وثبقة طلاق اسما السيد 2

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط متوتر على باب الشقة.
فتحت وأنا لسه بشعري المربوط بعشوائية وهدومي البيتية، لقيت منى واقفة قدامي وشها متوتر بشكل عمري ما شفته عليها قبل كده.
دخلت بسرعة وقفلت الباب وراها وقالت: — “كريم اتحفظ عليه.”
قلبي دق بعنف.
مش خوفًا عليه… لكن لأن اللعبة بدأت تتحول لحرب حقيقية.
آدم كان لسه نايم في أوضته، فوطيت صوتي: — “إمتى؟”
— “الفجر. النيابة طلبته للتحقيق بعد مراجعة أول دفعة مستندات.”
سكتت لحظة وبعدين كملت: — “واضح إن الموضوع أكبر مما كنا متوقعين.”
قعدت على الكنبة الصغيرة وأنا حاسة بثقل غريب فوق صدري.
أنا كنت عايزة أحمي ابني… بس فجأة بقيت حاسة إني فتحت باب جحيم.
منى لاحظت ارتباكي فقربت مني: — “ليلى، بصيلي… اللي عملتيه صح. لو ماكنتيش اتحركتي، كان زمانه ورطك معاه رسمي.”
غمضت عيني للحظة.
الذكريات بدأت ترجع واحدة واحدة…
من حوالي أربع سنين، كريم بدأ يتغير.
مش من ناحيتي أنا… من ناحية الفلوس.
بقى مهووس بشكل مرضي بالمظاهر.
عربية جديدة كل سنة. ساعات بمبالغ خرافية. سفرات فجائية. حفلات مع رجال أعمال عمرنا ما سمعنا عنهم قبل كده.
كنت بسأله أحيانًا: — “كل ده منين؟”
فيضحك بثقة: — “شغل وشطارة.”
ولأني كنت بحاول أحافظ على البيت… صدقت.
أو يمكن كنت بكذب على نفسي.
لكن بعد فترة بدأت ألاحظ حاجات أغرب.
مكالمات نص الليل. أسماء شركات ماعرفهاش. وأوقات كان يدخل المكتب ويقفل الباب بالساعات.
مرة دخلتله بالقهوة بدون خبط.
اتفزع بشكل مبالغ فيه وقف بسرعة قفل اللاب توب.
وقتها ضحكت وقولت: — “إنتَ بتخوني ولا إيه؟”
بصلي ثواني طويلة… ثواني طويلة بشكل مخيف.
وبعدين قال: — “في حاجات الأحسن ما تدخليش نفسك فيها.”
الجملة دي فضلت عايشة جوايا سنين.
دلوقتي بس فهمت معناها الحقيقي.
— “ماما؟”
صوت آدم قطع أفكاري.
خرج من أوضته وهو بيفرك عينه بنعاس. أول ما شاف منى ابتسم: — “طنط منى!”
منى حضنته فورًا، لكني لمحت الحزن في عينيها.
آدم كان نسخة مصغرة من كريم… نفس العينين. نفس الابتسامة. حتى طريقته في رفع حاجب واحد وهو مستغرب.
وده كان أكتر شيء يوجعني.
خفت يومًا يطلع شبهه من جواه كمان.
آدم قعد جنبي وقال: — “هو بابا لسه زعلان منك؟”
السؤال نزل عليا كضربة.
بصيتله بحذر: — “ليه بتسأل؟”
هز كتفه الصغير: — “عشان بطل يكلمني.”
اتجمدت مكاني.
— “يعني إيه؟”
طلع تابلت صغير من جنبه وفتح الرسائل.
آخر رسالة من كريم لابنه كانت من أسبوعين:
“خليك راجل واسمع كلام أمك.”
بس.
مفيش سؤال. مفيش اشتياق. مفيش حتى “بحبك”.
قلبي وجعني على آدم بشكل ما أقدرش أوصفه.
الطفل ده كان فاكر إن أبوه بطل.
وكان كريم مستعد يبيعه مقابل عقارات.
خدت نفس طويل وقلت: — “بابا عنده مشاكل دلوقتي.”
آدم سكت شوية قبل ما يسأل بصوت بريء: — “هو أنا السبب؟”
حسيت روحي بتتقطع.
شديته لحضني بسرعة: — “لا يا حبيبي… إنت أحسن حاجة حصلت في حياتنا كلنا.”
لكن حتى وأنا بقولها… كنت عارفة إن كريم عمره ما شافه كده.
بعد الضهر، رن موبايلي برقم غريب.
رديت بحذر.
— “مدام ليلى؟”
— “أيوه.”
— “أنا الرائد حسام من النيابة الاقتصادية. محتاجين حضرتك تحضري للإفادة.”
بصيت لمنى.
هي فهمت فورًا من ملامحي.
بعد ما قفلت قالت: — “كنت متوقعة.”
بلعت ريقي: — “أنا خايفة يا منى.”
— “طبيعي تخافي.”
— “لو كريم حاول يورطني؟”
منى قربت مني بثبات: — “إحنا سبقناه بخطوات. كل البلاغات متقدمة قبل التنازل. وكل المستندات تثبت إنك المتضررة.”
لكن رغم كلامها… الخوف فضل قاعد جوايا.
مش خوف السجن.
خوف المواجهة.
لأن كريم لما يتحاصر… بيتحول لوحش.
وأنا أعرف ده أكتر من أي حد.
قبل خمس سنين، حصل أول موقف خلاني أخاف منه بجد.
كنا في حفلة عند رجال أعمال في الساحل. واحدة ست قربت منه زيادة عن اللزوم وكانت بتضحك بصوت عالي وهو معاها.
بعد ما رجعنا الفندق، سألته بهدوء: — “هي مين؟”
فجأة انفجر.
مسك الكوباية ورماها في الحيطة جنب راسي.
الزجاج اتكسر في كل مكان.
فضل يزعق: — “ما تعمليش نفسك محققة! أنا اللي صارف عليكي!”
وقتها كنت حامل في آدم بالشهر التالت.
افتكر إني سكت خوفًا على الجنين.
لكن الحقيقة؟ أنا سكت لأن جزء مني اتكسر.
ومن يومها… بقيت أخاف أزعله.
أخاف أعترض. أخاف أسأل. أخاف حتى أبصله غلط.
كريم كان يعرف يسيطر بدون ما يمد إيده. وده أسوأ نوع سيطرة.
الساعة خمسة مساءً، كنت قاعدة في النيابة قدام محقق هادي بشكل مستفز.
كان بيقلب في الملفات ويسأل أسئلة دقيقة جدًا.
— “حضرتك كنتِ على علم بالشركات دي؟”
— “لا.”
— “التوقيعات الإلكترونية المستخدمة تخصك.”
— “اتعملت بدون علمي.”
رفع عينه وبصلي مباشرة: — “ليه ما بلغتيش بدري؟”
السؤال وجعني.
لأن إجابته الحقيقية كانت مهينة.
لأني كنت زوجة خائفة.
لكنّي قلت: — “لأني اكتشفت مؤخرًا.”
المحقق فضل ساكت شوية… كأنه بيقرر يصدقني أو لا.
وبعدين قال: — “في شاهد طلب مقابلتك.”
استغربت: — “مين؟”
— “طليقك.”
قلبي وقع.
— “دلوقتي؟”
— “لو حابة.”
منى شدّت على إيدي: — “مش لازم.”
لكنّي… وافقت.
مش عارفة ليه.
يمكن لأن جزء مني كان محتاج يشوفه بعدما وقع.
دخلت غرفة صغيرة باردة.
ولقيته قاعد هناك.
أول حاجة لاحظتها… إنه شكله اتغير.
في أقل من ٢٤ ساعة.
دقنه طالعة. عينه حمرا. وقميصه متكرمش.
الرجل اللي كان دايمًا مهووس بصورته… كان منهار.
أول ما شافني وقف بسرعة: — “ليلى.”
صوته كان مبحوح.
وقفت بعيد بدون ما أتكلم.
قرب خطوة: — “إنتِ عملتي فيا كده ليه؟”
ضحكت بمرارة: — “بجد بتسأل؟”
— “أنا عمري ما كنت هأذيكي.”
الجملة خلتني أفتكر الزجاج اللي اتكسر جنب وشي. الخوف. الإهانة. السنين اللي عشتها بمشي على أطراف صوابعي.
قلت بهدوء: — “إنت أذيتني من زمان يا كريم.”
بدأ يتوتر: — “دي شركات كبيرة… في ناس هتدمرني.”
— “وأنا مالي؟”
— “إنتِ مراتي!”
بصيتله ببرود: — “مطلقة.”
الجملة ضربته.
شافها في عيني قبل ما يسمعها.
لأول مرة… ما بقاش عنده سيطرة عليا.
قرب أكتر وهمس: — “اسمعيني… لو القض*ية كملت، ناس كبيرة هتقع.”
اتجمدت.
— “إيه قصدك؟”
بص حواليه بتوتر: — “الموضوع مش فلوس وبس.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
كريم بلع ريقه وقال: — “في ناس مش بتهزر يا ليلى.”
في اللحظة دي… فهمت إن الكابوس لسه بيبدأ.
رجعت البيت متأخرة.
منى كانت مصممة تبات معايا، لكني رفضت.
كنت محتاجة أبقى لوحدي.
بعد ما آدم نام، قعدت في البلكونة الصغيرة أبص للشارع الهادي.
وفجأة… وصلتلي رسالة من رقم مجهول.
صورة.
فتحتها…
وكانت صورة لآدم خارج المدرسة.
اتجمد الدم في عروقي.
تحت الصورة رسالة قصيرة:
“خليكي ذكية علشان ابنك يفضل بخير.”
الموبايل وقع من إيدي.
وفي اللحظة دي… أدركت إن الحرب خرجت من المحكمة.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *