حالة طواريء حكـايـات أسمـا ×4
بعد افتتاح قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية، المستشفى بقت مختلفة فعلًا. مش اختلاف بسيط في القوانين أو التعاملات، لا… كأن روح جديدة دخلت المكان. الممرضات بقوا يساعدوا بعض بدل الخناقات المعتادة، والدكاترة الأصغر بقوا يتكلموا براحة من غير خوف من الإهانة، وحتى المرضى نفسهم كانوا بيحسوا إن فيه دفا أكتر في الطوارئ اللي طول عمرها معروفة بالبرود.
لكن نجوى نفسها… كانت بتدبل بهدوء.
أدهم بس هو اللي لاحظ.
كان يشوف التعب في عينيها لما تفتكر كلمة بسيطة. يشوف إيديها وهي بتحاول تخبي رعشتها أكتر. يشوف النفس اللي بقى أضعف شوية كل يوم.
وكان بيتجنن بالعجز.
كل شوية يراجع التحاليل. يغير العلاج. يجيب استشاريين. لكن الحقيقة الطبية كانت واضحة وقاسية.
القلب اللي عاش سنين تحت الضغط والحزن والحروب… ابتدى يسلّم.
وفي ليلة شتوية باردة… كانت المستشفى هادية بشكل غريب.
أدهم خلص مناوبته متأخر، وراح يدور على نجوى في قاعة التدريب. لقاها قاعدة لوحدها، الأنوار مطفية إلا أباجورة صغيرة جنبها، وفي حضنها صندوق خشب قديم.
قال بابتسامة خفيفة: — إنتي بتحبي تقعدي في الضلمة ليه؟
ضحكت بهدوء: — علشان الضلمة مابتسألش أسئلة كتير.
قرب منها وقعد جنبها. ثم أشار للصندوق: — إيه ده؟
سكتت لحظة. وبعدين فتحته ببطء.
كان مليان حاجات قديمة. نياشين. صور. خطابات. وساعة مكسورة.
أدهم مد إيده للصورة اللي فوق.
كانت صورة شاب صغير بالزي العسكري، بيضحك بعينين شبهها جدًا.
كريم.
أدهم حس قلبه وجعه. قال بهدوء: — أول مرة أشوف صورته عن قرب.
نجوى لمست الصورة بأطراف صوابعها كأنها بتلمس وشه فعلًا.
— كان بيحب الضحك جدًا… عكسّي تمامًا.
ابتسم أدهم: — واضح إنه كان شقي.
ضحكت ضحكة صغيرة حقيقية. ثم قالت: — مرة سرق عربية الإسعاف علشان يهرب قطة مصابة من الشارع ويوديها للدكتور البيطري.
أدهم ضحك رغم نفسه: — ضابط جيش ويسرق عربية إسعاف؟
— واتحبس يومين كمان.
الصمت بقى دافي بينهم.
ثم طلعت خطاب قديم متني بعناية.
— ده آخر جواب كتبهولي قبل العملية بيوم.
أدهم اتردد: — تحبي أسيبك؟
هزت راسها بالنفي. وقالت: — لا… اقرأه.
أخد الخطاب بحذر. الورق كان أصفر من الزمن.
وبدأ يقرأ بصوت واطي:
“أمي الحبيبة… لو رجعت متأخر ماتقلقيش. إنتي ربتيني طول عمري على إن الخوف عمره ما يمنعنا نعمل الصح. ولو حصل لي حاجة… أوعي تزعلي. لأن وجودك في حياتي كان كفاية يخليني أكسب الدنيا كلها.”
صوت أدهم اتكسر عند آخر سطر.
بص لنجوى. لقاها مبتسمة ودموعها نازلة في هدوء.
— كان حنين أوي… صح؟
أدهم هز راسه بصعوبة.
ثم سأل فجأة: — حضرتك عمرك كرهتي الجيش بعده؟
سكتت طويلًا. ثم قالت: — كرهت الحرب… إنما الجيش؟ لا.
بصت للصورة. وكملت: — لأن الحرب أخدت مني ابني… بس علمتني إن الإنسان ممكن يدي عمره علشان غيره يعيش.
أدهم فضل ساكت. حاسس إنه بيتعلم منها أكتر من أي كلية دخلها.
ثم فجأة قالت: — تعرف أكتر حاجة كانت بتخوف كريم؟
— إيه؟
ابتسمت بحزن: — إنه يموت لوحده.
الجملة دخلت قلبه بعنف.
لأنه فهم فورًا ليه كانت دايمًا تروح لكل مريض خايف. ليه كانت تقعد جنب الأطفال. ليه كانت تمسك إيد الجنود المصابين.
هي كانت بتحارب خوف ابنها في كل شخص.
وفجأة… نجوى حطت إيدها على صدرها بتعب.
أدهم اتعدل فورًا: — في إيه؟
ابتسمت محاولة تخفف: — قلبي بيشتكي مني شوية.
لكن وشها كان شاحب جدًا.
أدهم قام بسرعة: — إحنا رايحين العناية حالًا.
مسكت إيده فجأة.
إيدها كانت ساقعة.
— استنى.
بصلها بقلق.
وقالت بصوت هادي بشكل مخيف: — لو حصلي حاجة الليلة… عايزاك تسمعني للنهاية.
أدهم حس الرعب طلع لحد حلقه. قال بعصبية: — مفيش حاجة هتحصل.
نجوى ابتسمت. ثم قالت: — وعد؟
سكت ثانية. ثم هز راسه.
أخدت نفس متعب. وقالت: — بعد موت كريم… حاولت أموت مرتين.
أدهم حس الدم اتسحب من وشه.
— إيه؟
بصت بعيد. وعينيها لمعت بالوجع.
— أول مرة خدت جرعة دوا زيادة… وتاني مرة كنت واقفة فوق كوبري أكتوبر بالليل.
القلب جواه وجعه حرفيًا.
— ليه؟
ضحكت بمرارة: — علشان لما الأم تدفن ابنها… جزء منها بيتدفن معاه.
الصمت كان ثقيل جدًا.
ثم كملت: — بس كل مرة كان يحصل حاجة تمنعني.
— زي إيه؟
ابتسمت بخفة: — مرة بنت صغيرة في المستشفى حضنتني وقالتلي ماتمشيش… ومرة عسكري مصاب قالي إنه محتاجني… ففهمت إن يمكن ربنا سابني عايشة علشان لسه في حد محتاج الرحمة اللي جوايا.
أدهم حس دموعه قربت تنزل.
نجوى بصتله مباشرة. وقالت: — أوعى تفتكر إن القوة معناها إنك ما تقعش… القوة إنك تقوم كل مرة.
وفجأة… صوت انفجار دوّى برا المستشفى.
الأرض نفسها اتهزت.
أجهزة الإنذار اشتغلت فورًا.
وصوت الأمن الداخلي صرخ: — كود أسود! انفجار أتوبيس قريب من كوبري القبة!
أدهم ونجوى بصوا لبعض.
وفي ثانية… الدور الرابع كله اتحول لفوضى.
إصابات جماعية.
صرخات.
دم.
تروليات داخلة بسرعة.
الدكاترة بيجروا.
والمصابين بالممرات.
أدهم اتحرك تلقائيًا ناحية الطوارئ. لكن قبل ما يمشي… لف لنجوى.
كانت لسه تعبانة جدًا. وشها شاحب بشكل يخوف.
قال بحزم: — حضرتك هتفضلي هنا.
لكنها كانت بالفعل بتحاول تقوم.
— مستحيل.
— قلبك ما يستحملش.
بصتله بنفس النظرة اللي كانت بتبصهاله أول يوم. الهادية… العنيدة.
— والناس اللي بتموت تحت دول يستحملوا؟
أدهم اتجمد.
ثم فجأة… سمع صوتها العسكري القديم لأول مرة بوضوح:
— دكتور أدهم السيوفي… اتحرك.
الجملة رجعتله إحساس غريب. إحساس الجندي اللي بيتلقى أوامر وقت الحرب.
وخلال دقائق… كانت نجوى وسط الكارثة.
كل اللي في الطوارئ اتصدموا.
ست قلبها مريض… ورغم كده ماشية بين المصابين أسرع من الكل.
كانت تمسك وشوش الناس وتطمنهم. توقف النزيف. تنظم الحالات. وتصرخ بالأوامر بثبات مرعب.
— الحالة دي عمليات فورًا! — الطفل ده أكسجين حالًا! — مين معايا في الإنعاش؟!
الكل بيتحرك وراها بدون تفكير.
حتى أدهم نفسه.
في نص الفوضى… دخل مسعف شايل ولد صغير عنده حوالي عشر سنين. جسمه كله دم وتراب.
— لقيناه تحت الأتوبيس!
الولد كان مرعوب. بيصرخ: — ماما! ماما!
نجوى قربت منه فورًا.
مسكت وشه بحنان: — بصلي يا حبيبي… اسمك إيه؟
— حمزة…
— شاطر يا حمزة… خد نفس معايا.
الولد كان بيرتعش بعنف. ومش راضي يسيب إيدها.
أدهم فحصه بسرعة. وكلامه خرج متوتر: — عنده نزيف داخلي محتمل… لازم عمليات حالًا.
لكن حمزة بدأ يصرخ بهستيريا: — لا! ماتسبنيش!
نجوى حضنته بسرعة رغم التعب اللي ظاهر عليها. وهمست: — مش هسيبك.
أدهم لمح حاجة وقتها… إيديها كانت بتترعش بشكل أقوى من المعتاد.
وقلبه وقع.
قرب منها هامسًا: — حضرتك لازم ترتاحي.
لكنها ما بصتلوش حتى. كانت مركزة مع الطفل.
— حمزة… إنت شجاع؟
الولد هز راسه بدموع.
— يبقى هتدخل العمليات زي الأبطال… وأنا هستناك أول ما تخرج.
الولد أخيرًا هدي.
ولما خدوه للعمليات… فضل ماسك إيدها لآخر لحظة.
لكن أول ما الباب اتقفل…
نجوى ترنحت.
أدهم لحقها قبل ما تقع.
وشها كان أبيض تمامًا.
قال برعب: — خلاص! كفاية!
لكنها حاولت تبعده: — لسه فيه مصابين…
صرخ لأول مرة: — وإنتي كمان مصابة!
كل اللي حواليهم سكتوا.
أدهم كان ماسكها كأن حياته متعلقة بيها.
قال بصوت مكسور: — ليه دايمًا بتنسي نفسك؟
نجوى بصتله. وفي وسط الفوضى والدم والصوت… ابتسمت.
— علشان زمان ماحدش لحق كريم.
الجملة كسرت قلبه.
حملها بين إيديه رغم اعتراضها. ووداها العناية بنفسه.
وهو ماشي بيها… الدكاترة والممرضات كانوا بيبعدوا تلقائيًا من الطريق.
كأنهم شايفين مشهد مقدس.
ولأول مرة… أدهم ماكانش شايل بطلة حرب.
كان شايل أم تعبت جدًا من المقاومة.
يتبع
