فارس حكايات اسما ×4
الفصل الثامن
فارس أعاد تشغيل الفيديو ثلاث مرات.
ثم أربع.
ثم خمس.
…
كل مرة كان يسمع نفس الصوت.
…
نفس النبرة.
…
نفس الطريقة الهادئة اللي عمه كريم كان بيتكلم بيها طول عمره.
…
لكن المرة دي.
…
ما كانش بيتكلم كرجل أعمال.
…
ولا كعم حنون.
…
كان بيتكلم كرجل حاصرته الحقيقة أخيرًا.
…
رفع رأسه ناحية بسمة.
…
وقال:
“الفلاشة فين؟”
…
بسمة سكتت.
…
لثواني طويلة.
…
ثم قالت:
“لو اديتهاله.”
…
“هيق*تل مالك برضه.”
…
فارس كان يعرف إنها محقة.
…
لأن الناس اللي تق*تل مرة.
…
تقدر تق*تل ألف مرة.
…
قال:
“محتواها إيه؟”
…
بسمة أخذت نفسًا عميقًا.
…
ثم أخرجت سلسلة صغيرة من تحت ملابسها.
…
وفي نهايتها مفتاح صغير جدًا.
…
فتحت درجًا سريًا في الطاولة الجانبية.
…
وأخرجت علبة معدنية قديمة.
…
ومن داخلها.
…
ظهرت الفلاشة.
…
الفلاشة التي مات حسام وهو يحاول حمايتها.
…
جلس فارس أمام الكمبيوتر.
…
وأدخلها.
…
ثوانٍ.
…
ثم ظهرت الملفات.
…
عشرات الملفات.
…
تقارير.
…
عقود.
…
تحويلات مالية.
…
وصور.
…
لكن الملف الأخير.
…
كان الأخطر.
…
فيديو مسجل بواسطة حسام بنفسه.
…
ضغط تشغيل.
…
وظهر حسام.
…
أصغر سنًا.
…
مرهق.
…
لكن عينيه مليانة إصرار.
…
وقال:
“إذا وصلتوا للفيديو ده.”
…
“يبقى معناه إني غالبًا ميت.”
…
بسمة أغمضت عينيها.
…
أما فارس فواصل المشاهدة.
…
قال حسام:
“الحادثة اللي الناس كلها تعرفها كانت مجرد غطاء.”
…
“الانفجار ما كانش المشكلة.”
…
“المشكلة كانت المخلفات.”
…
فارس انتبه فورًا.
…
المخلفات؟
…
حسام أكمل:
“لسنوات طويلة.”
…
“كان فيه دفن غير قانوني لمخلفات صناعية خطيرة.”
…
“والمنطقة اللي اتدفنت فيها قريبة من قرى كاملة.”
…
“ومياه جوفية بيشرب منها آلاف الناس.”
…
الصمت خيم على الغرفة.
…
أما الفيديو فأكمل.
…
“ولما اكتشفت الموضوع.”
…
“بلغت الإدارة.”
…
“في البداية افتكرت إنهم هيصلحوا الوضع.”
…
“لكن اكتشفت إنهم هم السبب.”
…
ثم رفع ملفًا أمام الكاميرا.
…
وقال:
“كل الأدلة موجودة هنا.”
…
“والشخص اللي كان بيدير العملية كلها…”
…
توقف لحظة.
…
ثم قال الاسم.
…
“كريم المنصور.”
…
بسمة بدأت تبكي.
…
أما فارس.
…
فكان يشعر أن الأرض تهتز تحته.
…
لأن حجم الج*ريمة أكبر بكثير مما توقع.
…
مش مجرد فساد.
…
ولا سرقة.
…
ولا حادثة مصنع.
…
دي كارثة كاملة.
…
سنوات من التستر.
…
ومئات الضحايا المحتملين.
…
وفجأة.
…
رن هاتف فارس.
…
رقم مجهول.
…
رد فورًا.
…
وجاءه صوت كريم.
…
هادئًا بشكل مرعب.
…
“شوفت الفلاشة؟”
…
فارس لم يرد.
…
فأكمل كريم:
“إذن عرفت الحقيقة.”
…
“وعرفت ليه لازم تختفي.”
…
قال فارس ببرود:
“فين مالك؟”
…
ضحك كريم.
…
وقال:
“لسه عايش.”
…
“بس مش لوقت طويل.”
…
قبض فارس على الهاتف بقوة.
…
وقال:
“لو لمسته.”
…
لكن كريم قاطعه.
…
“بلاش تهديدات.”
…
“أنت مش في وضع يسمحلك.”
…
ثم سكت لحظة.
…
وأضاف:
“تعالى لوحدك.”
…
“وخد الولد.”
…
“لكن هات الفلاشة.”
…
وأرسل عنوانًا.
…
مخزن قديم على أطراف السويس.
…
نفس المنطقة تقريبًا التي بدأت فيها القصة.
…
وأغلق الخط.
…
الصمت عاد من جديد.
…
بسمة كانت ترتجف.
…
وقالت:
“ما تروحش.”
…
“ده فخ.”
…
فارس نظر إليها.
…
ثم إلى صورة مالك على الشاشة.
…
ثم قال بهدوء:
“عارف.”
…
“بس لازم أروح.”
…
قبل الغروب بساعتين.
…
كان يقود وحده نحو المخزن.
…
والفلاشة في جيبه.
…
لكن ما لم يعرفه كريم.
…
أن فارس لم يعد وحده في المعركة.
…
لأنه قبل خروجه بدقائق.
…
كان قد أرسل نسخة كاملة من كل الملفات.
…
إلى ثلاث جهات مختلفة.
…
ومعها رسالة قصيرة.
…
“إذا لم أعد الليلة.”
…
“انشروا كل شيء.”
…
وصل إلى المخزن.
…
وترجل من السيارة.
…
والهواء الصحراوي الساخن يلف المكان.
…
الباب الحديدي كان مفتوحًا.
…
والظلام يملأ الداخل.
…
ثم سمع صوتًا.
…
صوت طفل.
…
“أستاذ فارس!”
…
التفت فورًا.
…
وكان مالك.
…
مقيدًا.
…
لكنه حي.
…
وقبل أن يتحرك خطوة واحدة نحوه.
…
خرج كريم من الظلام.
…
وبيده سلاح.
…
وقال بابتسامة باردة:
“أهلًا يا ابن أخويا.”
…
“تعالى نتكلم عن الإرث الحقيقي لعائلة المنصور.”
يتبع… 🔥🔥🔥
الفصل التاسع
المخزن كان ساكت بشكل مخيف.
…
مالك مقيد على كرسي في آخر القاعة.
…
وكريم المنصور واقف بينه وبين فارس.
…
السلاح في إيده.
…
والابتسامة الباردة على وشه.
…
لكن الغريب.
…
إن كريم ما كانش شكله شخص محاصر.
…
ولا شخص انتهت لعبته.
…
بالعكس.
…
كان شكله مرتاح.
…
كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
…
قال كريم:
“كنت دايمًا أذكى من الباقي.”
…
“بس للأسف.”
…
“متأخر.”
…
فارس وقف مكانه.
…
وقال:
“سيب الولد.”
…
ضحك كريم.
…
وقال:
“لسه بتفكر في الولد؟”
…
“أنا بفكر في مليارات.”
…
“وشركات.”
…
“وإمبراطورية كاملة.”
…
ثم أشار بالسلاح ناحية المخزن.
…
وقال:
“كل اللي شايفه ده.”
…
“أنا اللي بنيته.”
…
فارس رد بحدة:
“بنيته بالكذب.”
…
“وبدم الناس.”
…
لأول مرة.
…
اختفت الابتسامة من وجه كريم.
…
وقال:
“لا.”
…
“بنيته بالشجاعة.”
…
“أنا عملت اللي الباقي خافوا يعملوه.”
…
الصمت خيم على المكان.
…
ثم أكمل كريم.
…
وكأنه أخيرًا قرر يحكي.
…
من عشرين سنة.
…
كانت مجموعة المنصور على وشك الإفلاس.
…
المشاريع بتفشل.
…
والديون بتزيد.
…
والبنوك بدأت تضغط.
…
في الوقت ده.
…
اكتشف كريم طريقة سريعة للنجاة.
…
التخلص غير القانوني من المخلفات.
…
وتزوير تقارير الأمان.
…
وتقليل التكاليف بأي ثمن.
…
في البداية.
…
كان المفروض حل مؤقت.
…
شهر.
…
أو اتنين.
…
ثم توقف.
…
لكن الأرباح بدأت تكبر.
…
والشركة بدأت تنمو.
…
والناس بدأت تصفق.
…
وكل سنة.
…
كان الرجوع أصعب.
…
وأصعب.
…
حتى بقت الإمبراطورية كلها مبنية على أول كذبة.
…
وأول ج*ريمة.
…
ثم ظهر حسام.
…
الرجل اللي رفض يسكت.
…
والرجل اللي كان مستعد يضحي بكل شيء علشان الحقيقة.
…
كريم قال بصوت بارد:
“هو اللي اختار.”
…
“كان ممكن يعيش.”
…
“بس أصر يلعب دور البطل.”
…
فارس شعر بالغضب يشتعل داخله.
…
لكن قبل أن يتكلم.
…
جاء صوت جديد من خلفه.
…
صوت لم يتوقعه أحد.
…
“كفاية.”
…
كريم التفت بسرعة.
…
وفارس أيضًا.
…
وعيناه اتسعتا من الصدمة.
…
لأن الشخص الذي دخل المخزن.
…
كان منصور المنصور.
…
والده.
…
واقف عند الباب.
…
وشعره الأبيض يتحرك مع الهواء.
…
لكن لأول مرة.
…
لم يكن يبدو كرجل أعمال.
…
كان يبدو كرجل يحمل سنوات من الندم.
…
كريم ابتسم بسخرية.
…
وقال:
“أخيرًا وصلت.”
…
منصور اقترب ببطء.
…
ثم نظر إلى مالك.
…
ثم إلى فارس.
…
ثم قال:
“خلصت.”
…
“اللعبة خلصت يا كريم.”
…
لكن كريم رفع السلاح فورًا.
…
ووجهه ناحية أخيه.
…
وقال:
“متقربش.”
…
الصمت رجع من جديد.
…
ومنصور قال بهدوء:
“أنا سكت سنين.”
…
“سنين طويلة.”
…
“وأكبر غلطة عملتها إني افتكرت إن السكوت هيحمي العيلة.”
…
ثم نظر ناحية فارس.
…
وقال:
“سامحني.”
…
الكلمة كانت موجهة لابنه.
…
لكن واضح إنها طالعة من قلبه بعد سنوات طويلة.
…
ثم التفت إلى كريم.
…
وقال:
“أنا اللي هقول الحقيقة.”
…
كريم صرخ:
“اسكت!”
…
لكن منصور أكمل.
…
“أنا عرفت.”
…
“وعرفت كل حاجة.”
…
“وعرفت إن حسام ما ماتش في الحادث.”
…
بسمة شهقت.
…
أما فارس.
…
فشعر أن قلبه توقف.
…
لأن دي أول مرة يسمع الحقيقة كاملة.
…
ومنصور أكمل.
…
“الحادثة كانت غطاء.”
…
“أما حسام.”
…
“فاتق*تل بعدها بيومين.”
…
مالك أغلق عينيه.
…
أما كريم.
…
فكان وجهه يتحول شيئًا فشيئًا إلى الغضب.
…
ثم فجأة.
…
رفع السلاح.
…
لكن قبل أن يضغط الزناد.
…
دوى صوت صفارات سيارات من الخارج.
…
واحدة.
…
ثم اثنتين.
…
ثم عشرات.
…
أضواء زرقاء وحمراء ملأت المخزن من كل اتجاه.
…
كريم تجمد.
…
وفارس ابتسم لأول مرة.
…
لأن الرسائل التي أرسلها قبل ساعات وصلت.
…
والملفات انتشرت.
…
والحقيقة خرجت للنور.
…
ولم يعد هناك طريق للعودة.
…
في ثوانٍ.
…
امتلأ المكان بالضباط.
…
وأُجبر كريم على إلقاء سلاحه.
…
وللمرة الأولى منذ عشرين سنة.
…
انتهى هروبه.
…
لكن قبل أن يقتادوه.
…
التفت ناحية فارس.
…
وقال جملة أخيرة.
…
“الإمبراطورية هتقع.”
…
فارس نظر إليه بهدوء.
…
ثم رد:
“لو كانت مبنية على الج*ريمة.”
…
“يبقى لازم تقع.”
…
الصمت خيم على المكان.
…
ثم اقتادوا كريم بعيدًا.
…
أما مالك.
…
فجرت بسمة نحوه.
…
وفكت قيوده.
…
وضمته بقوة.
…
والطفل أخيرًا سمح لنفسه يبكي.
…
لأن الخوف انتهى.
…
أخيرًا.
الخاتمة
بعد عام كامل.
…
خرجت الحقيقة كلها.
…
وتحملت الشركة خسائر ضخمة.
…
وسقطت أسماء كبيرة.
…
وتمت محاسبة المتورطين.
…
لكن المجموعة لم تنهَر.
…
لأن فارس اتخذ قرارًا مختلفًا.
…
أغلق المصانع المخالفة.
…
وعوض المتضررين.
…
وأنشأ صندوقًا لدعم العمال وأسرهم.
…
وفي أول افتتاح رسمي للمصنع الجديد.
…
كانت بسمة واقفة وسط الحضور.
…
لكن ليس كضحية.
…
ولا كشاهدة.
…
بل كمديرة لقسم السلامة الصناعية.
…
الوظيفة التي استحقتها بجدارتها.
…
أما مالك.
…
فكان يجري بين الناس.
…
ويضحك لأول مرة من غير خوف.
…
وفارس وقف يراقب المشهد.
…
ثم تذكر ليلة المطر.
…
الليلة التي كاد يمر فيها بجوار عربية معطلة دون أن يتوقف.
…
لو كان أكمل طريقه.
…
ما كانش هيعرف الحقيقة.
…
ولا هيعرف حسام.
…
ولا هيقابل بسمة ومالك.
…
ولا كان هينقذ إمبراطوريته من أن تتحول إلى قبر كبير للأسرار.
…
اقترب مالك منه.
…
وقال بابتسامة:
“أنا كبرت.”
…
ضحك فارس.
…
وقال:
“لسه بدري.”
…
لكن الطفل هز رأسه بثقة.
…
وقال:
“لا.”
…
“أنا هبقى مهندس.”
…
ثم أشار إلى بسمة.
…
“زي ماما.”
…
ابتسم فارس.
…
ونظر إلى السماء.
…
وأدرك أن أغلى شيء خرج به من كل ما حدث…
…
لم يكن الشركة.
…
ولا المال.
…
ولا النفوذ.
…
بل الحقيقة.
…
لأن الحقيقة قد تتأخر.
…
وقد تؤلم.
…
لكنها دائمًا تنقذ ما يستحق النجاة.
تمت ❤️
حكـايـات أسمـا السـيد ✨