زين مالك وداليدا مراد اسما السيد ×5
فضل زين ماسك الورقة بين صوابعه وهو بيقرأ الجملة مرة واتنين، كانت الكلمات بسيطة، لكن وقعها كان تقيل، لأن كل خطوة بيقربها من الحقيقة كانت بتفتح باب جديد لسؤال أكبر. رفع عينه ناحية سامح وقال: “إنت متأكد إن محدش شاف اللي حصل؟” هز سامح رأسه وقال: “راجعنا كاميرات المقابر، لكن الغريب إن التسجيل اختفى من الساعة اللي دفنا فيها أم نعيمة لحد الفجر، ولما رجع اشتغل كان القبر مفتوح.” زين ضيق عينيه وقال: “يعني اللي عمل كده عارف هو بيعمل إيه.” داليدا كانت واقفة ساكتة، لكنها فجأة قالت: “أبويا كان دايمًا يقول إن الميت اللي يعرف سر أخطر من الحي.” بص لها زين وقال: “تقصدي إنه ممكن يكون خد الجثمان؟” هزت رأسها بالنفي وقالت: “لو أبويا هو اللي عملها كان هيسيب علامة علشان يخوفنا، لكن الرسالة دي مختلفة، فيها حد بيحاول يوجهلنا.” زين رجع بص للورقة وقال: “يوسف مستنيكم.” كرر الاسم بصوت منخفض، ثم قال: “يبقى يوسف عايش فعلًا.”
مشى ناحية المكتب، فرد الخريطة القديمة والرسالة اللي كتبها كريم جنب بعض، وبدأ يراجع كل كلمة. كانت فيه حاجة ناقصة، حاجة كريم كان متأكد إن زين هيفهمها، لكنه لسه مش شايفها. فجأة وقعت عينه على كلمة “المخزن رقم سبعة”. قرب الخريطة أكتر، واكتشف إن جنب الفيلا القديمة كان فيه رمز صغير بنفس علامة النجمة المحفورة على الصندوق. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “المخزن والفيلا في نفس المنطقة.” داليدا قربت منه وقالت: “دي كانت أرض جد أبويا قبل ما يبني الفيلا.” رفع عينه بسرعة وقال: “يعني المكانين متوصلين.” سكتت لحظة، ثم قالت: “كان فيه كلام زمان عن أنفاق تحت الأرض، كنت فاكرة إنها حكايات بيخوفوا بيها الأطفال.” زين رد بثقة: “واضح إنها ماكنتش حكايات.”
قبل ما يكملوا، دخل أحد الحراس وهو بيجري، وقال وهو بينهج: “يا باشا… في واحد واقف بره البوابة، رافض يدخل أو يمشي، وبيقول إنه لازم يقابلك.” زين سأله: “مين هو؟” الحارس رد: “راجل كبير، شكله غلبان، لكن مصر يقابلك، وقال كلمة واحدة.” زين عقد حاجبيه وقال: “إيه هي؟” رد الحارس: “قال… قولوا لزين إن ساعة كريم لسه بتدق.”
اتغيرت ملامح زين فورًا، لأن ساعة كريم كانت موجودة فعلًا في الخزنة، لكنه كان متأكد إنها وقفت يوم وفاته. خرج بسرعة ناحية البوابة، وداليدا خرجت وراه. أول ما وصلوا، لقوا راجل عجوز واقف مستند على عصاية خشب، هدومه قديمة، لكن نظرته كانت ثابتة. أول ما شاف زين، ابتسم وقال: “أخيرًا شوفت ابن حسن مالك.” زين وقف قدامه وقال: “إنت تعرف أبويا؟” العجوز هز رأسه وقال: “اشتغلت معاه عشرين سنة.” داليدا كانت بتراقبه في صمت، فقال العجوز وهو باصص لها: “وأعرف أمك كمان.” الكلمة خلتها تقرب خطوة من غير ما تحس.
زين قال بحزم: “إنت مين؟” رد الرجل: “اسمي رجب.” سكت لحظة ثم كمل: “أنا آخر واحد شاف كريم حي.” اتقبض قلب زين، وقال بسرعة: “إحكي.” رجب تنهد وقال: “مش هنا.” بص حواليه، ثم مال ناحية زين وهمس: “العيون مالية المكان.” رفع زين عينه، وبص للحراس المنتشرين، لكن رجب كان بيقصد حاجة تانية. قال: “من ساعة ما وصلت وأنا شايف عربية سودا واقفة آخر الشارع، كل ما أبص ناحيتها تمشي شوية وترجع.” زين لف بسرعة، لكن العربية كانت اختفت.
رجب مد إيده في جيبه وطلع ساعة يد فضية قديمة. أول ما شافها زين اتجمد مكانه. كانت نفس ساعة كريم، لكن هو كان متأكد إنها عنده في الخزنة. قال بدهشة: “دي إزاي؟” ابتسم رجب وقال: “اللي عندك نسخة.” سكت لحظة وهو بيسلمها له، ثم قال: “أما دي… فهي الساعة اللي كان لابسها كريم ليلة ما مات.” قلبها زين بين إيديه، ولاحظ إن العقارب واقفة عند الساعة الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة. ضغط رجب على التاج الجانبي للساعة، فانفتح الغطاء الخلفي، وظهر تجويف صغير جدًا، كان جواه مفتاح نحاسي أصغر من عقلة الإصبع، وعليه نفس علامة النجمة.
داليدا شهقت وهي بتقول: “المفتاح التاني.”
ابتسم رجب وقال: “كريم عرف إنهم هيفتشوه، فخباه في آخر مكان ممكن حد يفكر يدور فيه.”
زين مسك المفتاح بإيده، لكن قبل ما يتكلم، دوى صوت طلقة واحدة.
الرصاصة عدت بجوار رأس رجب مباشرة.
وفي اللحظة اللي لف فيها زين ناحية مصدرها…
كان رجب بيسقط على الأرض، والدم بدأ ينتشر على قميصه الأبيض، بينما المفتاح النحاسي الصغير انزلق من بين أصابع زين وسقط في الحصى عند مدخل الفيلا.
كل حاجة حصلت في ثواني. زين اندفع ناحية رجب قبل ما جسمه يرتطم بالأرض بالكامل، مسكه من كتفه وهو بيصرخ على الحراس: “اقفلوا البوابات… محدش يخرج… دوروا على القناص.” في نفس اللحظة انتشر رجال الأمن في كل الاتجاهات، وأصوات اللاسلكي ملأت المكان، لكن الطلقة كانت جاية من مسافة بعيدة جدًا، والشارع قدام الفيلا كان فاضي، كأن اللي ضغط الزناد اختفى في الهوا. داليدا ركعت جنب رجب وهي بتحاول تضغط على الجرح بإيديها، لكن الدم كان بينزل بسرعة. رجب فتح عينيه بصعوبة وبص لزين وقال وهو بينهج: “لسه… لسه في وقت.” زين قرب ودنه منه وقال: “مين ضربك؟” ابتسم رجب ابتسامة باهتة وقال: “مش مهم… المهم… ما تروحوش الفيلا القديمة من الباب الرئيسي.” زين قال بسرعة: “ليه؟” رد بصوت متقطع: “تحت… الأرض… فيه…” فجأة طلع دم من بقه، وسكت للحظة وهو بيحاول ياخد نفسه. داليدا كانت بتبكي وهي بتقول: “استحمل… الإسعاف جاية.” لكنه هز رأسه ببطء وقال: “الإسعاف… متأخرة.” مد إيده المرتعشة ناحية زين وحطها على كفه، وقال آخر جملة وهو بيبص في عينيه مباشرة: “أبوك… ماكانش خاين.” وبعدها وقعت إيده وسكن جسمه تمامًا.
اتجمد زين مكانه. الجملة الأخيرة كانت أقوى من الرصاصة نفسها. طول السنين اللي فاتت كان فيه ناس بتهمس إن أبوه دخل شريك مع مراد، وإنه باع مبادئه في آخر عمره، لكن رجب وهو بيموت كان بيشهد بعكس كده. قام ببطء، ووشه كله غضب، لكن غضبه المرة دي كان بارد، أخطر بكتير من الانفعال. انحنى بسرعة يدور على المفتاح اللي وقع، وبعد ثواني لقطه من بين الحصى، مسحه بإيده وحطه في جيبه الداخلي. كان المفتاح الصغير عليه نفس علامة النجمة، لكن من الضهر كان محفور رقم اتنين. رفع عينه لداليدا وقال: “بقى معانا مفتاحين.” ردت وهي لسه باصة على ج..ثة رجب: “وخسرنا تاني واحد كان يعرف الحقيقة.”
وصلت الإسعاف بعد دقائق، لكن المسعف أول ما كشف على رجب هز رأسه في صمت. زين أمر الحراس يخلصوا الإجراءات بسرعة، وما يسمحوش لأي صحفي يقرب من المكان. كان عارف إن موت رجب مش مجرد جري..مة، دي رسالة جديدة. بعد ساعة رجعوا الفيلا، وكل واحد فيهم ساكت. أول ما دخل زين المكتب، طلع المفتاحين وحطهم جنب الصندوق. كانوا مختلفين في الحجم، لكن العلامة المحفورة عليهم واحدة. داليدا قربت تبص عليهم، وفجأة افتكرت حاجة. قالت: “استنى.” جريت ناحية أوضة النوم، وبعد دقيقة رجعت ماسكة السلسلة القديمة اللي كانت لابساها تحت هدومها. زين استغرب وقال: “دي إيه؟” قالت: “دي الحاجة الوحيدة اللي قدرت أخبيها من أبويا.” فتحت السلسلة، وكان متدلي منها تعليقة صغيرة جدًا على شكل نجمة. حطتها جنب المفتاحين، فاتطبق شكلها عليهم بالظبط. ضغطت عليها بإصبعها، فانقسمت النجمة لنصين، ووقع منها جسم معدني رفيع جدًا.
اتسعت عيون زين.
قال: “ده مفتاح.”
هزت رأسها وهي مصدومة.
“أنا كنت فاكرة إنها مجرد تعليقة.”
أخد المفتاح منها، وكان محفور عليه رقم تلاتة.
ابتسم لأول مرة من ساعات وقال: “يبقى أمك كانت مخبياه معاكي من وإنتي طفلة.”
لكن الفرحة ماكملتش.
لأن موبايل داليدا رن.
الرقم كان رقم مراد فؤاد.
بصت لزين بتردد.
قالها: “ردي.”
فتحت السماعة، لكن ماقالتش ولا كلمة.
جالها صوت مراد هادي بشكل مرعب.
“مبروك يا داليدا.”
سكت ثانية.
ثم قال:
“عرفتي تلاقي تلات مفاتيح أسرع مما توقعت.”
اتسعت عيناها.
بصت للمفاتيح اللي قدامها.
وقال مراد وهو بيضحك ضحكة خفيفة:
“بس واضح إن زين نسي يسألك سؤال مهم.”
همست وهي حاسة إن قلبها هيقف:
“إيه هو؟”
رد مراد بهدوء:
“مين قال إن الصندوق معمول علشان يتفتح؟”
وانقطع الخط.فضلت داليدا ماسكة الموبايل وهي باصة للشاشة بعد ما المكالمة انتهت، كأنها مستنية مراد يرجع يتكلم تاني، لكن الشاشة فضلت سودة. حطت الموبايل على المكتب ببطء وبصت ناحية زين، كان واقف قدام الصندوق وعينه ثابتة عليه، لكن واضح من ملامحه إنه مشغول بالجملة الأخيرة أكتر من أي حاجة. قال بهدوء: “مراد عمره ما بيقول كلمة من غير سبب.” داليدا هزت رأسها وقالت: “وده اللي مخوفني.” سألها: “ليه؟” ردت وهي بتتنفس ببطء: “لأن أبويا ساعات يقول الحقيقة علشان يخدع الناس، وساعات يكذب علشان يخليهم يصدقوا الحقيقة.” قرب زين من الصندوق وشغل الكشاف الصغير، بدأ يدقق في كل ضلع فيه، يمرر صوابعه على الخشب، يقلبه من كل ناحية، وفجأة وقف. قال: “تعالي شوفي.” قربت داليدا، فوراها خط رفيع جدًا ماكانش باين قبل كده. مرر زين ظفره عليه، فاتفتح جزء صغير من القاعدة، وطلع منه درج سري رفيع جدًا. اتبادلوا النظرات، لأنهم كانوا متأكدين إن الصندوق مقفول بالكامل. مد زين إيده وسحب الدرج الصغير، لكن بدل ما يلاقي ورق أو فلاشة، لقى لوحة معدنية محفور عليها ستة أماكن للمفاتيح، كل مكان متكتب تحته رقم. أول تلات خانات كانوا فاضيين، والتلاتة الباقيين كمان فاضيين، لكن فوقهم مكتوب جملة قصيرة. قرأها بصوت منخفض: “لا تفتح الباب قبل أن تعرف من يستحق الحقيقة.”
سكتوا كلهم.
داليدا همست: “يبقى المفاتيح مش علشان الصندوق.”
زين قال: “علشان اللوحة دي.”
حط المفتاح الأول في مكانه.
سمعوا صوت تك خفيف.
ثم حط المفتاح التاني.
طلع نفس الصوت.
بعدها ركب المفتاح التالت.
لكن ماحصلش أي حاجة.
فضلوا مستنيين ثواني.
وفجأة اتحركت اللوحة المعدنية لوحدها سنتيمترات بسيطة.
ظهر تحتها تجويف صغير.
كان جواه ظرف أصفر قديم.
فتحه زين بحذر.
طلع منه خطاب مكتوب بخط جميل.
في أول السطر كان مكتوب.
“إلى ابنتي داليدا.”
اتجمدت في مكانها.
إيديها بدأت ترتعش.
قال زين بهدوء: “ده خط والدتك؟”
هزت رأسها وهي بتحاول تمنع دموعها.
أخدت الجواب بإيديها وبدأت تقرأ.
“يا داليدا… لو وصلتي للكلام ده، يبقى أنا مقدرتش أحميكي بنفسي، لكن يمكن أقدر أحميكي بالحقيقة. لو أبوكي لسه عايش، اعرفي إنه هيعمل المستحيل علشان يمنعك تعرفي اللي هقوله.”
وقفت عن القراءة لحظة.
دموعها نزلت على الورقة.
كملت بصوت متقطع.
“أول حاجة لازم تعرفيها… إن مراد فؤاد مش أبوكي الحقيقي.”
الجملة وقعت على الأوضة كلها كأنها انفجار.
داليدا رفعت عينيها ناحية زين وهي مش مستوعبة.
همست.
“إيه؟”
خطفت الورقة من إيديها تكمل بعينيها.
وكان مكتوب تحتها مباشرة.
“الرجل اللي رباكي اسمه مراد، لكن والدك الحقيقي اسمه حسن مالك.”
رفع زين رأسه ببطء.
حس إن نفسه اتقطع.
قال بصوت خرج بالعافية.
“حسن… مالك؟”
داليدا كانت بتبص له وهي فاقدة القدرة على الكلام.
كمل قراءة الرسالة.
“حسن ماخانش حد، وماسرقش حد، وكان بيحاول يفضح الشبكة اللي كونها مراد. ولما عرف إني حامل، قرر يحمينا، لكن مراد سبقنا. خطفني، وبعدها أقنع الناس إني مراته، ورباكي على إنك بنته.”
وقع الخطاب من إيد زين.
افتكر آخر كلمات رجب.
“أبوك ماكانش خاين.”
كل قطعة في اللغز بدأت تتحرك في مكانها.
لكن قبل ما ينطق أي واحد فيهم.
وصل إشعار على موبايل زين.
كان من كاميرا المراقبة الوحيدة اللي رجعت تشتغل في المخزن رقم سبعة.
فتح التسجيل بسرعة.
ظهر راجل كبير مربوط على كرسي داخل غرفة مظلمة.
وشه كان مليان كدمات.
لكن أول ما رفع رأسه…
شهقت داليدا.
وقالت وهي مش مصدقة اللي شايفاه.
“ده…”
زين بص للشاشة واتسعت عيناه هو كمان.
لأن الراجل كان نسخة أكبر سنًا من صور والده حسن مالك.
وفي اللحظة التالية ظهر سليم من خلف الكرسي، قرب من الرجل، وبص مباشرة للكاميرا، وابتسم ابتسامته الباردة، ثم قال بهدوء:
“أهلاً يا زين… واضح إنك أخيرًا قربت من الحقيقة… لو عايز تعرف مين الراجل ده… تعالى المخزن رقم سبعة… لكن تعالى لوحدك.”
فضل زين مثبت عينه على شاشة الموبايل حتى بعد ما الفيديو وقف. كانت آخر صورة لسليم وهو بيبتسم بثقة، كأنه متأكد إن زين هييجي مهما كان الثمن. داليدا خطفت الموبايل من إيده وأعادت تشغيل المقطع مرة تانية، كانت بتدقق في ملامح الرجل المقيد أكثر من أي حاجة تانية. قربت الشاشة من وشها وهمست: “استنى… قرب الصورة.” زين عمل تكبير للمشهد، ظهر وش الرجل أوضح، شعره الأبيض كان مغطي جزء من جبينه، لكن تحت عينه اليمين كان فيه جرح قديم على شكل هلال. فجأة شهقت داليدا وقالت: “أنا أعرف العلامة دي.” زين لف ناحيتها بسرعة وقال: “شفتيها فين؟” أخدت نفسًا طويلًا وقالت: “في صورة قديمة كانت عند أمي. كانت بتخبيها جوه كتاب قرآن في أوضتها. كنت صغيرة، لكن فاكرة الراجل ده كان واقف جنبها وهي بتضحك. يومها سألتها مين ده، قالتلي إنه شخص مستحيل أشوفه تاني.” اتغيرت ملامح زين وقال: “يبقى الراجل ده مش غريب عنكم.” هزت رأسها ببطء وقالت: “أمي كانت بتبص للصورة كل ليلة وتعيط.”
زين قفل الفيديو وحط الموبايل على المكتب. فضل ماشي رايح جاي في الأوضة وهو بيفكر. كل حاجة بقت مرتبطة ببعض بشكل يخوف. حسن مالك. ليلى. مراد. سليم. يوسف. والمفاتيح الستة. فجأة وقف وقال: “دي مش دعوة.” داليدا بصتله باستغراب. قال: “دي كمين.” ردت بسرعة: “وأنت عارف كده وبرضه هتروح.” ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “أكيد.” قربت منه وقالت بعصبية: “إنت مش سامع؟ سليم عايزك تروح لوحدك. يعني مستنيك.” رد بهدوء: “وعارف إني هعرف إنها فخ. وبرضه طلب إني أروح. يبقى هو محتاجني حي.” سكتت لحظة وهي بتحاول تستوعب كلامه. كمل: “وده معناه إن عندي وقت.” قالت: “ولو حساباته غلط؟” رد وهو بيلبس الجاكيت: “يبقى أنا اللي هصححها.”
وقفت قدامه ومنعته من الحركة. لأول مرة كانت بتواجهه من غير خوف. قالت وهي بتبص في عينيه: “أنا مش هسيبك تروح لوحدك.” زين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “لو خدتك معايا هتبقي نقطة ضعفي.” ردت بسرعة: “وأنت بقيت نقطة ضعفي أنا.” أول ما خرجت الجملة منها سكتت. نزلت عينيها للأرض كأنها ندمت إنها قالتها. أما زين ففضل باصلها ثواني من غير ما ينطق. كانت أول مرة يسمع منها اعتراف من غير قصد. مد إيده بهدوء ورفع وشها وقال: “هرجع.” هزت رأسها بالنفي وقالت: “كل اللي وعدني إنه هيرجع… ما رجعش.” سكت لحظة ثم قال: “أنا مختلف.” ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “كلهم قالوا كده.”
رن موبايل زين فجأة. كان سامح. رد بسرعة. جاءه صوت سامح وهو بيقول: “يا باشا… عملت حاجة غريبة.” زين سأله: “إيه؟” رد: “الشريحة المعدنية اللي لقيناها وقعت مني بالصدفة جنب جهاز الكمبيوتر. أول ما قربت منها الشاشة فتحت لوحدها.” اتسعت عينا زين وقال: “وأنت فين؟” قال: “في المكتب.” زين جرى ناحية المكتب وداليدا وراه. أول ما دخلوا لقوا الكمبيوتر شغال، والشريحة المعدنية مركبة في فتحة صغيرة ماكانوش واخدين بالهم إنها موجودة. على الشاشة ظهرت خريطة إلكترونية قديمة، وفيها ست نقاط مضيئة. تلاتة منهم منورين باللون الأخضر، وتلاتة باللون الأحمر. تحت الخريطة كان فيه سطر واحد مكتوب.
“ثلاثة مفاتيح تم العثور عليها.”
داليدا همست: “الجهاز عارف.”
زين قرب أكتر، وفجأة واحدة من النقط الحمرا بدأت تومض بسرعة. ضغط عليها بالفأرة، فظهرت صورة لمكان مهجور. حيطان خرسانة. قضبان حديد. وباب معدني كبير مكتوب عليه رقم سبعة.
المخزن.
لكن اللي لفت نظره أكتر كان التاريخ المكتوب أسفل الصورة.
الصورة متصورة من خمس دقائق فقط.
يعني فيه حد بعت الموقع مباشر.
قبل ما يتكلم، الشاشة اسودت.
ثم ظهر سطر جديد.
“لو اتأخرت ساعة… هتخسر الحقيقة للأبد.”
بعدها مباشرة اشتغلت الكاميرا من جديد.
لكن المرة دي ماكانش فيها الرجل المقيد.
كان فيها سليم.
واقف لوحده.
باصص مباشرة للكاميرا.
رفع إيده اليمين ببطء.
وكان ماسك فيها سلسلة فضية.
في آخرها تعليقة نجمة.
نفس النجمة اللي كانت أم داليدا بتلبسها.
ابتسم سليم وهو بيحرك السلسلة قدام الكاميرا وقال بهدوء:
“واضح إنكم لقيتم تلات مفاتيح… لكن من غير السلسلة دي… ولا مفتاح فيهم له قيمة.”
ثم شد السلسلة من قدامه.
ورفع ولاعة.
وقرب النار منها ببطء.
وابتسامته كانت بتكبر.
بينما داليدا صرخت من غير ما تحس:
“لا… دي بتاعة أمي.”
يتبع
