امي العجوز حكايات أسما ×2

الفصل الخامس
بعد وفاة أمي بثلاثة أيام، لأول مرة من سنين، البيت كان ساكت بطريقة مرعبة.
كل حاجة فيه كانت بتفكرني بيها.
الكوباية اللي كانت بتشرب فيها الشاي.
الكرسي اللي كانت بتحب تقعد عليه جنب الشباك.
حتى البطانية الصوف اللي كانت بترفض أغيرها رغم إنها بقت قديمة.
كل ركن كان فيه حكاية.
ولويس كان لسه موجود.
مش لأنه مضطر.
لكن لأنه رفض يمشي ويسيبني لوحدي.
وفي صباح اليوم الرابع بعد العزاء، وهو بينضف أوضة أمي، ناداني بصوت غريب.
“فاطمة… ممكن تيجي؟”
دخلت.
لقيته واقف قدام الدولاب القديم.
وكان ماسك مفتاح صغير معلق بخيط أبيض.
قال:
“لقيته متخبي تحت الدرج.”
أول ما شفته…
عرفته.
المفتاح ده كنت بشوفه مع أمي طول عمري.
لكن عمرها ما قالت بيفتح إيه.
فتحنا كل الأدراج.
ولا واحد اشتغل.
لحد ما لويس خبط بإيده على أرضية الدولاب.
الصوت كان مختلف.
ركع على الأرض.
ورفع لوح خشب صغير.
تحته…
كان فيه صندوق حديدي تاني.
لكن أكبر.
مقفول بنفس المفتاح.
فتحناه.
وكان جواه عشرات الألبومات.
ومئات الصور.
وكراريس.
وخطابات.
وكلها تخص…
لويس.
صور ليه وهو طفل في دار الأيتام.
وهو في المدرسة.
وهو في حفلة التخرج.
حتى وهو شغال أول شغلانة.
بصيت للويس.
قلت:
“هي كانت بتتابع حياتك كلها.”
ابتسم وسط دموعه.
وقال:
“يعني عمرها ما سابتني.”
فتحنا آخر ظرف.
وكان مكتوب عليه:
“يُفتح بعد وفاتي.”
فتحته.
ولقيت رسالة طويلة من أمي.
أول سطر فيها خلاني أعيط.
“لو بتقرأوا الرسالة دي… يبقى ربنا جمعني بأبوكم.”
وبدأت تحكي تفاصيل عمر كامل…
يتبع في الفصل السادس…
الفصل السادس

كانت إيدي بتترعش وأنا بفرد ورق الرسالة.

لويس كان قاعد قدامي على الأرض، وساكت تمامًا، كأنه خايف يسمع أي كلمة تغير حياته من جديد.

بدأت أقرأ بصوت عالي:

«”يا فاطمة… ويا لويس…
لو الرسالة دي وصلت لإيديكم، يبقى أنا خلاص ارتحت. ويمكن لأول مرة من سنين طويلة أنام من غير ما أصحى مفزوعة من الذكريات.”»

وقفت شوية، ومسحت دموعي، وكملت.

«”في حاجات عمري ما قدرت أقولها وأنا عايشة، لأن الإنسان أحيانًا بيخاف من الحقيقة أكتر من الموت.”»

نظرت إلى لويس.

كان مطرقًا رأسه.

«”أبوكم… في آخر خمس سنين من عمره، اتغير تمامًا.”»

شهقت.

أكملت القراءة.

«”كل يوم جمعة كان يخرج من البيت ويقول إنه رايح الجامع… لكن الحقيقة إنه كان بيروح يقعد بعيد يراقب لويس.”»

بص لي لويس بدهشة.

قلت:

“يعني بابا كان بيشوفك؟”

هز رأسه في صدمة.

تابعت القراءة.

«”كان يرجع كل مرة ويقعد يبكي. ويقول لي: الواد بقى راجل… وأنا السبب إنه كبر لوحده.”»

سكتُّ لحظة.

ثم أكملت.

«”في مرة شافك وإنت واقف تحت المطر، بتصلح موتوسيكل واحد غلبان من غير ما تاخد منه جنيه.”»

لويس ابتسم لأول مرة.

وقال:

“فاكر اليوم ده…”

رجعت للرسالة.

«”رجع يومها وقال لي: الست دي ربت راجل أحسن مني.”»

ابتلعت ريقي بصعوبة.

ثم وصلت لآخر الصفحة.

وكان مكتوب:

«”لكن في سر تاني… أخفيته عنكم سنين.”»

قلبي انقبض.

قلبت الصفحة بسرعة.

كانت أول جملة مكتوبة بخط أكبر.

«”أنا مريضة من قبل ما أقعد على السرير بثلاث سنين.”»

شهقت.

أنا طول عمري كنت فاكرة إن مرضها بدأ بعد الجلطة.

لكن الرسالة قالت الحقيقة.

«”كان عندي مرض في الأعصاب، والدكاترة قالولي هيجي يوم ومش هعرف أتحرك.”»

وقتها…

بدأت أفتكر مواقف قديمة.

أمي وهي توقع المعلقة من إيديها.

أمي وهي تنسى أسماء الناس.

أمي وهي تستخبى في أوضتها وتعيط.

كل ده كان قبل الجلطة.

لكنها كانت بتخبيه عني.

ثم أكملت القراءة.

«”كنت عايزة أفضل قوية قدام بنتي.”»

بكيت بصمت.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.

كان فيها عنوان.

واسم.

ورقم ملف.

وتحتهم جملة واحدة.

«”بعد وفاتي… روحوا للمكان ده.”»

أنا ولويس بصينا لبعض.

كان العنوان في قرية صغيرة على أطراف المحافظة.

ولا واحد فينا سمع عنها قبل كده.

قلت:

“إيه المكان ده؟”

لويس قال:

“مش عارف.”

وفي آخر الرسالة…

كتبت أمي:

«”هناك هتعرفوا ليه اخترت لويس يرجع قبل ما أموت… وليه كنت مستنية اليوم ده من خمسين سنة.”»

قفلنا الرسالة.

البيت كله كان ساكت.

لكن إحساس غريب كان بيقول إن الحكاية لسه ما خلصتش.

في صباح اليوم التالي…

ركبنا عربية لويس.

وحطينا الصندوق والرسائل في الشنطة.

وانطلقنا ناحية القرية.

وكنا فاكرين إننا رايحين نكتشف سر قديم…

لكن الحقيقة كانت إننا رايحين نكتشف بداية حياة جديدة، ماكانش حد فينا يتخيلها.

يتبع في الفصل السابع…
الفصل السابع

خرجنا قبل شروق الشمس.

كانت السماء لسه رمادية، والهواء البارد داخل من شباك العربية.

لويس كان سايق في هدوء.

وأنا ماسكة الرسالة على حجري، أقراها للمرة العاشرة، يمكن ألاقي فيها حاجة فاتتني.

لكن مفيش.

العنوان كان واضح.

اسم قرية صغيرة بعيدة عن المدينة.

ورقم بيت.

وبس.

بعد حوالي ساعتين ونص، دخلنا القرية.

مكان هادي جدًا.

بيوت بسيطة.

وأشجار قديمة.

وكأن الزمن وقف هناك من سنين.

وقف لويس العربية قدام بيت صغير مبني بالطوب الأحمر، وسوره الأبيض متآكل من الزمن.

على الباب كانت لافتة خشب مكتوب عليها:

“دار الأمل لرعاية الأطفال.”

بصيت للويس.

قلت باستغراب:

“دار أيتام؟”

هز كتفه.

“واضح كده.”

خبطنا على الباب.

بعد دقيقة، فتحت لنا ست كبيرة في السن، شعرها كله أبيض، لكن عينيها مليانة حياة.

أول ما شافت الصورة اللي معانا لأمي…

حطت إيدها على بقها.

وقالت وهي تبكي:

“خيرية… أخيرًا ارتاحت.”

استغربنا.

قلت:

“حضرتك تعرفي والدتي؟”

ابتسمت.

وقالت:

“أعرفها؟ دي كانت ملاك المكان ده.”

دخلتنا جوه.

المكان كان بسيط.

لكن الأطفال كانوا بيلعبوا ويضحكوا.

كلهم جريوا عليها أول ما شافوها.

واضح إنها كانت أم لكل الموجودين.

قعدنا في مكتبها.

وطلعت دفتر حسابات قديم.

وقالت:

“أمك كانت تبعت فلوس كل شهر.”

شهقت.

“كل شهر؟”

هزت رأسها.

“من سبعة وثلاثين سنة.”

أنا حسيت إني مش عارفة أمي أصلًا.

قالت الست:

“ولا مرة اتأخرت.”

“حتى وهي مريضة.”

“ولو شهر الظروف ضيقت عليها… كانت تبيع دهبها.”

دموعي نزلت.

لويس كان ساكت.

الست قامت.

وراحت فتحت خزنة صغيرة.

ورجعت بصندوق خشب.

وقالت:

“ده أمانة عندي.”

“قالت مايتفتحش إلا بعد وفاتها.”

فتحناه.

كان فيه عشرات الخطابات.

كل خطاب باسم طفل.

ومع كل خطاب ظرف فيه مبلغ صغير.

وسلسلة فضة.

وصورة.

استغربت.

قالت الست:

“كل طفل كان يخرج من الدار لما يكبر…”

“كانت تكتب له رسالة بإيديها.”

“وتساعده يبدأ حياته.”

لويس مسك أول رسالة.

وقرأها.

وبعدين بكى.

قلت:

“في إيه؟”

ناولني الرسالة.

كان مكتوب فيها:

«”لويس…

يمكن لما تقرأ الرسالة دي أكون خلاص بقيت مجرد ذكرى.

لكن افتكر دايمًا إن الإنسان مش بيقاس بالماضي اللي اتولد فيه…

بيقاس بالخير اللي بيسيبه وراه.”»

وقفت عن القراءة.

لقيت ظهر الرسالة مكتوب عليه بخط أمي:

«”لويس هو الوحيد اللي هيعرف يكمل اللي بدأتُه.”»

كلنا سكتنا.

مديرة الدار ابتسمت.

وقالت:

“هي كانت متأكدة إنك هترجع.”

لويس قال باستغراب:

“وترجع إيه؟”

قالت:

“ترجع تدير المكان.”

أنا بصيت له بسرعة.

قال:

“أنا؟”

ابتسمت.

“آه.”

“خيرية اشترت الأرض دي من أكتر من ثلاثين سنة.”

“وسجلتها باسم جمعية.”

“لكن حطت في الوصية إن بعد وفاتها…”

سكتت.

ثم أكملت وهي تنظر مباشرة إلى لويس:

“الإشراف الكامل على الدار يكون للشخص اللي أنقذ آخر أيامها.”

لويس وقف فجأة.

وقال:

“أنا ممرض.”

“معرفش أدير مكان.”

ابتسمت الست الكبيرة.

وقالت:

“وهي كانت تقول…”

«”اللي عرف يحتوي قلب مكسور…

هيعرف يحتوي مية طفل.”»

الكلمات دي هزتنا إحنا الاتنين.

وفي اللحظة دي…

دخل طفل صغير عنده حوالي سبع سنين.

جري على لويس من غير مقدمات.

وحضنه.

وقال بابتسامة بريئة:

“إنت هتبقى بابانا الجديد؟”

لويس وقف مكانه.

مش قادر يرد.

أما أنا…

فافتكرت ابتسامة أمي وهي بتقوله:

“أوعي تسيبهم لوحدهم.”

وساعتها فقط…

بدأنا نفهم إن آخر وصية لأمي ما كانتش عن ميراث…

ولا عن فلوس…

كانت عن حياة كاملة أرادت أن تستمر بعد رحيلها.

يتبع في الفصل الثامن…
الفصل الثامن

فضل الطفل الصغير متعلق في رقبة لويس كأنه يعرفه من سنين.

لويس نزل على ركبته، ومسح على شعره، وسأله بابتسامة:

“اسمك إيه يا بطل؟”

الولد رد بحماس:

“يوسف.”

“وعندي سبع سنين.”

“وأنا اللي بسقي الزرع كل يوم.”

ابتسم لويس.

وقال:

“واضح إنك راجل مسؤول.”

يوسف ضحك، لكنه فجأة بص حواليه، واتأكد إن مفيش حد سامعه، وبعدين همس في ودن لويس:

“تيتا خيرية كانت بتقول إنك هتيجي.”

لويس اتجمد.

“قالت كده؟”

هز يوسف رأسه بحماس.

“كانت بتقول كل يوم جمعة…”

“هييجي راجل قلبه كبير… وهيرجع الضحكة للمكان.”

أنا بصيت لمديرة الدار.

ابتسمت وقالت:

“آخر سنتين قبل ما تموت، كانت بتيجي هنا رغم مرضها.”

“أحيانًا على كرسي متحرك.”

“وأحيانًا بالعربية الطبية.”

أنا شهقت.

“يعني كانت بتيجي هنا وأنا معرفش؟”

قالت بحزن:

“كانت ترفض نقولك.”

“كانت عايزة تفضلي فاكرة إنها رايحة المستشفى.”

حسيت بغصة في قلبي.

قد إيه كانت شايلة هموم لوحدها.

مشيت أنا ولويس وسط الدار.

كل طفل كان بيجري يسلم علينا.

وفي آخر الجنينة…

كان فيه مبنى صغير مقفول.

عليه لافتة خشب مكتوب فيها:

“مكتبة خيرية.”

استغربت.

سألت المديرة:

“دي مكتبة؟”

ابتسمت.

وقالت:

“دي أغلى حاجة كانت عندها.”

فتحت الباب.

ريحة الكتب القديمة مليت المكان.

المكتبة كانت مليانة رفوف.

قصص أطفال.

كتب علم.

روايات.

موسوعات.

وكل كتاب تقريبًا كان عليه ختم صغير.

“إهداء من خيرية.”

لكن في آخر الرف…

كان فيه دفتر كبير.

غلافه أزرق.

ومكتوب عليه:

“دفتر الأمنيات.”

فتحته.

لقيت أسماء الأطفال اللي عاشوا في الدار خلال أربعين سنة.

قدام كل اسم…

كان فيه حلم.

واحد كاتب:

“نفسي أبقى دكتور.”

واحدة كاتبة:

“نفسي يبقى عندي بيت.”

طفل تاني:

“نفسي حد يقولي يا ابني.”

وقفت عند آخر صفحة.

لقيت اسم لويس.

وبخط أمي.

“أتمنى أشوفه سعيد قبل ما أموت.”

لويس قفل الدفتر بسرعة.

ودموعه نزلت.

قال:

“أنا طول عمري كنت فاكر إني يتيم.”

“لكن الحقيقة…”

“كان في حد بيحبني كل يوم.”

في الوقت ده…

دخل راجل كبير في السن.

كان ماشي بعكاز.

أول ما شاف لويس…

وقف مكانه.

وقال وهو بيدقق في ملامحه:

“معقول…”

“إنت لويس؟”

لويس استغرب.

“أيوه.”

الراجل قرب منه.

وبدأ يضحك ويبكي في نفس الوقت.

وقال:

“أنا عم حسين…”

“البواب اللي كان بيشتغل في دار الأيتام اللي اتربيت فيها.”

لويس حضنه فورًا.

وقال:

“إنت لسه عايش؟”

ابتسم عم حسين.

“ربنا مد في عمري علشان أوصل لك الأمانة دي.”

طلع من تحت جلابيته ظرفًا أصفر قديم.

كان متقفل بالشمع الأحمر.

وقال:

“أمك… أقصد الست خيرية…”

“ادتني الظرف ده من خمسة وعشرين سنة.”

“وقالت لو قابلت لويس يومًا… سلمهوله.”

فتح لويس الظرف.

كان فيه مفتاح نحاس قديم.

وصورة.

وخريطة صغيرة.

ورسالة قصيرة.

قرأها بصوت مرتعش:

«”يا ابني…

يمكن لما تقرأ الرسالة دي، تكون سامحتني.

ولو سامحتني فعلًا…

روح للمكان اللي في الخريطة.

هناك هتلاقي آخر حاجة كنت بخبيها ليك.”»

أنا بصيت للخريطة.

كانت بتشير لبيت قديم…

في نفس القرية.

لكن بعيد عن الدار بحوالي كيلومتر.

سألت عم حسين:

“إيه المكان ده؟”

ابتسم ابتسامة غامضة.

وقال:

“بيت صغير محدش دخله من أكتر من ثلاثين سنة.”

“والست خيرية كانت تروح تقعد فيه كل شهر.”

“لوحدها.”

بصيت للويس.

وهو بصلي.

وعرفنا إن رحلتنا لسه ما انتهتش.

وفي صباح اليوم التالي…

قررنا نروح البيت القديم.

من غير ما نكون عارفين…

إن الباب اللي هنفتحه هناك…

هيكشف سر أخفته أمي نصف قرن كامل.

يتبع في الفصل التاسع…
الفصل التاسع

طلعنا من دار الأمل بعد العصر مباشرة.

كانت الخريطة اللي سابتها أمي قديمة، والورق أصفر من الزمن، لكن العلامات كانت واضحة.

البيت يقع في آخر القرية، بعد ترعة صغيرة وطريق ترابي تحيط به أشجار الجميز.

عم حسين أصر ييجي معانا.

وقال وهو ماشي بالعكاز:

“المكان ده محدش دخله من يوم ما الست خيرية قفلت بابه بإيديها.”

وصلنا قدام البيت.

كان صغيرًا.

سقفه من القرميد الأحمر.

وشبابيكه الخشب مقفولة بإحكام.

لكن الغريب…

إنه كان نضيف.

كأن حد لسه مهتم بيه.

لويس طلع المفتاح النحاس من جيبه.

بصلي.

وقال:

“جاهزة؟”

هززت راسي.

دخل المفتاح في الكالون.

لف مرة واحدة.

وصدر صوت خفيف.

ثم اتفتح الباب ببطء.

أول ما دخلنا…

ريحة المكان كانت مزيج بين الخشب القديم والورد المجفف.

الصالة كانت بسيطة.

ترابيزة خشب.

كرسي هزاز.

مكتبة صغيرة.

وساعة حائط توقفت عند الساعة الثالثة والربع.

كل حاجة كانت متغطية بقماش أبيض.

كأن صاحبة البيت خرجت من لحظات ولسه راجعة.

عم حسين ابتسم.

وقال:

“كانت تيجي كل أول شهر.”

“تنضف البيت بنفسها.”

“وتقعد ساعتين.”

“وبعدين تمشي.”

استغربت.

“ليه؟”

رد:

“قالتلي مرة…”

“في ذكريات لازم تفضل عايشة.”

بدأنا نشيل الأغطية.

فجأة…

لويس وقف قدام صورة كبيرة معلقة على الحائط.

كانت لأمي.

لكن وهي في العشرينات.

لابسة يونيفورم تمريض.

وبتضحك ضحكة عمري ما شوفتها.

وبجانبها…

طفل صغير ماسك إيدها.

الطفل كان لويس.

الصورة دي كانت أول صورة تجمعهم.

وتحتها إطار صغير مكتوب فيه بخط يدها:

“العيلة مش بالدم… العيلة بالرحمة.”

وقف لويس يبكي بصمت.

ثم دخلنا أوضة النوم.

كانت مرتبة بعناية.

وعلى السرير…

بطانية أطفال زرقاء.

قال عم حسين:

“دي البطانية اللي كانت بتغطي بيها لويس وهو رضيع.”

لويس مسكها بإيده.

وضمها لصدره.

وفي اللحظة دي…

سمعنا صوت حاجة وقعت.

لفينا بسرعة.

لقينا صورة كانت فوق الدولاب وقعت على الأرض.

ولما شلناها…

اكتشفنا إنها كانت مخبية خزنة صغيرة داخل الحائط.

فتحتها بالمفتاح الثاني اللي كان مع الرسالة.

جواها كان فيه:

– دفتر توفير قديم.
– ملف طبي.
– وعدة أشرطة كاسيت.
– وفيديو قديم.

أما الملف الطبي…

فكان أكبر صدمة.

كان باسم أمي.

وتاريخه قبل أكتر من خمسين سنة.

قرأته بسرعة.

وفجأة…

وقفت مكاني.

قلت:

“مستحيل…”

لويس جري عليّ.

“في إيه؟”

ناولته الورق.

قرأ أول سطر.

وتغير لون وشه.

كان مكتوب:

“المريضة: خيرية عبدالحميد.
سبب الدخول: مضاعفات بعد عملية ولادة قيصرية.”

بصلي لويس بعدم فهم.

قال:

“ولادة؟”

هززت راسي.

“أمي عمرها ما قالت إنها ولدت غيري.”

قلبنا باقي الصفحات.

وفي آخر التقرير…

كانت الجملة اللي قلبت كل حاجة:

“تم إنقاذ الأم، بينما توفي المولود الذكر بعد دقائق من الولادة.”

البيت كله سكت.

عم حسين نزل دموعه.

وقال بصوت منخفض:

“دلوقتي فهمت.”

بصيت له.

“فهمت إيه؟”

قال:

“ليه كانت بتحب لويس بالشكل ده.”

“كانت شايفة فيه الابن اللي فقدته.”

لويس قعد على الأرض.

وسند ضهره للحيطة.

وقال بصوت مكسور:

“يعني…”

“أنا ماكنتش مجرد طفل ساعدته.”

“أنا كنت بعوضها عن ابنها.”

أنا قعدت جنبه.

ومسكت إيده.

وقلت:

“يمكن في الأول.”

“لكن بعد السنين دي كلها…”

“بقيت ابنها فعلًا.”

في اللحظة دي…

لاحظت شريط كاسيت مكتوب عليه بخط أمي:

“يتسمع أنا ولويس موجودين.”

بصينا لبعض.

والقلب بيدق بعنف.

لأننا عرفنا…

إن صوت أمي لسه عنده كلام ماقالتهوش.

يتبع في الفصل العاشر…

الفصل العاشر

إيدي كانت بتترعش وأنا بحط شريط الكاسيت في المسجل القديم.

الجهاز كان مغبر، لكن واضح إنه كان بيتنضف باستمرار.

لويس وقف ورايا.

ولا واحد فينا كان قادر يتكلم.

ضغطت زر التشغيل.

في الأول…

طلع صوت تشويش خفيف.

وبعدين…

سمعنا صوت أمي.

واضح.

هادئ.

وكأنها قاعدة معانا في نفس الأوضة.

قالت:

“بسم الله الرحمن الرحيم.”

وسكتت ثواني.

“لو بتسمعوا التسجيل ده… يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.”

دموعي نزلت فورًا.

أما لويس…

فكان باصص للمسجل كأنه خايف يفوته حرف.

قالت:

“فاطمة… يا بنتي.”

“ولويس… يا ابني.”

“أنا عمري ما فرقت بينكم في قلبي.”

“لكن يمكن طريقتي كانت غلط.”

تنهدت في التسجيل.

ثم قالت:

“في حاجة لازم أوضحها.”

“لويس عمره ما كان بديل لابني اللي فقدته.”

“ولا كان مجرد طفل شفقة.”

“أنا حبيته لأنه كان لوحده.”

“ولأن ربنا حط صورته قدامي في الوقت اللي كنت أنا كمان حاسة إني ضايعة.”

بص لويس للأرض.

وأنا حسيت إن حملًا كبيرًا اتشال من فوق قلبه.

ثم أكملت أمي:

“بعد ما فقدت ابني…”

“كنت كل يوم أدخل أوضة الأطفال في المستشفى وأعيط.”

“وفي ليلة…”

“لقيت رضيع محدش واقف جنبه.”

“كان هو لويس.”

“من يومها…”

“دعيت ربنا يحفظه.”

“ووعدته إن عمري ما هسيبه.”

سكت التسجيل لحظات.

ثم عاد صوتها أكثر دفئًا.

“يمكن مقدرتش آخده بيتي.”

“لكن أخدته قلبي.”

أنا انفجرت في البكاء.

ولويس مسح دموعه بطرف كمه.

ثم جاء الجزء الذي لم نكن نتوقعه.

قالت:

“البيت اللي إنتوا قاعدين فيه…”

“أنا اشتريته من مرتبي بعد سنين طويلة.”

“مش علشان أسكن فيه.”

“لكن علشان يبقى بداية حلم.”

بصيت حواليا.

أول مرة لاحظت إن البيت فيه خمس أوض كبيرة.

ومطبخ واسع.

وجنينة خلفية.

قالت:

“نفسي بعد ما أموت…”

“البيت ده يتحول لمكان يستقبل الشباب اللي خرجوا من دور الرعاية.”

“يلاقوا فيه سقف.”

“وشغل.”

“وحد يسمعهم.”

“مش فلوس وبس.”

لويس رفع رأسه فجأة.

وقال بصوت مخنوق:

“هي كانت مخططة لكل ده.”

التسجيل كمل.

“يا لويس…”

“عارفة إنك هتقول إنك مش قد المسؤولية.”

“لكن أنا شفتك بعيني.”

“شفتك وإنت تسهر على مريض.”

“وشفتك وإنت تساعد غريب.”

“والإنسان اللي يعرف يرحم…”

“ربنا بيعلمه يقود.”

بعدها ساد صمت طويل في التسجيل.

ثم سمعنا صوت ورق بيتقلب.

وأخيرًا قالت:

“وفي آخر طلب.”

“كل سنة…”

“في يوم ميلادي…”

“اعملوا أكلة كبيرة.”

“واعزموا أي حد مالوش حد.”

“وخلوه يضحك.”

“ساعتها هحس إن دعائي ما راحش هدر.”

انتهى التسجيل.

ودار الشريط لحد آخره.

مفيش ولا كلمة تانية.

ولا واحد فينا اتكلم لدقائق.

ثم قام لويس بهدوء.

لف يبص في البيت كله.

وقال:

“مش هبيعه.”

قلت:

“وأنا معاك.”

قال:

“ومش هيفضل مقفول.”

ابتسمت لأول مرة من وفاة أمي.

وقلت:

“هنحقق حلمها.”

في اليوم التالي…

رجعنا للمدينة.

وأول حاجة عملناها…

إننا قابلنا المحامي.

وقلنا له:

“إحنا مش عايزين نقسم أي ميراث دلوقتي.”

“إحنا عايزين نعمل مؤسسة خيرية باسم خيرية عبدالحميد.”

المحامي ابتسم.

وفتح ملفًا كان محتفظًا به منذ سنوات.

وقال:

“كنت متأكد إنها هتختاركم.”

وأخرج ورقة أخيرة موقعة من أمي.

كان عنوانها:

“مشروع بداية جديدة.”

تحت العنوان مباشرة…

كانت خطة كاملة كتبتها بخط يدها، تمتد لعشر سنوات، وكأنها كانت تعرف أن رحلتها ستنتهي… لكن رسالتها ستبدأ من بعد رحيلها.

يتبع في الفصل الحادي عشر…
الفصل الأخير

فضلت أنا ولويس نبص في الورق اللي سابته أمي لساعات.

كل صفحة كانت مكتوبة بخط إيدها.

مفيهاش كلام عن الفلوس.

ولا عن الأملاك.

كلها كانت عن الناس.

عن الأطفال.

وعن المرضى اللي ملهمش حد.

وعن حلم كانت نفسها تشوفه قبل ما تموت.

في آخر صفحة كتبت:

«”الخير هو الميراث الوحيد اللي كل ما توزعه… يكبر.”»

قفل لويس الملف وهو مبتسم لأول مرة من يوم عرفته.

وقال:

“هننفذ كل كلمة.”

بدأت الأيام تتحرك بسرعة.

بعنا قطعة أرض صغيرة كانت أمي سايباها للاستثمار.

وأجرنا البيت القديم بعد ما رممناه بالكامل.

أما دار الأمل…

فبدأت تتغير.

رجعنا دهنا الأوض.

غيرنا الأسرة القديمة.

عملنا مكتبة أكبر.

وجهزنا قاعة كمبيوتر للأطفال.

وفتحنا عيادة صغيرة للكشف المجاني.

لويس كان يلف على الأطفال بنفس الابتسامة اللي كانت أمي بتبصله بيها.

وأنا بقيت مسؤولة عن الإدارة والحسابات.

وبعد سنة كاملة…

بقينا بنشوف أطفال الدار وهم بيتخرجوا من المدارس.

وفي كل نجاح…

كنت أحس إن أمي موجودة.

في يوم افتتاح المبنى الجديد، حضر أهل القرية كلهم.

حتى عم حسين، رغم كبر سنه، أصر ييجي.

وقف قدام الجميع وقال:

“الست خيرية ماتت بجسمها…

لكن قلبها لسه عايش في المكان ده.”

الناس كلها صفقت.

أما لويس…

فطلب الكلمة.

وقف قدام الميكروفون، وسكت شوية.

ثم قال:

“أنا اتولدت يتيم.

وكبرت فاكر إن الدنيا نسيتني.

لكن ست واحدة أثبتت لي إن الرحمة ممكن تعيش عمر كامل.”

ثم بص للصورة الكبيرة المعلقة لأمي.

وقال:

“أنا كنت فاكر إني جيت أخدمها في آخر أيامها.

لكن الحقيقة…

هي اللي أنقذت حياتي.”

كل الموجودين كانوا بيبكوا.

مرت خمس سنوات.

كبرت دار الأمل.

وبقت تستقبل أطفالًا من محافظات كتير.

والمركز الصغير بقى مؤسسة معروفة، فيها أطباء ومتطوعون ومدرسون.

أما البيت القديم…

فاتحول لبيت استقبال للشباب اللي خرجوا من دور الرعاية، يتعلموا فيه حرفة ويبدأوا حياتهم.

وفي كل سنة…

في يوم ميلاد أمي…

كنا نعمل مائدة كبيرة.

محدش يسأل اللي قاعد عليها غني ولا فقير.

كل اللي يهمنا…

إن محدش ياكل لوحده.

وفي السنة الخامسة…

دخل طفل صغير جديد الدار.

كان خائفًا، ومش بيتكلم مع حد.

لويس قعد قدامه، وابتسم.

وقال له:

“تعالى يا بطل.”

الولد سأله بخوف:

“هو أنا هفضل لوحدي؟”

ابتسم لويس، وحطه في حضنه، وقال:

“لا…

من النهارده…

إحنا عيلتك.”

وقفت أبص للمشهد.

وفجأة افتكرت آخر مرة أمي ابتسمت فيها وهي على سرير المستشفى.

ساعتها فهمت معنى كلامها.

العيلة مش شرط تكون من نفس الدم…

العيلة هي الناس اللي تختارك بقلبها، وتقف جنبك وقت ضعفك، وتخليك تحس إن ليك مكان في الدنيا.

رفعت عيني لصورتها المعلقة في مدخل الدار.

كانت مبتسمة بنفس الابتسامة الهادية.

ابتسمت أنا كمان، وهمست:

“اطمني يا أمي…

وصيتك اتنفذت.

ولويس بقى أخويا فعلًا…

وكل طفل هيدخل المكان ده، هيلاقي بيتًا، وأملًا، ومستقبلًا.”

ومن يومها…

كل واحد كان يدخل من باب دار الأمل حزينًا…

كان يخرج منها وهو مؤمن أن الرحمة قادرة تغيّر عمرًا كاملًا.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *