حماتي زقتني حكـايـات أسمـا

حماتي زقتني في الطين “بالغلط” أثناء تصوير فرحي… لكن اللي قاله حمايا بعدها خلى المعازيم يسلموها للشرطة.
أنا اسمي ياسمين، وقضيت تسعة شهور كاملة بحضر لفرحي، لأن كان نفسي أعيش يوم واحد أحس فيه إن السعادة ليا أنا وبس…من أول يوم أحمد اتقدملي، كانت أمه واضحة جدًا إنها مش طايقاني…مرة قالتلي وهي مبتسمة ابتسامة صفرا:
“إنتِ بنت محترمة… بس ابني يستاهل واحدة من مستوى تاني.”
ومن ساعتها وهي ما سابتش حاجة إلا وانتقدتها.
الفستان قالت عليه “رخيص”.قاعة الفرح قالت إنها “أقل من المقام”…حتى مرة سألت أحمد قدامي من غير أي إحراج:
“إنت متأكد إنك ما استعجلتش في القرار؟”
وأحمد كان كل مرة يحاول يعدي الكلام ويقول:
“سيبيها يا ياسمين… دي طريقتها.”لكن الحقيقة إن كل كلمة كانت بتوجعني…ومع ذلك، ما خلتهاش تبوظ فرحتي.
فستاني كان حلم عمري…حرير أوف وايت ناعم، وتطريز يدوي حوالين الرقبة، وعلى رقبتي سلسلة أمي الله يرحمها، اللي كنت محتفظة بيها عشان ألبسها في اليوم ده.
بعد كتب الكتاب، خرجنا نصور في جنينة الفندق.
كان فيه ممشى حجري وسط النجيلة، ولسه فيه آثار مطر من الليلة اللي قبلها، وفي كذا حتة طين على الجنب…المصور نبهنا وقال:
“خدوا بالكم يا جماعة… امشوا على الممشى بس.”
وأنا ماشية بهدوء…لقيت حماتي جاية ناحيتي.
ابتسمت وقالت بصوت كله حنية مصطنعة:”تعالي يا حبيبتي… أظبطلك ديل الفستان.”استغربت من طيبتها المفاجئة.
لكن قبل ما ألحق أفهم…حسيت بإيدها بتزقني.
وبقوة…وقعت وشي في الطين.
إيديا غرقت فيه…والفستان الأبيض اتبهدل في ثواني.
الناس شهقت…وهي حطت إيدها على بؤها وقالت:
“يا ساتر يا رب! رجلي زحلقت… حقك عليا يا بنتي.”
لكن عينيها…ما كانش فيهم أي ندم.
كان فيهم شماتة…حسيت دموعي هتنزل…مش علشان الفستان بس…علشان اكتفيت الإهانة والسكوت.
قلت بصوت مكسور..”أنا كويسة.”أحمد اتجمد مكانه.
والمعازيم بقوا يبصوا لبعض ومحدش اتكلم…إلا شخص واحد.
حمايا…الحاج محمود.الراجل اللي طول عمره ساكت.
وعمره ما اعترض على كلمة قالتها مراته.اتقدم لحد ما وقف قدامها.وقال بصوت هادي لكنه حاسم:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الثاني
حمايا بص لمراته نظرة عمرها ما بصهالها قبل كده.
وقال بصوت هادي، لكن كل اللي واقفين سمعوه:
“انتي ما زحلقتيش… انتي زقيتيها.”
الجنينة كلها سكتت.
حتى الموسيقى اللي كانت طالعة من السماعات كانت هادية لدرجة إن أنفاس الناس بقت مسموعة.
حماتي اتوترت للحظة.
لكن بسرعة رجعت تمثل.
وقالت وهي رافعة صوتها:
“إنت بتتهمني قدام الناس يا محمود؟ أنا مراتي زلت… والله زلت.”
الحاج محمود هز راسه.
“أنا كنت واقف وراك مباشرة.”
وأشار ناحية الممشى.
“وشفت إيدك وهي بتدفعها.”
أحمد لف بين أبوه وأمه وهو مش مستوعب.
“بابا… حضرتك متأكد؟”
رد من غير تردد:
“متأكد.”
حماتي بدأت تعيط.
“بقى بعد أربعين سنة جواز… هتصدق الغريبة ومش هتصدقني؟”
لكن لأول مرة…
الحاج محمود ما اتأثرش بدموعها.
بالعكس…
قال جملة خلتها تصفر.
“أنا طول عمري ساكت على ظلمك… لكن النهارده الظلم وصل لبنت ملهاش ذنب.”
بدأ همس المعازيم يزيد.
واحدة قالت:
“أنا كمان حسيت إنها زقتها.”
ورجل كبير قال:
“أنا كنت فاكر إني اتخيلت.”
وفجأة…
المصور قرب وهو ماسك الكاميرا.
وقال:
“لو تسمحوا…”
كل الناس بصتله.
قال بهدوء:
“الكاميرا كانت شغالة.”
وسكت ثانية.
“وكل اللي حصل متصور.”
الوشوش اتغيرت.
حماتي بقى لونها أصفر.
وقالت بسرعة:
“امسح الفيديو.”
المصور استغرب.
“أمسحه ليه؟”
قالت بعصبية:
“خصوصية.”
لكن أحمد مد إيده.
“هات الكاميرا.”
المصور شغل الفيديو.
كل الناس اتجمعت حواليه.
ظهر المشهد واضح.
ياسمين ماشية بهدوء.
حماتها بتقرب منها.
بتبص حواليها الأول.
وبعدين…
تمد إيدها.
وتزقها بقوة.
لدرجة إن جسمها كله اندفع لقدام.
محدش قدر يتكلم.
الصمت كان أقوى من أي صوت.
أحمد رجع خطوتين لورا وهو بيبص لأمه كأنه أول مرة يشوفها.
“ليه؟”
هي حاولت تضحك.
“الكاميرا خادعة.”
لكن المصور كبّر اللقطة.
وكانت إيدها واضحة جدًا.
مفيش أي زحلقة.
ولا فقدان توازن.
دفع متعمد.
الحاج محمود قفل عينيه بحزن.
وقال:
“كنت عارف إن غيرتك منها كبيرة… لكن ما توقعتش توصلي لكده.”
الفصل الثالث
كنت واقفة لسه هدومي كلها طين.
والبرد بدأ يدخل جسمي.
لكن الوجع الحقيقي كان جوايا.
أحمد قرب مني.
ركع على ركبته قدامي.
وقال بصوت مكسور:
“سامحيني.”
قلت وأنا ببصله:
“إنت عملت إيه؟”
قال:
“سامحيني لأني كل مرة كنت بقولك سيبيها.”
“كل مرة كنت بطلب منك تستحملي.”
“وأنا اللي كان لازم أوقفها.”
عيونه كانت مليانة دموع.
لكن اللي حصل بعد كده…
كان أغرب.
الحاج محمود طلع موبايله.
وضغط على رقم.
وبعد أقل من دقيقة قال:
“أيوه يا حضرة الظابط… أنا في فندق النيل.”
الناس بصتله باستغراب.
وقال بصوت واضح:
“مراتي اعتدت عمدًا على مرات ابني أثناء الفرح.”
حماتي شهقت.
“إنت اتجننت؟”
لكن هو كمل المكالمة.
“وفي تسجيل فيديو كامل.”
قفلت المكالمة.
وجت تجري تمسك الموبايل منه.
لكن سحب إيده.
وقالت وهي بتصرخ:
“هتبلغ عن مراتك؟”
رد بهدوء:
“قبل ما تكون مراتي… انتي مواطنة خالفت القانون.”
“والبنت دي ليها حق.”
المعازيم بقوا في حالة ذهول.
واحدة من قرايبهم قالت:
“يا حاج… دي ليلة فرح.”
رد عليها:
“واللي حصل جريمة.”
“ولو سكت النهارده… هتعمل بكرة مصيبة أكبر.”
بعد ربع ساعة…
وصلت قوة من الشرطة.
ودخلوا الفندق بعد ما الإدارة بلغتهم إن فيه بلاغ رسمي وشهود.
الضابط سأل بهدوء:
“مين مقدّم البلاغ؟”
الحاج محمود رفع إيده.
“أنا.”
وأدى له الكاميرا.
وشاف الفيديو.
وبعدها سأل أكتر من شاهد.
وكل واحد قال نفس الكلام.
الفصل الرابع
حماتي بدأت تصرخ.
“دي مؤامرة.”
“البنت دي خطفت ابني.”
“وإنتوا كلكوا ضدّي.”
لكن كل كلمة كانت بتوقعها أكتر.
لأن الفيديو كان أوضح من أي دفاع.
وفجأة…
سيدة كبيرة من أهل العيلة وقفت.
وقالت:
“أنا لازم أتكلم.”
كل الناس بصتلها.
قالت:
“دي مش أول مرة.”
وبدأت تحكي.
إن حماتي قبل كده حاولت توقع بنت أخوها من على السلم.
وخربت خطوبة بنت أختها.
وكذبت على ناس كتير علشان تفرق بينهم.
وأول مرة…
ناس من العيلة كلها بدأت تتكلم.
كل واحد طلع موقف كان ساكت عليه سنين.
والضابط كان بيسجل.
حماتي بقت تلف حوالين نفسها.
“كلهم بيكرهوني.”
لكن الحقيقة…
إن سنين طويلة من الخوف انتهت في اللحظة دي.
أحمد قرب من أبوه.
وقال:
“أنا فخور بيك.”
الحاج محمود ابتسم لأول مرة من زمان.
وقال:
“أنا اللي ندمت إني اتأخرت.”
وبصلي.
وقال:
“سامحيني يا بنتي.”
“أنا كان لازم أحميكي من أول يوم.”
دموعي نزلت.
لكن المرة دي…
مش دموع قهر.
كانت دموع راحة.
لأن أخيرًا…
حد قال كلمة الحق.
يتبع…
الفصل الخامس
وقفت الشرطة تطلب من كل شاهد يدلي بأقواله بهدوء.
الضابط بص لحماتي وقال:
“مدام… حضرتك ليكي حق الرد.”
حاولت تتماسك.
وقالت بثقة مصطنعة:
“أنا ما زقيتهاش… هي اللي فقدت توازنها.”
الضابط شغّل الفيديو مرة تانية.
المرة دي على شاشة أكبر جابها الفندق من قاعة الأفراح.
كل الموجودين اتجمعوا.
الفيديو اتعرض بالحركة البطيئة.
واضح جدًا إن حماتي بصت حواليها الأول.
واستنت لحد ما ياسمين بقت جنب منطقة الطين.
وبعدين مدت إيدها.
ودفعتها بكل قوتها.
حتى الفستان اتحرك من شدة الدفعة قبل ما تقع.
الضابط وقف الفيديو.
وقال بهدوء:
“واضح إن الدفعة كانت متعمدة.”
حماتي بدأت تتلخبط.
مرة تقول إنها كانت بتعدل الفستان.
ومرة تقول إنها كانت هتقع فمسكت ياسمين.
لكن كل رواية كانت مختلفة عن اللي قبلها.
ساعتها مدير الفندق جه بنفسه.
وقال:
“حضرة الضابط… عندنا كاميرات مراقبة من زاوية تانية.”
الكل بصله.
جاب التسجيل.
وكان أوضح بكتير.
الكاميرا جابت وش حماتي قبل ما تزقني.
وكانت بتبتسم ابتسامة غريبة.
ولما وقعت…
رجعت خطوة لورا وهي مبتسمة.
قبل ما تفتكر تمثل الصدمة.
ما بقاش فيه أي مجال للإنكار.
الضابط قفل الشاشة.
وقال للعسكريين:
“اتفضلوا.”
قربوا منها.
قالت وهي بتصرخ:
“إنتوا هتقبضوا عليا في فرح ابني؟”
رد الضابط:
“إحنا بننفذ القانون.”
فضلت تبص لأحمد.
“قولهم يا ابني… قولهم يسيبوني.”
أحمد كان واقف ساكت.
أول مرة في حياته…
ما يجريش ينقذها.
قال بصوت كله وجع:
“أنا بحترم القانون.”
الكلمة دي كانت كأنها صفعة.
بدأت تعيط وتصرخ.
لكن الشرطة اصطحبتها بهدوء وسط ذهول الحاضرين.
ولما خرجت من باب الفندق…
كان المكان كله ساكت.
محدش شمت.
ومحدش فرح.
لأن اللي حصل كان أكبر من مجرد خناقة عائلية.
كان انهيار سنين من الظلم.
الفصل السادس
رجعت أوضتي في الفندق.
بصيت لنفسي في المراية.
الفستان الأبيض بقى مليان بقع طين.
الإيدين مخدوشين.
وشعري مبهدل.
فضلت أبكي.
مش على الفستان.
لكن على اليوم اللي كنت بحلم بيه من وأنا طفلة.
بعد شوية…
الباب خبط.
كان أحمد.
دخل وهو شايل صندوق كبير.
حطه قدامي.
وقال:
“افتحيه.”
فتحته.
لقيت فستان زفاف جديد.
أبيض.
أجمل من الأول.
اتصدمت.
قلت:
“إيه ده؟”
ابتسم لأول مرة من ساعات.
وقال:
“أول ما الشرطة خرجت… كلمت أكبر أتيليه في القاهرة.”
“وصاحب الأتيليه لما عرف اللي حصل… فتح المحل مخصوص.”
“وقال إن أي عروسة تتعرض للموقف ده… لازم تفرح.”
بكيت وأنا ماسكة الفستان.
لكن أحمد كمل:
“ولو حتى ما كانش فيه فستان.”
“كنت هتجوزك بنفس الحب.”
“ولو في الشارع.”
“ولو من غير معازيم.”
“المهم… ما أسيبكيش تحسي إنهم كسروا فرحتك.”
حضنته لأول مرة من يوم الفرح.
وحسيت إن الحمل اللي فوق قلبي بدأ يخف.
الفصل السابع
بعد ساعتين…
رجعنا الجنينة.
المعازيم كلهم كانوا مستنيين.
أول ما دخلت بالفستان الجديد…
الكل وقف يصفق.
حتى العاملين في الفندق.
المصور ابتسم وقال:
“يلا نبدأ من جديد.”
الحاج محمود قرب مني.
ومد إيده.
وقال:
“ينفع أعتبرك بنتي؟”
حضنته.
وقلت:
“من النهارده… حضرتك أبويا.”
دمعت عينه.
وقال:
“وأوعدك…”
“ولا حد هيكسرك طول ما أنا عايش.”
الفرح رجع أجمل من الأول.
الناس رقصت.
والضحكة رجعت.
لكن أكتر لحظة أثرت فيا…
لما أحمد وقف قدام كل المعازيم.
ومسك الميكروفون.
وقال:
“أنا عايز أعتذر لمراتي.”
الكل سكت.
قال:
“مش علشان اللي حصل النهارده.”
“لكن علشان سنين كنت بطلب منها تستحمل.”
“كنت فاكر إن السكوت بيحل المشاكل.”
“اكتشفت إنه بيكبرها.”
“وأوعدها قدامكم…”
“أي حد يهينها بعد النهارده…”
“هيلاقيني واقف قدامه.”
المكان كله دوّى بالتصفيق.
الفصل الأخير
بعد عدة أشهر…
صدر الحكم في القضية.
واعتمدت المحكمة على تسجيلات الكاميرات، وشهادة الشهود، والفيديو الذي صوره المصور، وأقوال الحاضرين.
ونالت حماتي العقوبة التي قررتها المحكمة وفق القانون، كما أُلزمت بتعويض ما ترتب على الواقعة من أضرار.
بعد انتهاء القضية…
اختارت تعيش بعيد عن العائلة.
أما الحاج محمود…
فقرر يبدأ حياة جديدة.
استأجر شقة صغيرة قريبة من بيتنا.
وكان يزورنا كل أسبوع.
ولما ربنا رزقني ببنت بعد سنتين…
أول واحد شالها كان هو.
بص لها وابتسم.
وقال:
“دي هتكبر وهي عارفة إن كرامتها أهم من أي حد.”
ابتسمت وأنا ببص لبنتي.
وافتكرت يوم الطين.
اليوم اللي افتكرته نهاية فرحتي.
لكنه كان في الحقيقة…
بداية حياة جديدة.
لأن الإنسان ممكن يخسر فستان…
لكن عمره ما يخسر نفسه لو تمسك بكرامته.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *