حوريتي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل السابع
بعد ما انتهى مصطفى من كلامه…
القاعة فضلت ساكتة.
الناس اللي من شوية كانت بتضحك على رحمة…
بقت بتبص لها باحترام.
أما نجلاء…
فكانت واقفة مكانها، بتحاول تستوعب إن اللي خططت له اتحول ضدها.
قالت بصوت مهزوز:
“الكلام ده كله كدب.”
رد مصطفى بهدوء:
“لو كدب… يبقى التحقيق هيثبت ده.”
وبص للمحامي اللي كان واقف وسط المعازيم.
“وأي مستند هيتراجع عن طريق خبراء.”
المحامي هز رأسه.
“وده الإجراء الطبيعي.”
رحمة لفتت علشان تمشي.
لكن مصطفى ناداها.
“استني لو سمحتي.”
وقفت.
قال:
“أنا عايز أسألك سؤال.”
“ليه ما بعتيش المستندات؟”
“أو ساومتي بيها؟”
ابتسمت رحمة.
“لأنها مش ملكي.”
“والأمانة عمرها ما كانت وسيلة للرزق.”
الكلمة وقعت على الموجودين كأنها درس عمرهم ما سمعوه.
الفصل الثامن
في اللحظة دي…
دخل رجل كبير السن من باب القاعة.
كان ماشي بالعصاية.
وأول ما شافته رحمة…
ابتسمت.
وقالت بهدوء:
“حمد لله على السلامة يا جدي.”
كل الموجودين بصوا للرجل.
نجلاء اتغير لون وشها.
“العم عبدالحميد!”
كان عبدالحميد السعدي.
رجل أعمال قديم، وصديق عمر الحاج عبادي، والد مصطفى.
ومن سنوات اعتزل الشغل بعد مرضه.
قرب من رحمة وربت على كتفها.
وقال:
“أحسنتِ.”
ثم التفت للحضور.
“رحمة حفيدتي.”
القاعة كلها شهقت.
هدى بصت لنجلاء.
“حفيدته؟!”
عبدالحميد كمل:
“بعد وفاة أبوها، حفيدتي أصرت تعتمد على نفسها.”
“رفضت تشتغل في شركاتي.”
“وقالت إنها عايزة تعرف الناس من غير اسم العيلة.”
“ومن تلات سنين اشتغلت هنا بإرادتها.”
الهمسات زادت.
واحدة من الضيوف قالت:
“يعني كانت قادرة تعيش أميرة؟”
ابتسم الجد.
“وأكتر كمان.”
ثم بص لنجلاء.
“لكنها اختارت الكرامة.”
نجلاء كانت مصدومة.
افتكرت كل مرة أمرت فيها رحمة تنظف الأرض.
وكل مرة سخرت منها.
وهي ما كانتش تعرف إنها بتتعامل مع حفيدة واحد من أقدم رجال الأعمال في البلد.
الفصل التاسع
مصطفى قرب من رحمة.
وقال:
“أنا آسف.”
“مش بس على اللي حصل النهارده.”
“لكن على كل مرة كنت بشوف فيها أمي تضايقك… وأسكت.”
رحمة ردت بابتسامة هادئة.
“الاعتذار الحقيقي…”
“إنك ما تسكتش على الغلط تاني.”
هز رأسه.
“أوعدك.”
وفي نفس الوقت…
وصلت رسالة على موبايل مصطفى.
كانت من المدير المالي للشركة.
كتب فيها:
“بعد مراجعة أولية للمستندات، فيه مخالفات تستحق التحقيق الفوري.”
قرأ الرسالة.
وأغلق الموبايل.
وبص لأمه بحزن.
“أنا كنت فاكر إنك بتحميني.”
“طلعتي بتضري كل الناس.”
نجلاء جلست على أقرب كرسي.
ولأول مرة…
ما لقتش أي كلمة تدافع بيها عن نفسها.
الفصل العاشر
بعد أسابيع…
بدأت الجهات المختصة مراجعة المستندات، واستدعاء من يلزم لسماع أقوالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وفق ما تسفر عنه التحقيقات.
أما داخل الشركة…
فأعلن مصطفى سياسة جديدة.
أول قرار أخده…
كان إلغاء أي تمييز بين الموظفين.
وفتح باب استقبال الشكاوى مباشرة.
وفي أول اجتماع للعاملين…
وقف قدام الجميع.
وقال:
“المنصب عمره ما هيكون سبب إن حد يهين حد.”
ثم نادى:
“الأستاذة رحمة.”
استغربت.
قال:
“لو تقبلي…”
“إحنا محتاجينك في إدارة المسؤولية المجتمعية بالشركة.”
ابتسمت رحمة.
وقالت:
“أقبل… لكن بشرط.”
ابتسم مصطفى.
“إيه هو؟”
قالت:
“أول حاجة تتعمل…”
“برنامج تعليم وتدريب لكل عمال النظافة.”
“علشان كل واحد يحس إن شغله له قيمة.”
صفق كل الموجودين.
وفي نهاية اليوم…
وقفت رحمة قدام باب القصر.
بصت للمكان اللي دخلته زمان من باب الخدمة.
وخرجت منه النهارده من الباب الرئيسي.
ابتسمت.
وقالت لنفسها:
“الكرامة عمرها ما كانت مرتبطة بالمهنة… الكرامة مرتبطة بالأخلاق.”
الفصل العاشر
مرت ثلاثة أسابيع…
والحكاية اللي بدأت بسخرية في حفلة عيد ميلاد، بقت حديث رجال الأعمال في القاهرة كلها.
كل يوم كانت الجرائد الاقتصادية تنشر خبر جديد عن التحقيقات الجارية داخل مجموعة عبادي.
ومع كل مستند جديد…
كانت أسئلة أكتر بتظهر.
لكن رحمة…
رجعت لحياتها العادية.
كانت كل صباح تدخل الشركة من نفس باب الموظفين، وتسلم على عمال الأمن، وتبتسم لعمال النظافة اللي اشتغلت معاهم سنين.
ولا مرة حاولت تستغل اللي حصل علشان تظهر في الإعلام.
ولا وافقت على أي لقاء صحفي.
كانت تكرر جملة واحدة لكل اللي يسألها:
“أنا عملت اللي يمليه عليا ضميري… وبس.”
أما مصطفى…
فكان يقضي أغلب يومه بين المحامين، والمراجعين الماليين، وأعضاء مجلس الإدارة.
كل يوم يكتشف معلومة جديدة تخليه يحس إنه كان عايش وسط أسرار عمره ما تخيلها.
وفي إحدى الليالي…
استدعى رحمة إلى مكتبه.
دخلت بهدوء.
كان المكتب لأول مرة خاليًا من الحراس والموظفين.
وقف مصطفى أول ما شافها.
وقال بصوت امتزج فيه الامتنان بالحيرة:
“أنا لسه مش قادر أفهم حاجة.”
ابتسمت رحمة.
“إيه اللي محيرك؟”
تنهد وقال:
“واحدة كانت تقدر تكشف كل حاجة من تلات سنين… ليه استنت كل الوقت ده؟”
رحمة سكتت لحظة.
ثم جلست أمامه.
وقالت بهدوء:
“لأن الحقيقة لو خرجت في الوقت الغلط… ممكن تضيع.”
“كنت محتاجة الدليل يكتمل.”
“ومحتاجة الشخص اللي يسمعه يكون مستعد يصدقه.”
ظل مصطفى ينظر إليها دون أن يقاطعها.
ثم قالت:
“في ناس كانت هتدفن أي دليل وقتها.”
“لكن النهارده… بقى مستحيل.”
أطرق برأسه وهو يستوعب كلماتها.
ثم فتح أحد الأدراج.
وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
ودفعه نحوها.
“ده أقل تقدير أقدر أقدمه.”
رحمة فتحت الصندوق.
كان بداخله مفتاح ذهبي، وبطاقة تعيين في الشركة.
رفعت رأسها باستغراب.
قال مصطفى:
“مجلس الإدارة وافق بالإجماع.”
“عايزينك تنضمي للشركة.”
ابتسمت رحمة ابتسامة هادئة.
ثم أغلقت الصندوق برفق.
وقالت:
“قبل ما أرد…”
“في حاجة لازم تعرفها.”
عقد مصطفى حاجبيه.
“إيه هي؟”
أخرجت رحمة من حقيبتها ظرفًا أبيض أصغر من الظرف الأول.
كان قديمًا…
ومغلقًا بالشمع الأحمر.
وضعته فوق المكتب.
وقالت بصوت منخفض:
“أنا ما سلمتكش كل اللي عندي.”
اتسعت عينا مصطفى.
“يعني إيه؟”
قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه:
“الظرف الأول كان يخص الشركة.”
“لكن الظرف ده…”
“يخص عيلتك.”
ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
مد مصطفى يده ببطء نحو الظرف.
لكن رحمة أوقفت يده قبل أن يفتحه.
وقالت:
“لو فتحته…”
“حياتك كلها هتتغير.”
وبينما كان ينظر إليها في ذهول…
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة…
فتغير لون وجهه بالكامل.
همس بصوت بالكاد سمعته رحمة:
“إزاي…؟”
ثم رفع عينيه إليها وقال:
“اللي بيتصل دلوقتي…”
“هو الشخص اللي المفروض مات من ثلاث سنين.”
الفصل الحادي عشر
تجمد مصطفى وهو يبص لشاشة الموبايل.
الاسم اللي ظاهر قدامه كان مستحيل يكون حقيقي.
“عمرو عبادي.”
رفع عينيه ناحية رحمة ببطء.
وقال بصوت مرتعش:
“ده… ده اسم أبويا.”
رحمة ما اتكلمتش.
كانت بتراقب ملامحه بس.
رن التليفون للمرة التانية.
المرة دي…
ضغط مصطفى على زر الرد.
حط الموبايل على السماعة.
وساد صمت كام ثانية.
قبل ما يطلع صوت رجل كبير في السن.
“مساء الخير يا مصطفى.”
شهق مصطفى.
الصوت…
هو نفس الصوت اللي كان بيسمعه طول طفولته.
“إنت… إنت مين؟”
رد الرجل بهدوء:
“أنا أبوك.”
اتسعت عيون مصطفى.
“مستحيل… أبويا مات من تلات سنين.”
رد الصوت:
“وده اللي خلاكي تصدق كل اللي حصل بعدي.”
ثم انقطعت المكالمة فجأة.
فضل مصطفى ماسك الموبايل.
كأنه مش قادر يصدق.
رحمة دفعت الظرف الأبيض ناحيته مرة تانية.
وقالت:
“دلوقتي… أظن بقى عندك استعداد تعرف الحقيقة.”
فتح الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه صورة قديمة.
الصورة لرجل في منتصف الخمسينات.
واقف قدام مزرعة كبيرة.
وحاضن طفل صغير.
الطفل كان مصطفى.
أما الرجل…
فكان والده.
وقلب الصورة كان فيه تاريخ.
قبل إعلان وفاته بأسبوعين.
وتحت التاريخ مكتوب بخط اليد:
“لو الصورة دي وصلتلك…
يبقى فيه حد خد كل حاجة مني.”
مصطفى حس إن أنفاسه بتضيق.
طلع ورقة تانية.
كانت رسالة قصيرة.
لكن أول سطر فيها خلى جسمه يقشعر.
“يا ابني…
لو بتقرأ الرسالة دي…
اعرف إن موتي كان أول كذبة.”
رفع رأسه بسرعة.
“يعني إيه؟”
رحمة ردت بهدوء:
“لما لقيت الظرف الأول…
لقيت معاه الرسالة دي.”
“لكن جدّي نصحني ما أسلمهاش غير لما أتأكد إنك بقيت قادر تواجه الحقيقة.”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“لأن الرسالة دي…
كانت ممكن تعرض حياتك للخطر.”
في نفس اللحظة…
الباب خبط.
دخل سكرتير مصطفى وهو متوتر.
“أستاذ مصطفى…”
“فيه راجل كبير واقف تحت.”
“رافض يقول اسمه.”
“بس بيقول إنه لازم يشوف حضرتك حالًا.”
مصطفى وقف بسرعة.
“شكله عامل إزاي؟”
رد السكرتير:
“لابس جلابية رمادي…”
“وعنده عكاز.”
“وقال جملة واحدة.”
سأله مصطفى بلهفة:
“قال إيه؟”
ابتلع السكرتير ريقه.
وقال:
“قال… قولوا لمصطفى إن الوعد اللي بينه وبين أبوه جه وقت تنفيذه.”
نظر مصطفى إلى رحمة.
ثم إلى الرسالة الموجودة بين يديه.
وشعر لأول مرة…
أن الحقيقة أكبر بكثير من مجرد مستندات أو أسهم.
وأن الليلة التي بدأت بدعوة هدفها السخرية من عاملة نظافة…
قد تكون بداية كشف سر ظل مدفونًا لسنوات طويلة.
الفصل الثاني عشر
نزل مصطفى السلم بسرعة.
ورحمة كانت ماشية وراه بخطوات ثابتة.
قلبه كان بيدق بعنف.
كل سؤال في دماغه كان بيولد عشرة غيره.
لو أبوه فعلًا عايش…
يبقى مين اللي اتدفن؟
وليه اختفى كل السنين دي؟
وليه رجع دلوقتي؟
أول ما وصلوا لحديقة القصر…
كان الراجل العجوز واقف تحت شجرة كبيرة.
لابس جلابية رمادي بسيطة.
وفي إيده عكاز خشب قديم.
أول ما شاف مصطفى…
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
“كبرت يا ابن صاحبي.”
مصطفى وقف مكانه.
“حضرتك تعرف أبويا؟”
هز الراجل رأسه.
“أعرفه من قبل ما تتولد.”
“وكان بينا عهد.”
رحمة بصت للراجل كويس.
وحست إنها شافته قبل كده.
لكنها ما قدرتش تفتكر فين.
قال مصطفى بلهفة:
“هو فين؟”
تنهد الرجل طويلًا.
وقال:
“عايش.”
الكلمة وقعت على مصطفى كأنها صاعقة.
“يعني إيه عايش؟”
“هو فين دلوقتي؟”
رد الرجل:
“مش هينفع أقولك مكانه دلوقتي.”
“لأن فيه ناس لسه بتدور عليه.”
عقد مصطفى حاجبيه.
“مين الناس دي؟”
بص الرجل حوالين القصر.
واتأكد إن محدش قريب.
وبعدين قال بصوت منخفض:
“الناس اللي سرقت شركته.”
“والناس اللي كانت مستعدة تخلص عليه.”
رحمة حسّت بقشعريرة.
وسألت لأول مرة:
“إنت كنت معاه وقت اختفائه؟”
هز رأسه.
“لآخر دقيقة.”
ثم مد إيده في جيبه.
وأخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
كان قديمًا جدًا.
وفوقه رقم واحد بس.
“ده كان مع أبوك.”
“وقال أسلمهولك لما أتأكد إنك بقيت راجل يفرق بين الانتقام والعدل.”
أخد مصطفى المفتاح.
وكانت إيده بتترعش.
“ده بتاع إيه؟”
ابتسم الرجل.
“خزنة.”
“لكن مش أي خزنة.”
“الخزنة اللي فيها الحقيقة كلها.”
—
في نفس اللحظة…
في الدور العلوي من القصر…
كانت نجلاء قاعدة لوحدها في أوضتها.
بعد ما أغلب الضيوف مشيوا.
وشها كان شاحب.
وأول مرة تحس بالخوف الحقيقي.
رن موبايلها.
بصت للشاشة.
الرقم كان مجهول.
ترددت.
لكنها ردت.
جاها صوت رجالي خشن.
“فشلتي.”
اتجمدت.
“مين؟”
رد الصوت:
“قولتلك زمان…”
“لو مصطفى عرف الحقيقة…”
“كلنا هنقع.”
شهقت.
“إنت…!”
لكن الراجل قفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل.
وإيديها بتترعش.
وبعدين جريت على دولاب قديم في آخر الأوضة.
فتحته بسرعة.
وشالت رف خشب صغير.
ظهر وراه تجويف في الحائط.
كان فيه صندوق حديدي.
فتحته.
لكن أول ما بصت جواه…
صرخت.
الصندوق…
كان فاضي.
كل الأوراق اختفت.
وما بقاش فيه غير ورقة واحدة.
مطوية بعناية.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها بخط واضح:
“دورتِ على الأدلة متأخر…
لأنها وصلت لصاحبها.”
أسفل الجملة…
كان فيه توقيع واحد فقط.
عمرو عبادي.
وقعت الورقة من إيد نجلاء.
ورجعت لورا وهي بتهمس لنفسها:
“مستحيل…”
“مستحيل يكون رجع…”
الفصل الثالث عشر
فضلت نجلاء واقفة قدام الخزنة المفتوحة.
وشها فقد لونه.
وإيديها كانت بترتعش وهي تقلب الصندوق الحديدي مرة واتنين وتلاتة.
مفيش حاجة.
لا مستندات.
ولا عقود.
ولا حتى الورقة القديمة اللي كانت مخبياها من سنين.
قعدت على الأرض وهي بتهمس:
“إزاي؟”
“مين دخل هنا؟”
الغرفة كانت مقفولة بالمفتاح.
والخزنة نفسها ما كانش يعرف مكانها غير شخصين.
هي…
وزوجها عمرو.
لكن عمرو…
في نظر الجميع…
مات من تلات سنين.
رن موبايلها تاني.
نفس الرقم المجهول.
ردت بسرعة وهي بتصرخ:
“إنت مين؟”
جاها نفس الصوت الهادئ.
“الفرق بينك وبيني…”
“إنك كنتي فاكرة إن السر هيفضل مدفون.”
صرخت:
“إنت عايز إيه؟”
رد الرجل:
“أنا مش عايز حاجة.”
“أنا بس برجع لكل واحد حقه.”
وقفلت المكالمة.
رمت الموبايل على الكنبة.
وفي اللحظة دي…
خبط الباب.
دخلت هدى وهي ملامحها كلها قلق.
“في إيه يا نجلاء؟”
بصتلها نجلاء بعينين مليانين خوف.
“خلصنا…”
هدى استغربت.
“يعني إيه؟”
قالت بصوت متقطع:
“الأوراق اختفت.”
هدى شهقت.
“مستحيل.”
“إنتي مخبياها في مكان محدش يعرفه.”
نجلاء هزت راسها.
“كان يعرفه…”
سكتت لحظة.
ثم همست:
“صاحب المكان.”
—
في الناحية التانية من القصر…
كان مصطفى، ورحمة، والرجل العجوز قاعدين في مكتبة قديمة ملحقة بالفيلا.
العجوز حط المفتاح النحاسي على الترابيزة.
وقال:
“بص كويس.”
أخده مصطفى بين صوابعه.
لاحظ إن عليه نقش صغير جدًا.
حرفين.
ع . ع
سأل:
“دي الأحرف الأولى لاسم أبويا؟”
ابتسم العجوز.
“أيوه.”
“المفتاح ده كان عمره ما بيفارق جيبه.”
رحمة كانت بتسمع في هدوء.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
قالت:
“لحظة…”
الاتنين بصوا لها.
قالت:
“أنا شفت المفتاح ده قبل كده.”
مصطفى اتفاجئ.
“فين؟”
ردت وهي بتحاول تسترجع الذكرى:
“في اليوم اللي لقيت فيه الظرف.”
“كان واقع جنب المكتب.”
“افتكرت إنه مفتاح قديم، وحطيته مع المستندات.”
العجوز ابتسم.
“يبقى ربنا كان كاتب إنه يوصل لصاحبه.”
مصطفى سأل بسرعة:
“الخزنة فين؟”
العجوز تنهد.
“مش هنا.”
“ولا في الشركة.”
“الخزنة موجودة في مكان عمرو كان بيعتبره أكتر مكان آمن.”
رحمة سألت:
“فين؟”
العجوز بص ناحية صورة كبيرة معلقة على الحائط.
كانت صورة قديمة لمصطفى وهو طفل، واقف بين أبوه وأمه قدام بيت ريفي واسع.
رفع العجوز إصبعه ناحية الصورة.
وقال:
“هناك.”
“في البيت القديم.”
اتسعت عينا مصطفى.
“بيت جدي في المنصورية؟”
هز العجوز رأسه.
“من يوم ما عمرو اختفى…”
“ولا حد دخله.”
“وكان آخر طلب طلبه مني…”
“إن المفتاح ده ما يفتحش الخزنة إلا بإيد ابنه.”
وقبل ما حد يرد…
دخل أحد أفراد الأمن وهو بيجري.
وقال وهو بيحاول يلتقط أنفاسه:
“أستاذ مصطفى…”
“فيه حد حاول يدخل أرشيف الشركة الليلة.”
وقف مصطفى فجأة.
“اتقبض عليه؟”
رد الحارس:
“للأسف… هرب.”
“بس قبل ما يهرب…”
“ساب رسالة.”
مد ظرفًا أبيض إلى مصطفى.
فتح الظرف بسرعة.
وكانت بداخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها بخط واضح:
“لو وصلتوا للخزنة قبلنا… هتعيشوا. ولو اتأخرتوا… الحقيقة هتختفي للأبد.”الفصل الرابع عشر
فضل مصطفى ماسك الورقة بإيده.
وقراها مرة…
واتنين…
وتلاتة.
كل مرة كان يحاول يقنع نفسه إنها مجرد محاولة لتخويفه.
لكن إحساس جواه كان بيقوله إن الوقت فعلًا بيجري.
رفع عينه ناحية الرجل العجوز.
وسأله:
“مين يقصد بـ(وصلتوا للخزنة قبلنا)؟”
العجوز سكت شوية.
وبعدين قال:
“ناس كانوا فاكرين إن عمرو خد السر معاه.”
“ولما اختفى…”
“فضلوا يدوروا عليه.”
رحمة عقدت حاجبيها.
“يعني هما مش بيدوروا على شخص…”
“هما بيدوروا على حاجة.”
العجوز هز رأسه.
“بالضبط.”
“وفي الغالب عرفوا إن المفتاح ظهر.”
سأل مصطفى بسرعة:
“إزاي عرفوا؟”
العجوز بص حواليه.
ثم قال بهدوء:
“لأن وسطنا حد بينقل كل حاجة.”
الجملة وقعت كأنها صاعقة.
رحمة بصت لمصطفى.
ومصطفى بص للعجوز.
“تقصد حد من الشركة؟”
رد:
“أو من القصر.”
“أو حتى من الناس اللي حوالينا دلوقتي.”
ساد صمت ثقيل.
كل واحد بدأ يراجع كل الوجوه اللي شافها من أول الحفلة.
مين كان بيراقب؟
ومين كان مهتم بكل كلمة؟
—
في نفس الوقت…
كانت نجلاء قاعدة في أوضتها.
بتحاول تتصل بأكتر من شخص.
لكن محدش كان بيرد.
وفجأة…
وصلتها رسالة على الموبايل.
رقم مجهول.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها:
“قلنالك زمان…
أول ما المفتاح يظهر…
مهمتك تنتهي.”
شهقت.
واتصلت بنفس الرقم.
لكن كان مقفول.
بعدها بثواني…
وصلت رسالة تانية.
“متحاوليش تدوري علينا.”
“إحنا اللي هنوصلك.”
رمت الموبايل على السرير.
ولأول مرة…
بدأت تحس إنها هي نفسها بقت مطاردة.
—
أما مصطفى…
فقرر إنه ما يضيعش دقيقة واحدة.
قال لرحمة:
“هنسافر دلوقتي.”
استغربت.
“دلوقتي؟”
“أيوه.”
“قبل ما حد يسبقنا.”
العجوز ابتسم.
“كنت مستني أسمع القرار ده.”
خرجوا من القصر بهدوء.
من غير ما يبلغوا أي حد.
حتى السواق الخاص رفض مصطفى ياخده.
استعار عربية قديمة من جراج الشركة.
وقال:
“أي حد بيراقب عربياتنا الرسمية هيعرف إحنا رايحين فين.”
رحمة ابتسمت لأول مرة من بداية الليلة.
وقالت:
“واضح إنك بدأت تفكر زي أبوك.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“يمكن لأول مرة.”
—
بعد حوالي ساعة…
وصلوا للطريق المؤدي إلى البيت الريفي القديم.
كان المكان مهجورًا.
الأشجار كبرت.
والبوابة الحديدية غطاها الصدأ.
نزل مصطفى من العربية.
وقف قدام البيت.
وقال بصوت منخفض:
“آخر مرة جيت هنا…
كان عندي اتناشر سنة.”
العجوز وضع يده على كتفه.
“وأبوك كان متأكد إنك هترجع.”
دخلوا الحديقة.
كل شيء كان كما تركه الزمن.
نافورة جافة.
أرجوحة قديمة.
وشجرة مانجو ضخمة في منتصف الفناء.
وفجأة…
توقفت رحمة عن المشي.
وقالت وهي تشير إلى الأرض:
“استنوا…”
بصوا كلهم ناحية المكان اللي بتشاور عليه.
كانت فيه آثار كاوتش عربية حديثة.
وتراب الحديقة لسه متقلب.
انحنى مصطفى ولمس الأرض بإيده.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال:
“إحنا مش أول ناس وصلوا هنا.”
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت باب خشبي يُغلق بقوة من داخل البيت.
رغم إنهم كانوا متأكدين…
إن المكان مهجور من ثلاث سنين.
الفصل الأخير
تبادل مصطفى، ورحمة، والرجل العجوز النظرات.
الصوت اللي خرج من داخل البيت كان واضح.
فيه حد موجود.
أشار مصطفى للجميع يلتزموا الهدوء.
ودخلوا بحذر.
البيت كان مليان تراب، لكن في آثار أقدام جديدة على الأرض.
اتبعوا الآثار لحد ما وصلوا للمكتب القديم.
باب المكتب كان مفتوحًا.
ولما دخلوا…
لقوا رجلًا واقفًا قدام المكتبة الخشبية.
ظهره كان ليهم.
أول ما سمع خطواتهم…
استدار ببطء.
اتسعت عينا مصطفى.
وسقط المفتاح من إيده.
“بابا…”
وقف عمرو عبادي قدامه.
ملامحه كبرت من السنين، وشعره غزاه الشيب، لكنه كان هو.
جرى مصطفى ناحيته واحتضنه بقوة.
فضل الاتنين ساكتين دقائق.
لا حد فيهم كان قادر ينطق.
بعد ما هدأوا…
قال مصطفى بصوت مخنوق:
“إنت كنت فين كل السنين دي؟”
تنهد عمرو.
وقال:
“اليوم اللي اكتشفت فيه التلاعب في بعض عقود الشركة، عرفت إن حياتي بقت في خطر.”
“بلغت الجهات المختصة بكل اللي معايا، وسلمتهم نسخًا من المستندات.”
“وبنصيحة منهم اختفيت فترة لحمايتي، لأن القضية كانت لسه بتتجمع فيها الأدلة.”
“حتى خبر وفاتي كان جزءًا من خطة علشان اللي متورطين يفتكروا إنهم نجحوا، ويكملوا أخطاءهم.”
بص مصطفى للظرف اللي في إيده.
“وده؟”
ابتسم عمرو.
“كنت عارف إن الحقيقة في يوم هتوصل لك.”
ثم اتجه ناحية المكتبة.
أدخل المفتاح النحاسي في قفل صغير مخفي.
دارت المكتبة ببطء.
وظهر باب حديدي خلفها.
فتح الباب.
كانت هناك خزنة كبيرة.
فتحها.
لكنها لم تكن مليئة بالأموال.
كانت مليئة بملفات، وأقراص حفظ بيانات، ومذكرات مكتوبة بخط يده، توثق كل ما اكتشفه عبر سنوات، مع نسخ احتياطية من المستندات التي تثبت الوقائع.
قال عمرو:
“دي الأمانة اللي كنت بحافظ عليها.”
“والنهارده وقتها يوصل للجهات المختصة.”
بعد أيام…
باشرت الجهات المختصة مراجعة جميع الملفات، واستُكملت التحقيقات وفق الإجراءات القانونية.
وثبتت مسؤولية كل من تورط في المخالفات بما أظهرته الأدلة الرسمية.
أما نجلاء…
فوجدت نفسها تواجه نتائج أفعالها.
لم يعد المال ولا النفوذ قادرين على حمايتها.
واعتذرت لكثير من الأشخاص الذين أساءت إليهم، لكن بعض الجروح كانت تحتاج وقتًا طويلًا لتلتئم.
أما رحمة…
فرفضت كل العروض اللي اتقدمت لها علشان تستغل شهرتها.
واكتفت بوظيفة جديدة داخل مؤسسة خيرية أنشأتها مجموعة عبادي لتدريب ودعم العاملين البسطاء، لأنهم كانوا أول من يتعرض للتهميش رغم أنهم أساس أي مكان ناجح.
وفي أول احتفال للشركة بعد انتهاء الأزمة…
وقف عمرو على المنصة.
وقال أمام الموظفين:
“أنا كنت فاكر إن أقوى حاجة في أي مؤسسة هي رأس المال.”
ثم بص ناحية رحمة.
وأضاف:
“لكن اكتشفت إن أقوى استثمار هو الأمانة.”
صفق الجميع طويلًا.
ثم دعا رحمة للصعود إلى المنصة.
وقفت وسط التصفيق.
وقال لها:
“لولا إنك احتفظتِ بالأمانة، ولولا إنك اخترتِ الوقت الصحيح لتسليمها، كانت الحقيقة هتضيع.”
ابتسمت رحمة وقالت:
“أنا ما عملتش غير واجبي.”
ابتسم عمرو.
ورد:
“الواجب… بقى نادر.”
وفي نهاية الحفل…
خرجت رحمة من الباب الرئيسي للقصر نفسه الذي كانت تدخله كل يوم من باب الخدمة.
لكن هذه المرة…
لم يكن أحد ينظر إلى ملابسها أو وظيفتها.
كان الجميع يقفون احترامًا لها.
لأن المكانة الحقيقية…
لا يصنعها المال.
ولا الاسم.
ولا النفوذ.
إنما تصنعها الأخلاق عندما يختبرها الزمن.
تمت.