب الناس إليه.

 

وهو الذي هدم زواجه بيديه.

 

خرج كريم من ذلك المكان وهو يشعر أن الهواء يختنق في صدره.

 

وفي اللحظة نفسها تقريبًا كنت أنا داخل المستشفى.

 

الأطباء يتحركون حولي بسرعة.

 

وأمي تجلس بجواري وهي تبكي.

 

لحسن الحظ لم يكن الأمر خطيرًا كما خفنا.

 

لكن الطبيبة أكدت أنني أعاني من إرهاق شديد وتوتر متواصل.

 

وقالت بلهجة حازمة:

 

“لازم تبعدي عن أي ضغط.”

 

ابتسمت في مرارة.

 

وكأن الضغط شيء يمكن إغلاقه بضغطة زر.

 

خرجت من المستشفى مساء ذلك اليوم.

 

لكنني لم أكن أعلم أن الأيام القادمة تحمل مفاجآت أكبر.

 

بعد أسبوع واحد فقط.

 

وصلتني رسالة مجهولة.

 

لم يكن فيها سوى صورة.

 

صورة قديمة جدًا.

 

نظرت إليها باستغراب.

 

ثم شعرت بالصدمة.

 

كانت صورة زفافي.

 

لكن الغريب أن الصورة لم تكن من الصور التي أملكها.

 

كانت ملتقطة من زاوية بعيدة.

 

وكأن شخصًا كان يراقب الحفل.

 

وتحت الصورة جملة قصيرة:

 

“الحقيقة بدأت.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

وأسرعت بالاتصال بكريم.

 

كان أول مرة أتصل به من تلقاء نفسي منذ شهور.

 

رد بسرعة.

 

وكأنه كان ينتظر.

 

قلت:

 

“وصلتلي رسالة غريبة.”

 

أرسلت له الصورة.

 

وبعد دقائق فقط اتصل بي.

 

كان صوته متوترًا.

 

وقال:

 

“متخرجيش لوحدك.”

 

سألته:

 

“في إيه؟”

 

لكنه لم يجب.

 

وقال فقط:

 

“أنا جاي.”

 

وصل بعد أقل من ساعة.

 

وعندما رأيته لأول مرة منذ فترة طويلة.

 

لاحظت كم تغير.

 

لم يعد ذلك الرجل الواثق الذي كان يعرفه الجميع.

 

ولا ذلك الشخص الغاضب الذي طلقني.

 

بدا وكأنه رجل خرج من حرب طويلة.

 

جلس أمامي.

 

وأخرج مجموعة صور أخرى.

 

صور قديمة.

 

وصور حديثة.

 

وأسماء.

 

وتحويلات مالية.

 

وقال:

 

“الموضوع أكبر مما كنا فاكرين.”

 

ثم أخبرني بكل ما اكتشفه.

 

وأخبرني عن عمه.

 

وعن الخطة.

 

وعن السنوات الطويلة من الحقد.

 

لكن أكثر ما صدمني لم يكن ذلك.

 

بل شيء آخر.

 

شيء جعل الدم ينسحب من وجهي.

 

قال:

 

“في حد لسه شغال معاهم.”

 

رفعت رأسي نحوه.

 

فأكمل:

 

“وهو قريب جدًا مننا.”

 

في تلك اللحظة فقط أدركت أن الكابوس لم ينتهِ بعد.

 

وأن حسام لم يكن آخر شخص في هذه اللعبة.

 

بل مجرد طرف واحد منها.

 

أما الطرف الآخر فما زال حرًا.

 

ويراقبنا.

 

وينتظر.

 

وفي الليلة نفسها.

 

بينما كنت أحاول النوم.

 

سمعت صوتًا غريبًا في حديقة المنزل.

 

في البداية ظننته قطًا أو شيئًا عابرًا.

 

لكن الصوت تكرر.

 

فقمت ببطء واقتربت من النافذة.

 

وأبعدت الستارة قليلًا.

 

وعندها تجمدت في مكاني.

 

كان هناك شخص يقف في الظلام.

 

ينظر مباشرة إلى نافذتي.

 

وعندما لاحظ أنني رأيته.

 

استدار واختفى بسرعة.

 

لكن قبل أن يختفي تمامًا.

 

رأيت وجهه للحظة واحدة فقط.

 

لحظة كانت كافية لأعرفه.

 

ولأشعر أن الخطر أصبح أقرب إلينا من أي وقت مضى.

 

لأن الرجل الذي كان يقف هناك…

 

لم يكن غريبًا.

 

بل كان شخصًا نعرفه جميعًا.

 

شخصًا كنا نثق به.

 

يتبع…

الفصل السابع

 

ظللت واقفة خلف النافذة عدة دقائق كاملة.

 

أنظر إلى المكان الذي اختفى فيه الرجل.

 

وأحاول إقناع نفسي أنني أخطأت.

 

أن الظلام خدعني.

 

أنني لم أرَ ما ظننت أنني رأيته.

 

لكن الحقيقة كانت واضحة.

 

كنت أعرف ذلك الوجه جيدًا.

 

بل أكثر مما ينبغي.

 

أمسكت هاتفي بيد مرتجفة واتصلت بكريم فورًا.

 

رد بعد الرنة الأولى.

 

وكأنه لم يكن نائمًا أصلًا.

 

قلت بصوت متوتر:

 

“في حد كان واقف تحت البيت.”

 

ساد الصمت لثوانٍ.

 

ثم سأل بسرعة:

 

“مين؟”

 

ابتلعت ريقي.

 

وقلت الاسم.

 

في البداية لم يصدق.

 

ثم كررت الاسم مرة أخرى.

 

فسمعته ينهض من مكانه فجأة.

 

وقال:

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

أغمضت عيني.

 

وأجبت:

 

“متأكدة.”

 

أغلق الهاتف وأخبرني أنه قادم.

 

وخلال أقل من نصف ساعة كان أمام المنزل.

 

تفقد المكان كله.

 

لكن الرجل اختفى.

 

وكأنه تبخر.

 

جلسنا داخل الصالة.

 

أنا وكريم وأبي وأمي.

 

وكان الصمت يسيطر على الجميع.

 

لأن الاسم الذي ذكرته لم يكن اسم شخص عادي.

 

بل اسم سامح.

 

أفضل صديق لكريم منذ أيام الجامعة.

 

الرجل الذي وقف بجواره في كل مراحل حياته.

 

والذي كان يعرف تفاصيل حياته أكثر من بعض أفراد عائلته.

 

قال أبي ببطء:

 

“ممكن يكون سوء تفاهم.”

 

لكن كريم لم يبدُ مقتنعًا.

 

لأنه تذكر شيئًا فجأة.

 

تذكر أن سامح كان حاضرًا تقريبًا في كل مرحلة من مراحل الأزمة.

 

كان يعرف تفاصيل الخلافات.

 

ويعرف تحركات كريم.

 

ويعرف أماكن وجوده.

 

بل وكان من أوائل الأشخاص الذين شجعوه على الابتعاد عني عندما بدأت مشكلاتنا.

 

في ذلك الوقت لم ينتبه أحد.

 

أما الآن فقد بدأت الصورة تختلف.

 

وفي اليوم التالي بدأ كريم يبحث خلف سامح.

 

في البداية لم يجد شيئًا.

 

ثم ظهرت أول مفاجأة.

 

أحد التحويلات المالية التي اكتشفها سابقًا كانت مرتبطة بحساب يعود إلى شركة صغيرة.

 

وعندما تعمق أكثر اكتشف أن مالكها الحقيقي ليس إلا سامح نفسه.

 

شعر كريم بصدمة عنيفة.

 

لكنه أكمل البحث.

 

وكلما تقدم خطوة ظهرت أسرار جديدة.

 

حتى وصل إلى حقيقة لم يكن يتخيلها.

 

سامح كان يعمل مع عمه حسام منذ سنوات.

 

ليس بدافع الحقد.

 

ولا بدافع الانتقام.

 

بل بدافع المال.

 

كان يحصل على مبالغ ضخمة مقابل نقل الأخبار.

 

ومراقبة كريم.

 

ومعرفة كل ما يحدث في حياته.

 

وكلما زادت المعلومات.

 

زادت الأموال.

 

وحين أخبرني كريم بما اكتشفه شعرت بالغثيان.

 

لأن معنى ذلك أن كل ما مررنا به كان مراقبًا.

 

كل خلاف.

 

كل مشكلة.

 

كل لحظة ضعف.

 

كان هناك من يتابعها وينقلها.

 

وكأن حياتنا كلها كانت لعبة في أيدي أشخاص آخرين.

 

لكن المفاجأة الأكبر لم تأتِ بعد.

 

بعد أيام قليلة تلقى كريم اتصالًا من محامٍ قديم كان يعمل مع والده.

 

طلب مقابلته بشكل عاجل.

 

وعندما التقيا.

 

وضع الرجل ملفًا كبيرًا فوق الطاولة.

 

وقال:

 

“كان لازم تعرف الحقيقة من زمان.”

 

فتح كريم الملف.

 

وبدأ يقرأ.

 

ومع كل صفحة كان وجهه يتغير أكثر.

 

ثم رفع رأسه فجأة.

 

وقال:

 

“مستحيل.”

 

لكن المحامي هز رأسه.

 

وقال:

 

“للأسف دي الحقيقة.”

 

وعندما عاد إليّ مساء ذلك اليوم كان شاحبًا بصورة لم أرها من قبل.

 

جلس بصمت طويل.

 

ثم قال:

 

“أنا طول عمري كنت فاهم الحكاية غلط.”

 

سألته:

 

“حكاية إيه؟”

 

فقال:

 

“عمي حسام.”

 

ثم أخبرني بشيء قلب الأحداث كلها.

 

اتضح أن الخلاف القديم بين والده وعمه لم يكن كما رواه حسام.

 

بل كان العكس تقريبًا.

 

فوالد كريم لم يسرق حق أخيه.

 

ولم يحرمه من شيء.

 

بل أنقذه أكثر من مرة من الإفلاس.

 

وسدد عنه ديونًا ضخمة.

 

وأعطاه فرصًا متكررة للنجاح.

 

لكن حسام كان يخسر كل مرة بسبب قراراته الخاطئة.

 

ومع مرور السنين بدأ يقنع نفسه أن الآخرين سبب فشله.

 

حتى تحول الوهم إلى حقيقة داخل عقله.

 

ثم تحول إلى حقد.

 

ثم إلى انتقام.

 

أما سامح فقد استغل ذلك كله للحصول على المال.

 

وبينما كنا نحاول استيعاب كل هذه الحقائق.

 

كانت هناك حقيقة أخرى تتحرك بصمت.

 

حقيقة لم يكن أحد منتبهًا لها.

 

في أحد أيام المتابعة الطبية أخبرتني الطبيبة أن هناك مشكلة بسيطة تحتاج إلى مراقبة مستمرة.

 

لم تكن خطيرة.

 

لكنها استدعت راحة أكبر.

 

ومتابعة أدق.

 

وهنا بدأ كريم يصر على مرافقتي في كل زيارة.

 

في البداية رفضت.

 

لكن مع الوقت وجدت نفسي أقبل.

 

ليس لأنني سامحته.

 

بل لأنني رأيت لأول مرة حجم الندم الذي يحمله.

 

كان يحاول أن يصلح كل شيء.

 

حتى الأشياء التي لا يمكن إصلاحها.

 

وفي إحدى الليالي بينما كنا نعود من المستشفى.

 

لاحظنا سيارة تسير خلفنا.

 

مرة أخرى.

 

نفس الشعور القديم.

 

نفس التوتر.

 

لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد شك.

 

لأن السيارة استمرت خلفنا لمسافة طويلة.

 

ثم اقتربت أكثر.

 

ثم أكثر.

 

حتى أصبح واضحًا أنها تراقبنا.

 

نظر كريم في المرآة.

 

وتغير وجهه.

 

ثم قال بهدوء مخيف:

 

“امسكي كويس.”

 

وقبل أن أسأله لماذا.

 

ضغط على المكابح فجأة.

 

فانحرفت السيارة التي خلفنا بعنف.

 

وكادت تصطدم بالحاجز الجانبي.

 

ثم انطلقت هاربة بسرعة كبيرة.

 

لكن قبل أن تختفي.

 

استطاع كريم رؤية السائق.

 

وعندما رآه شعر بصدمة أكبر من كل ما سبق.

 

لأن الشخص خلف المقود لم يكن سامح.

 

ولم يكن حسام.

 

ولم يكن أي اسم عرفناه من قبل.

 

بل امرأة.

 

امرأة كان الجميع يعتقد أنها اختفت من حياتنا إلى الأبد.

 

سمر.

 

لكن السؤال الذي جعل النوم يهرب من أعيننا تلك الليلة كان:

 

كيف عادت؟

 

ولماذا عادت الآن بالتحديد؟

 

وما السر الذي جعلها تخاطر بالظهور من جديد بعدما انهارت كل خططها؟

 

الإجابة كانت مخبأة في مكان لم يخطر ببال أحد.

 

مكان سيقودنا إلى السر الأخطر منذ بداية القصة.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *