تحت الفراش حكايات اسما السيد 3

الفصل الثالث — هو كان عارف أبويا
فضلت واقفة عند باب الأوضة والشنطة في إيدي.
الخاتم في الإيد التانية.
وجوزي واقف قدامي، وشه شاحب بطريقة أكدتلي إن داليا ما كانتش بترمي كلام وخلاص.
قلت:
— مال أبويا بالموضوع؟
ما ردش.
داليا كانت لسه على الموبايل.
قالت:
— خليه هو يقولك.
بصيتله.
— اتكلم.
قال:
— نور، إنتِ متعصبة دلوقتي…
ضحكت.
— أنا اكتشفت في ساعة واحدة إن عندك ابن من مرات أخوك، وإنك خبيت عني موته وحقيقته، وإن الخاتم اللي لابساه من سنين كان معمول لست غيري…
قربت منه.
— شايف إن فيه مستوى عصبية أعلى من كده؟
سكت.
قلت:
— كنت تعرف أبويا منين؟
قعد على طرف السرير.
— أبوكي كان يعرف أبويا.
— إزاي؟
— كانوا شركاء.
اتجمدت.
— شركاء في إيه؟
— شركة مقاولات صغيرة.
هزيت راسي.
— أبويا عمره ما قال إن عنده شريك اسمه…
وقفت.
أنا أصلًا ما كنتش أعرف اسم أبو جوزي كامل إلا بعد الجواز.
قلت:
— إنت لما قابلتني أول مرة… كنت عارف أنا مين؟
سكت.
صرخت:
— رد!
— أيوه.
الكلمة دي وجعتني بطريقة مختلفة.
لأن أول لقاء بينا كان من أجمل ذكرياتي.
كنت فاكرة إنه صدفة.
اتقابلنا في فرح واحدة صاحبتي.
هو طلب رقمي.
بعدها بأسبوع خرجنا.
وبعد سنة اتجوزنا.
قلت:
— يعني حتى أول مرة قابلتك فيها ما كانتش صدفة؟
— لأ.
قعدت.
— إنت كنت بتدور عليا؟
— أيوه.
— ليه؟
بص لداليا كأن وجودها على المكالمة مضايقه.
قلت:
— داليا، ما تقفليش.
قالت:
— مش هقفل.
رجعت بصيتله.
— ليه دورت عليا؟
قال:
— بسبب ورق.
ضحكت.
— طبعًا.
— نور…
— كل البلاوي في حياتي بقت بسبب ورق. كمّل.
قال:
— بعد موت أبويا، لقيت ملفات قديمة تخص الشركة.
— وبعدين؟
— كان فيه مشروع كبير دخل فيه أبويا وأبوكي قبل سنين.
— مشروع إيه؟
— أرض.
قلبي اتقبض.
— أنهي أرض؟
ذكر مكان كنت أعرفه.
أرض أبويا القديمة.
الأرض اللي أمي فضلت سنين تقول إن أبويا خسرها قبل ما يموت.
قلت:
— الأرض اتباعت.
قال:
— لأ.
— نعم؟
— جزء منها بس اللي اتباع.
سكت.
— الجزء التاني اتسجل باسم شركة.
— شركة مين؟
— أبوكي وأبويا.
قلت:
— وأنا مالي؟
نزل عينه.
وقتها عرفت.
قلت:
— كانت باسمي؟
قال:
— مش بالضبط.
— أمال؟
— بعد وفاة أبوكي، حصته انتقلت ليكي.
ضحكت وأنا حاسة إني بقيت بتفرج على حياة واحدة غيري.
— وأنا ماعرفش؟
— لا.
— وأمي؟
— كانت تعرف إن فيه نزاع، لكن ما كانتش تعرف التفاصيل.
قلت:
— وإنت قربت مني علشان الأرض؟
قال بسرعة:
— في البداية… أيوه.
الجملة كسرت حاجة جوايا.
يمكن أكتر من خيانته.
لأن الخيانة حصلت مرة.
لكن علاقتنا كلها بدأت بسبب كذبة.
قلت:
— كنت عايز مني إيه؟
— توقيع.
ابتسمت بمرارة.
— واتجوزتني علشان توقيع؟
— لأ!
وقف.
— أنا قربت منك في الأول علشان أفهم موقفك من الأرض.
— وأنا أصلًا ماكنتش أعرف إنها موجودة.
— اكتشفت ده.
— وبعدها؟
— حبيتك.
داليا ضحكت من الموبايل.
— قول الحقيقة كلها.
جوزي صرخ:
— داليا، كفاية!
قلت:
— سيبها.
داليا قالت:
— هو فعلًا حبك.
سكتت لحظة.
— لكن ده ما منعوش إنه يكمل في اللي بدأه.
بصيتله.
— يعني؟
قال:
— بعد الجواز، كان فيه توقيع منك على توكيل.
افتكرت.
بعد شهرين من جوازنا، جابلي شوية ورق.
قال إنها تخص التأمين والحسابات المشتركة.
وقعت من غير ما أقرا.
لأني كنت واثقة فيه.
قلت:
— التوكيل كان يخص الأرض؟
— جزء منه.
— وعملت بيه إيه؟
ما ردش.
قلت:
— بعت الأرض؟
— لأ.
— رهنتها؟
سكت.
شهقت.
— رهنت أرض أبويا؟
قال بسرعة:
— كانت الشركة بتنهار.
— شركتك؟
— شركة أبويا اللي استلمتها.
— استخدمت ملكي علشان تنقذ شركتك؟
— كنت هرجع كل حاجة.
ضحكت.
— واضح إن دي الجملة الرسمية للحرامية.
قال:
— ما سرقتكيش.
— أخذت حاجة ملكي وأنا معرفش اسمها إيه؟
سكت.
قلت:
— الأرض دلوقتي فين؟
قال:
— لسه موجودة.
— والرهن؟
— اتفك من تلات سنين.
— يعني حقي رجع؟
— أيوه.
— وأنا ماعرفتش ليه؟
ما ردش.
داليا قالت:
— علشان فيه حاجة ظهرت بعدها.
غمض جوزي عينه.
قلت:
— إيه؟
داليا ردت:
— عرض شراء.
— بكام؟
قالت رقم.
قعدت.
المبلغ كان ضخم.
أكبر بكتير من أي حاجة تخيلتها.
قلت:
— الأرض تساوي ده كله؟
جوزي قال:
— المنطقة اتغيرت.
— والعرض لسه موجود؟
— فيه عرض أحدث.
— بكام؟
قال رقم أكبر.
بصيتله.
— وإنت كنت ناوي تقوللي إمتى؟
سكت.
قلت:
— ولا كنت ناوي تقول؟
قال:
— كنت بحاول أصلح الموضوع الأول.
— تصلح إيه؟
— الملكية.
— مالها الملكية؟
نظرته خلتني أخاف.
قلت:
— الأرض مش باسمي؟
— جزء منها باسمك.
— والباقي؟
— باسم شخص تاني.
— مين؟
سكت.
داليا قالت:
— أخوه.
اتجمدت.
— أخوه الميت؟
— أيوه.
جوزي قال:
— أبويا سجل جزء باسم ابنه التاني قبل ما يموت.
قلت:
— يعني نص الأرض تقريبًا بتاعتي والنص التاني كان بتاع أخوك؟
— تقريبًا.
— وبعد موته مين ورثه؟
ما ردش.
لكن أنا عرفت.
قلت:
— سليم.
هز راسه.
— أيوه.
كل الخيوط بدأت ترتبط.
أنا.
سليم.
جوزي.
داليا.
الأرض.
قلت:
— علشان كده فضلت تخبي إن سليم ابنك؟
قال:
— لأ.
— لو ثبت رسميًا إن سليم مش ابن أخوك…
سكت.
— هل يفقد ميراث أخوك؟
قال:
— الموضوع القانوني معقد.
ضحكت.
— يعني أيوه.
داليا قالت:
— علشان كده هو كان رافض يعمل تحليل رسمي في الأول.
بصيتله.
— التحليل اللي عملتوه كان سري؟
— أيوه.
— وفي الأوراق الرسمية سليم ابن أخوك؟
— أيوه.
— وإنت سايب طفل يحمل نسب راجل ميت وإنت عارف إنه ابنك؟
قال:
— كنت بحمي مستقبله.
قلت:
— كنت بتحمي الأرض.
— الاتنين.
— وبتحميني أنا برضه طبعًا؟
سكت.
قلت:
— كل مرة بتكدب فيها بتسميها حماية.
فجأة داليا قالت:
— فيه حاجة لازم أقولها.
جوزي رفع راسه بسرعة.
— لأ.
قالت:
— تعبت.
— داليا!
— تعبت من السر ده.
قلت:
— سر إيه؟
صوتها بدأ يرتعش.
— تحليل النسب اللي عملناه من خمس سنين…
سكتت.
— ماكانش أول تحليل.
جوزي وقف.
— اخرسي!
قلبي دق بعنف.
قلت:
— كان فيه تحليل قبله؟
— أيوه.
— إمتى؟
— قبل الحادثة.
بصيت لجوزي.
— أخوك عمل تحليل وهو عايش؟
داليا بدأت تعيط.
— أيوه.
— والنتيجة؟
قالت:
— عرف إن الطفل مش ابنه.
الدنيا سكتت.
قلت:
— يعني ليلة الحادثة…
داليا قالت:
— ماكانش شاكك بس.
سكتت.
— كان متأكد.
بصيت لجوزي.
هو كان عارف إن الكذبة الأخيرة وقعت.
قلت:
— إنت كنت تعرف إن أخوك شاف التحليل؟
ما ردش.
— لما ركبت معاه العربية… كنت عارف؟
قال:
— أيوه.
رجعت خطوة.
— يبقى خناقتكم ما كانتش مجرد اعتراف بخيانة.
— لأ.
— كان معاه دليل إن الطفل اللي في بطن مراته ابنك.
— أيوه.
افتكرت كلامه:
“كان بيحاول يفتح الباب وأنا منعته.”
قلت:
— أخوك كان عايز ينزل من العربية ليه؟
سكت.
قلت:
— إنت قلت إنه كان متعصب وبيحاول يفتح الباب.
ما ردش.
داليا قالت من الموبايل:
— لأنه كان رايح الشرطة.
جوزي صرخ:
— إنتِ ماكنتيش موجودة!
قالت:
— لكنه كلمني قبل ما يخرج.
بصيت للموبايل.
— الشرطة ليه؟
قالت:
— مش علشان الخيانة.
— أمال؟
سكتت.
— علشان الأرض.
حسيت جسمي كله برد.
داليا كملت:
— أخوه اكتشف إن جوزك استخدم توقيعك وتوكيلك في الرهن من غير ما تكوني فاهمة الحقيقة.
— وكان هيبلغ؟
— أيوه.
بصيت لجوزي.
— وإنت كنت بتحاول تمنعه؟
قال:
— كنت بحاول أخليه يستنى.
— ولما حاول ينزل من العربية ما وقفتش.
— الطريق كان خطر.
— ولا كنت خايف يوصل للشرطة؟
سكت.
قربت منه.
— الحادثة كانت فعلًا حادثة؟
قال فورًا:
— أيوه.
— متأكد؟
— أقسم بالله.
— ما تحلفش.
مسكت شنطتي.
المرة دي ما وقفنيش.
لكن قبل ما أخرج، داليا قالت:
— نور…
وقفت.
— إيه؟
— لو هتمشي، خدي الموبايل معاكي.
بصيت لجوزي.
وشه اتغير.
قلت:
— ليه؟
قالت:
— افتحي الملفات الصوتية.
جوزي اندفع ناحية السرير.
أنا سبقتُه وخدت الموبايل.
قال:
— اديهولي.
— ابعد.
— نور، التسجيلات دي مالهاش علاقة بيكي.
داليا قالت:
— تسجيل واحد له علاقة بيها.
قلت:
— اسمه إيه؟
قالت:
— “ليلة الحادثة”.
جوزي اتجمد.
فتحت الملفات.
لقيته.
تاريخ من ست سنين.
ضغطت تشغيل.
في الأول سمعت دوشة عربية.
وبعدين صوت أخوه.
غاضب.
— بكرة الصبح هروح لها.
صوت جوزي:
— بلاش تدخل نور في الموضوع.
أخوه:
— دي أرضها! وإنت استخدمت توقيعها!
جوزي:
— أنا رجعت الفلوس.
أخوه:
— مش دي المشكلة.
ثواني صمت.
وبعدين أخوه قال:
— وأنا هقولها عن داليا والطفل كمان.
صوت جوزي ارتفع:
— إنت عايز تدمر كل حاجة؟
أخوه رد:
— إنت اللي دمرتها.
سمعت صوت فرامل.
وبعدين أخوه صرخ:
— وقف العربية!
جوزي:
— استنى لما نهدا.
— بقولك وقف!
صوت حركة وخناقة.
وبعدين…
أخوه قال جملة خلتني أنسى أتنفس:
— لو حصلي حاجة، التسجيل ده هيوصل لنور.
بعدها صوت جوزي:
— إنت بتهددني؟
ثم صوت أخوه:
— أنا بقولك الحقيقة… لأن أنا بالفعل بعتلها نسخة.
التسجيل توقف فجأة.
رفعت عيني لجوزي.
— بعتلي نسخة؟
هو ما ردش.
قلت:
— أنا عمري ما استلمت حاجة.
داليا قالت:
— يمكن استلمها حد غيرك.
وفجأة افتكرت شيئًا.
بعد الحادثة بست سنين تقريبًا، وبعد موت أخوه بأسبوع، جالي ظرف في الشغل.
أنا ما فتحتهوش.
لأن جوزي كان موجود وقتها بالصدفة.
قال إن الظرف يخص أوراق تأمين خاصة بحادثة أخوه…
وأخده مني.
بصيتله.
هو عرف من وشي إني افتكرت.
قلت:
— الظرف.
نزل عينه.
— إنت أخدته.
سكت.
— كان فيه نسخة من التسجيل؟
قال بصوت واطي:
— أيوه.
دموعي نزلت.
— يعني الحقيقة وصلت لحد إيدي من ست سنين…
وسكت.
— وإنت سرقتها مني.
ماعرفش يرد.
فتحت باب الأوضة.
قال:
— نور، أرجوكي.
لفيتله للمرة الأخيرة.
— أنا مش ماشية علشان عندك ابن.
سكت.
— ومش ماشية علشان حبيت واحدة قبلي.
رفعت الخاتم القديم.
— أنا ماشية لأن كل حاجة حلوة كنت فاكرة إنها حصلت بينا باختيارنا، اكتشفت إن وراها سر.
حطيت الخاتم فوق الكومود.
— أول مقابلة.
— الجواز.
— الأرض.
— رفضك للخلفة.
— سفرياتك.
— وحتى الخاتم.
بصيتله.
— أنا مش عارفة أنهي نسخة منك كانت جوزي أصلًا.
وخرجت.
لكن وأنا بنزل السلم، الموبايل القديم اهتز في إيدي.
رسالة وصلت من رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها سطر واحد:
“لو أخيرًا الموبايل وصل لنور، يبقى لازم تعرف إن أخوه ما ماتش في مكان الحادث.”
وقفت على السلم.
قريت الرسالة تاني.
وتحتها صورة مرفقة.
فتحتها.
صورة من تقرير إسعاف قديم.
وقت العثور على أخو جوزي.
ومكان العثور عليه…
كان بعيد عن العربية المحطمة بأكتر من كيلومتر.
يعني بعد الحادثة…
حد نقل أخوه من مكانه قبل ما الإسعاف يوصل.
رفعت عيني ناحية باب الشقة فوقي.
وفهمت إن السؤال ما بقاش:
هل جوزي تسبب في الحادثة؟
السؤال بقى:
إيه اللي عمله بعد الحادثة… وأخوه كان لسه عايش؟
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *