بعد الوفاه حكـايـات أسمـا ×2

الفصل السادس

كنت فاكر…

إن كل حاجة خلصت.

وإن حياتي أخيرًا هترجع طبيعية.

لكن بعد شهرين…

وأنا قاعد في مكتبي…

السكرتيرة دخلت وهي متوترة.

وقالت:

“يا فندم…

في راجل كبير بره.

بيقول إنه لازم يشوف حضرتك.”

قلت:

“مين؟”

قالت:

“رفض يقول اسمه.”

“بس قال إنه يعرف سر الحريق.”

أول ما سمعت الجملة…

وقفت من مكاني.

طلبت تدخلّه.

دخل راجل في آخر الستينات.

لابس جلابية بسيطة.

وشكله مرهق.

لكن أول ما بصيت في وشه…

افتكرت إني شوفته قبل كده.

قال وهو بيقعد:

“أنا اسمي عم حسين.”

“وكنت حارس المزرعة القديمة.”

سكت شوية…

وبعدين طلع ظرف قديم.

حطه قدامي.

وقال:

“أنا كنت خايف.”

“بس خلاص…

ضميري تعب.”

فتحت الظرف.

لقيت صور قديمة.

وصورة لعربيتي أنا وندى…

قبل الحريق بدقايق.

وفي الصورة…

كان فيه راجل واقف جنب العربية.

وشه واضح.

مش الدكتور.

ولا السواق.

ولا كريم.

شخص تاني خالص.

بصيت لعم حسين.

وقلت:

“مين ده؟”

رد وهو بيتنهد:

“ده المحامي القديم بتاع العيلة.”

اتجمدت.

المحامي؟

ليه يكون موجود؟

وليه محدش جاب سيرته في التحقيق؟

قال عم حسين:

“لأن محدش سأل.”

“وهو اختفى بعدها بيومين.”

…

في نفس الوقت…

المحقق اتصل بيا.

وقال:

“في حاجة غريبة.”

“في حسابات الشركة.”

سألته:

“مالها؟”

قال:

“في ملايين الجنيهات اتحولت من سنين…”

“لحسابات خارج مصر.”

“وكلها بتوقيع إلكتروني باسم والدتك.”

حسيت إن القصة أكبر بكتير من مجرد التخلص من ندى.

كان فيه حد…

بيسرق المجموعة من سنين.

وبيستخدم الفوضى علشان يغطي على كل حاجة.

…

رجعت البيت.

ندى كانت بتلعب مع ملك في الجنينة.

ملك أول ما شافتني…

جريت عليا.

حضنتها.

لكن ندى عرفت من وشي…

إن في مصيبة جديدة.

قالت بهدوء:

“إيه اللي حصل؟”

ناولتها الصور.

فضلت تبص فيها.

وفجأة أشارت بإصبعها على الراجل.

وقالت:

“أنا أعرفه.”

بصيت لها بسرعة.

“فين شوفتيه؟”

قالت:

“هو ده.”

“آخر واحد دخل عليا…

قبل ما ينقلوني من الفيلا.”

“وكان بيقول لأمك…”

“اطمني…

بعد الورق اللي هتمضيه…

أحمد مش هيعرف الحقيقة أبدًا.”

ساعتها…

اتأكدت إن المعركة اللي كسبناها…

كانت مجرد أول فصل.

أما الحرب الحقيقية…

فلسه هتبدأ.
الفصل السابع

طول الليل…

ما غمضليش جفن.

الصور كانت قدامي.

وكلام ندى بيلف في دماغي.

كل ما أقنع نفسي إن القضية خلصت…

يطلع دليل جديد يقول إن اللي حصل كان أكبر بكتير.

مع أول ضوء…

اتصلت بالمحقق.

قلت له:

“عايز كل حاجة عن المحامي ده.”

رد بسرعة:

“اشتغلنا عليه من أول امبارح.”

“بس في حاجة غريبة.”

سألته:

“إيه هي؟”

قال:

“الراجل مات.”

سكت ثواني.

وقال بعدها:

“أو بالأصح…

الناس كلها فاكرة إنه مات.”

…

بعد ساعة…

كنا قاعدين في مكتب المحقق.

حط قدامي ملف سميك.

وقال:

“اسمه عادل السيوفي.”

“كان المستشار القانوني لمجموعة المنصوري أكتر من خمسة وعشرين سنة.”

“وفجأة اختفى.”

قلت:

“وسجلوا وفاته؟”

هز راسه.

وقال:

“بلاغ وفاة.”

“لكن مفيش جثة.”

اتجمدت.

نفس السيناريو.

نفس اللي حصل مع ندى.

…

قلبت في الملف.

ولقيت صورة قديمة.

أبويا…

واقف جنب عادل.

الاتنين بيضحكوا.

سألت المحقق:

“أبويا كان بيثق فيه؟”

رد:

“جداً.”

“وكان ماسكه كل العقود المهمة.”

قفلت الملف.

وقلت:

“يبقى هو الوحيد اللي كان يعرف كل أسرار الشركة.”

…

في اللحظة دي…

ندى كلّمتني.

كانت بتبكي.

قالت:

“أحمد…

في حد دخل البيت.”

قلبي وقع.

قمت أجري.

وصلت الفيلا في أقل من عشر دقايق.

دخلت.

رجال الأمن كانوا بيفتشوا كل ركن.

لكن مفيش حد.

ندى كانت حضنة ملك.

وشها أبيض.

قالت:

“كنت في أوضة ملك.”

“ولما نزلت…”

“لقيت درج المكتب مفتوح.”

جريت على المكتب.

بصيت.

كل الملفات موجودة.

كل حاجة مكانها.

إلا حاجة واحدة.

…

الظرف الأصفر.

اللي كان فيه الصور الأصلية.

اختفى.

…

مدير الأمن قال:

“الكاميرات اتقفلت لمدة سبع دقايق.”

المحقق بصلي.

وقال:

“اللي عمل كده محترف.”

…

وأثناء ما إحنا بنتكلم…

واحد من الحراس دخل بسرعة.

وقال:

“لقينا حاجة في الجنينة.”

خرجنا كلنا.

كان فيه صندوق خشب صغير.

مقفول.

وفوقه ورقة.

مكتوب فيها:

“متدورش على اللي مات.”

فتحت الصندوق بحذر.

كان جواه ساعة يد.

أول ما شفتها…

إيدي اترعشت.

دي كانت ساعة أبويا.

الساعة اللي اتدفنت معاه من خمس سنين…

أو على الأقل…

ده اللي كنا فاكرينه.

تحت الساعة…

كانت فيه ورقة مطوية.

فتحتها.

مكتوب فيها بخط واضح:

“لو عايز تعرف مين خانك بجد…

ابدأ من موت أبوك.”

بصيت للمحقق.

وهو بصلي.

من غير ما حد فينا يتكلم…

فهمنا الحقيقة المرعبة.

يمكن…

كل اللي عشناه من أول اختفاء ندى…

ما كانش بداية القصة.

يمكن البداية الحقيقية…

كانت يوم وفاة أبويا.

وساعتها فقط…

أدركت إن أسرار عيلة المنصوري…

أعمق وأخطر بكتير مما كنت أتخيل.
الفصل الثامن

فضلت ماسك ساعة أبويا…

وببص لها كأني بشوفها لأول مرة.

الساعة دي…

أنا بنفسي حطيتها في إيده قبل ما يتدفن.

افتكرت اليوم ده بكل تفاصيله.

الجنازة.

العزا.

الناس.

أمي وهي بتبكي قدام الكل.

لكن فجأة…

سؤال ضرب دماغي.

أنا…

شوفت وش أبويا قبل الدفن؟

حاولت أفتكر.

افتكرت إن أمي كانت رافضة تمامًا إن حد يفتح النعش.

وقالت وقتها:

“حالته صعبة…

سيبوه يستر عليه.”

والكل احترم رغبتها.

حتى أنا.

المحقق قطع شرودي.

وقال:

“واضح إن في حاجة افتكرتها.”

بصيتله.

وقلت:

“إحنا عمرنا ما شفنا جثة أبويا.”

اتسعت عينيه.

وقال:

“يبقى لازم نطلع تصريح استخراج كل ملفات الوفاة.”

…

بعد يومين…

كنا في أرشيف المستشفى.

الموظف المسن فضل يقلب في الملفات القديمة.

وفجأة وقف.

وقال:

“غريبة.”

سألته:

“في إيه؟”

قال:

“في صفحة ناقصة.”

المحقق قرب منه.

وقال:

“يعني إيه ناقصة؟”

رد:

“تقرير الطبيب الشرعي موجود.”

“لكن تقرير استلام الجثمان… اختفى.”

…

خرجنا من المستشفى.

وإحنا ساكتين.

ركبنا العربية.

المحقق قال بهدوء:

“كل ما نقرب من الحقيقة…”

“الدلائل بتختفي.”

قلت:

“وده معناه إن في حد لسه بيمسح وراه.”

…

في نفس الليلة…

وصل ظرف من غير مرسل إلى الفيلا.

الحارس فتشه.

ماكانش فيه أي حاجة خطيرة.

فتحته.

كان جواه مفتاح نحاس قديم.

ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها:

“الخزنة رقم 17.”

“بنك القاهرة.”

…

تاني يوم الصبح…

أنا والمحقق دخلنا البنك.

مدير الفرع كان مستنينا بعد ما شاف التصاريح.

نزلنا للدور السفلي.

وقف قدام خزنة صغيرة.

لف المفتاح.

وبصلي.

وقال:

“اتفضل.”

فتحت الباب.

كان جواها صندوق معدني.

طلعته.

ولما فتحته…

اتجمدت مكاني.

كان فيه تسجيلات صوتية.

وعقد تأسيس قديم للشركة.

وخطاب بخط إيد أبويا.

الخطاب كان مكتوب عليه:

“إلى أحمد…

لو أنت بتقرأ الرسالة دي…

يبقى أنا فشلت أحميك.”

إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الظرف.

بدأت أقرأ.

“يا ابني…

لو وصلتك الرسالة…

اعرف إن أقرب الناس ليا خانوني.”

“ولو اختفيت في يوم…

ما تصدقش أي رواية تسمعها.”

“ودور على الحقيقة بنفسك.”

وقفت عن القراءة.

حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.

لكن الصدمة الحقيقية…

كانت في آخر سطر.

“أخوك كريم بريء.”

“هو كان طفل وقت ما بدأت المؤامرة.”

“أما العقل الحقيقي…

فهو الشخص الوحيد اللي محدش هيشك فيه.”

بصيت للمحقق.

وقلت:

“مين؟”

رد قبل ما يجاوب…

رن موبايله.

فتح المكالمة.

ولون وشه اتغير.

قال بصوت متوتر:

“إحنا لازم نرجع الفيلا حالًا.”

صرخت:

“في إيه؟”

قال:

“ندى اتصلت…”

“قالت إن راجل عجوز دخل البيت…”

“وأول ما شافته…”

“قال لها جملة واحدة.”

“أنا… محمود المنصوري.”

“وأنا… والد أحمد.”

في اللحظة دي…

وقفت الدنيا حواليا.

لأن أبويا…

اللي دفناه من خمس سنين…

كان واقف دلوقتي…

جوه بيتي.
الفصل التاسع

العربية كانت بتجري بأقصى سرعة.

ولا أنا…

ولا المحقق…

نطقنا ولا كلمة.

كل واحد فينا كان بيفكر في نفس السؤال.

لو الراجل ده فعلًا أبويا…

إحنا دفنا مين؟

وأمي كانت بتخبي إيه كل السنين دي؟

…

أول ما وصلنا الفيلا…

نزلت أجري.

الباب كان مفتوح.

الحراس واقفين في الجنينة.

وشوشهم كلها صدمة.

دخلت الصالون.

ولقيته.

راجل شعره كله أبيض.

دقنه طويلة.

جسمه هزيل.

لكن عينيه…

كانت نفس عيون أبويا.

نفس النظرة.

نفس الهدوء.

وقف أول ما شافني.

ابتسم ابتسامة باهتة.

وقال:

“كبرت يا أحمد.”

وقفت مكاني.

رجلي ما بقتش شايلاني.

قربت منه خطوة.

وبعدين خطوة.

لحد ما بقيت قدامه.

قلت وأنا صوتي بيرتعش:

“حضرتك… مين؟”

ابتسم بحزن.

وقال:

“أنا أبوك يا ابني.”

مد إيده يلمس وشي.

لكنني رجعت لورا.

مش خوفًا منه…

خوفًا من الحقيقة.

قلت:

“إحنا دفناك.”

هز رأسه.

وقال:

“اللي اتدفن…

ما كانش أنا.”

…

ندى كانت واقفة في آخر الصالة.

حضنة ملك.

والدموع في عينيها.

المحقق طلع جهاز تسجيل صغير.

وقال:

“لازم كل كلمة تتقال تتسجل.”

وافق الراجل.

وقعد على الكنبة.

وأخذ نفسًا طويلًا.

وقال:

“من سبع سنين…

اكتشفت إن في شبكة بتسرق فلوس المجموعة.”

“كنت فاكر إن الموضوع موظفين.”

“لكن بعد التحقيق…”

“اكتشفت إن اللي بيدير كل حاجة…”

“…أقرب الناس ليا.”

سألته بسرعة:

“أمي؟”

سكت ثواني.

وقال:

“لا.”

اتصدمت.

قال:

“أمك عرفت بعدين.”

“لكن اللي بدأ كل شيء…”

“كان شريكي القديم.”

“عصام الدمنهوري.”

“كان بيسرق الشركة بقاله سنين.”

“ولما واجهته…”

“هددني.”

“وقال إن أحمد ومراته هيدفعوا التمن.”

…

المحقق سأله:

“طيب اختفيت إزاي؟”

رد:

“بلغت جهة أمنية بكل اللي عندي.”

“وقالوا لي لازم أختفي مؤقتًا.”

“لأن الشبكة أكبر من اللي متخيلينه.”

“حتى خبر وفاتي…”

“كان جزء من خطة لحمايتي.”

بصيت له باستغراب.

قلت:

“طيب أمي ليه قالت إن ندى ماتت؟”

تنهد.

وقال:

“لأنها ارتكبت أكبر غلطة في حياتها.”

“بعد اختفائي…”

“صدقت إن ندى هي السبب في كل المصايب.”

“ولما عصام لعب بعقلها…”

“خلّاها تساعده من غير ما تعرف الحقيقة كاملة.”

ندى بصت له وقالت:

“يعني… كانت أداة؟”

هز رأسه بأسف.

وقال:

“كانت فاكرة إنها بتحمي ابنها.”

“لكن كانت بتدمره.”

…

وفجأة…

جرس الفيلا رن.

أحد الحراس جري يفتح.

وبعد ثوانٍ دخل وهو متوتر.

وقال:

“يا فندم…”

“في محامي بره.”

“بيقول إنه ممثل الأستاذ عصام الدمنهوري.”

وبعدين سلّمه ظرفًا مختومًا.

فتحته.

كان جواه ورقة واحدة.

مكتوب فيها:

“بعد كل اللي عرفته…”

“لسه الحقيقة ناقصة.”

“لو عايز تعرف مين صاحب أول أمر بخطف ندى…”

“اسأل أبوك…”

رفعت عيني ببطء.

وبصيت لأبويا.

ولأول مرة…

شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
الفصل العاشر

الصالة كلها سكتت.

كل العيون اتجهت ناحية أبويا.

حتى هو…

فضل ماسك الظرف بإيده.

وبص لورقة المحامي كأنه كان متوقعها.

قلت بصوت هادي…

لكن مليان غضب:

“رد عليا.”

“إيه معنى الكلام ده؟”

أبويا نزل راسه.

وقعد على أقرب كرسي.

وقال:

“في حاجات…

كنت أتمنى تاخدها معايا القبر.”

صرخت فيه:

“بعد اللي عرفناه كله…

لسه في أسرار؟!”

ندى حضنت ملك أكتر.

والمحقق شغّل جهاز التسجيل.

وأبويا بدأ يتكلم.

…

“يوم ما عرفت إن عصام بيخطط يخلص من ندى…

كنت مراقَب.”

“وماكنش ينفع أظهر.”

“بلغت واحد من رجالة الأمن القدام.”

“وقلت له يهربها من القاهرة.”

سألته بسرعة:

“وده اللي حصل؟”

هز راسه بالنفي.

وقال:

“لأ.”

“قبل ما يوصلها…

أمك كانت سبقته.”

“هي اللي أخدتها.”

ندى قالت وهي مصدومة:

“يعني… هي اللي خطفتني؟”

رد بحزن:

“أيوه.”

“لكن مش بأمر مني.”

“أنا كنت فاكر إنها هتأمنك.”

“ولما عرفت إنها حبستك…”

“كان فات الأوان.”

…

بصيت له وأنا مش قادر أصدق.

“يعني أنت غلطت.”

“بس ما كنتش عارف النتيجة.”

قال:

“وده الذنب اللي عايش بيه كل يوم.”

“أنا أول واحد فتح الباب…

لكن غيري هو اللي حوّل الغلطة لجريمة.”

…

في اللحظة دي…

المحقق أخد الموبايل.

وقال:

“لقينا مكان عصام.”

وقفت فورًا.

“فين؟”

رد:

“في استراحة قديمة على طريق العين السخنة.”

“واضح إنه كان مستني إنكم تعرفوا الحقيقة.”

…

بعد أقل من ساعة…

وصلنا المكان.

الاستراحة كانت هادية.

الباب مفتوح.

دخلنا بحذر.

لكن المكان كان فاضي.

ماعدا مكتب خشب.

وفوقه جهاز تسجيل.

المحقق ضغط زر التشغيل.

واشتغل صوت عصام.

“لو بتسمع الرسالة دي يا أحمد…

يبقى أنا خلاص بعيد.”

“أنا سرقت فلوس.”

“وزورت أوراق.”

“ولعبت بعقول ناس كتير.”

“لكن الحقيقة اللي لازم تعرفها…”

“إن أمك في آخر سنة كانت بتحاول تصلح اللي عملته.”

“كانت بتدور على ندى في السر.”

“وكانت ناوية تعترف.”

“بس ما لحقتش.”

التسجيل وقف.

بصيت لأبويا.

وبعدين لندى.

وقلت:

“يعني أمي…”

المحقق قال بهدوء:

“مسؤولة عن جرائم.”

“لكن واضح إنها في النهاية حاولت توقفها.”

ندى تنهدت.

وقالت:

“الاعتراف المتأخر…

ما بيمحيش الوجع.”

هزيت راسي.

“ولا بيرجع السنين.”

…

بعد ثلاثة أشهر…

اتقفلت كل القضايا.

اتقبض على أفراد الشبكة.

واستردت الشركة جزء كبير من أموالها.

وأبويا…

قرر يبعد عن الإدارة نهائيًا.

وقال قدام مجلس الإدارة:

“من النهارده…

أحمد هو المسؤول الوحيد.”

…

وفي مساء هادئ…

كنت قاعد في جنينة البيت.

ملك كانت بتجري وهي بتضحك.

ندى جابت فنجانين شاي.

وقعدت جنبي.

قالت بابتسامة:

“حاسس إن كل حاجة انتهت؟”

بصيت لبنتي.

وبعدين بصيت للسماء.

وقلت:

“يمكن الجراح عمرها ما تختفي.”

“لكن لأول مرة…

بقينا نعرف الحقيقة كاملة.”

ابتسمت ندى.

ومسكت إيدي.

وفي اللحظة دي…

حسيت إن السنين اللي اتسرقت مننا…

مستحيل ترجع.

لكن اللي جاي…

هيكون أخيرًا…

حياة اخترناها بنفسنا.
الفصل الأخير

مرت ثلاث سنوات…

ولأول مرة من سنين طويلة…

كان بيت المنصوري مليان ضحك بدل الصراخ.

ملك بقت في الحضانة.

كل يوم كانت تجري أول ما تشوفني.

وترمي نفسها في حضني وهي تصرخ:

“بابا أحمد!”

وأنا…

كل مرة كنت أحضنها…

أفتكر اليوم اللي شفتها فيه لأول مرة تحت مظلة الفندق.

اليوم اللي كنت فاكر فيه إن حياتي انتهت…

واكتشفت بعدها إنها لسه بتبدأ.

…

ندى رجعت تشتغل.

لكن المرة دي…

ما كانتش مجرد زوجة رئيس مجلس إدارة.

عملت مؤسسة خيرية باسم “بداية”.

كانت بتساعد الستات اللي اتعرضوا للظلم أو فقدوا بيوتهم.

وكانت دايمًا تقول:

“أنا نجوت…

وعلشان كده لازم أمد إيدي لغيري.”

…

أما الشركة…

فبقت أقوى من أي وقت فات.

أول قرار أخدته…

إني أعمل نظام يمنع أي فرد من العيلة إنه ينفرد بالقرارات.

كل حاجة بقت بالتصويت.

والمراجعة.

والشفافية.

كنت مؤمن إن أكبر درس اتعلمته…

إن السلطة من غير رقابة…

ممكن تدمر أقرب الناس.

…

أخويا كريم…

بعد ما خلص العقوبة اللي اتحكم بيها عليه…

طلب يقابلني للمرة الأخيرة.

قعد قدامي…

وشعره بقى فيه خصل بيضا.

قال وهو باصص في الأرض:

“أنا عارف إن كلمة آسف قليلة.”

“لكن مفيش يوم عدى إلا وأنا ندمت.”

سكت شوية…

وبعدين مد ليا مفتاح صغير.

وقال:

“دي آخر حاجة كانت عند أمي.”

فتحت العلبة المربوطة بالمفتاح.

لقيت رسالة.

بخط إيد أمي.

بدأت أقراها…

“يا أحمد…

لو الرسالة دي وصلتلك…

يبقى أنا خلاص مش موجودة.”

“أنا غلطت.”

“وغلطتي كانت أكبر من أي اعتذار.”

“افتكرت إني بحمي اسم العيلة.”

“ونسيت إن العيلة مش شركات ولا فلوس.”

“العيلة هي الناس اللي بنحبهم.”

“سامحني لو تقدر.”

“ولو ما قدرتش…”

“يبقى من حقك.”

قفلت الرسالة.

وحطيتها في الدرج.

ما بكيتش.

ولا فرحت.

حسيت بس…

إن صفحة أخيرًا اتقفلت.

…

بعد أسبوع…

أنا وندى وملك…

رحنا نزور قبر جدي.

وقفنا ندعيله.

وملك سألتني ببراءة:

“هو الناس اللي بنحبهم…

لما يمشوا…

بيسيبونا؟”

ابتسمت.

وشلتها بين إيديا.

وقلت:

“لأ يا حبيبتي.”

“اللي بيحب بجد…

بيفضل عايش في قلوبنا.”

ندى مسكت إيدي.

وبصتلي بنفس النظرة اللي وقعت في حبها من سنين.

وقالت:

“لو رجع الزمن…

كنت هتختارني تاني؟”

ضحكت.

وقلت:

“كل مرة.”

“حتى لو اضطر أدوّر عليكي العمر كله.”

ابتسمت وهي دموعها بتنزل.

وملك ضحكت من غير ما تفهم.

…

وإحنا راجعين…

عدينا قدام الفندق.

وقفت العربية دقيقة.

بصيت لنفس المكان…

اللي وقفت فيه ندى تحت المطر…

شايلة ملك…

وطالبة شغل.

المكان اللي بدأ منه رجوع حياتي.

ندى لاحظت إني سرحت.

قالت:

“بتفكر في إيه؟”

ابتسمت.

وقلت:

“بفكر إن الحقيقة ممكن تتأخر…”

“لكن عمرها ما بتضيع.”

شغلت العربية من جديد.

وكملنا طريقنا…

وإيد ندى في إيدي…

وملك بتغني في الكرسي اللي ورا…

وأخيرًا…

كان الطريق اللي قدامنا…

أجمل بكتير…

من كل الطرق اللي عدينا بيها.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *