اهملت زوجي روماني مكرم -2
وقفت مذهولة والموبايل في إيدي، وصوت أمي لسه طالع من السماعة وهي بتؤمرني أرجع عشان “منصغرهمش”. بصيت لجوزي اللي كان واقف مستني ردي، وعينه فيها نظرة تحدي أخيرة.. نظرة بتقول: “يا البيت ده، يا كلام أهلك.”
قفلت السكة في وش أمي من غير ولا كلمة.
حطيت الموبايل على التربيزة وبصيت له وقولت بصوت ثابت لأول مرة:
— “مش هخرج من هنا يا أحمد.. وأهلي على عيني وراسي، بس ده بيتي وإنت جوزي، والمرة اللي فاتت كنت عميانة، بس المرة دي أنا شايفة كويس قوي إيه اللي بيتبني وإيه اللي بيتهد.”
ملامحه لانت شعرة بسيطة، بس لسه مصفاش. سابني ودخل الأوضة، وقفت أنا في المطبخ، بدأت أنضف وأعمل أكل، كنت بحاول أثبت لنفسي قبل ما أثبت له إن الروح رجعت للبيت.
على المغرب، الباب خبط. كانت أمي وأخويا الكبير.
دخلوا وهما وشهم بيقلب ألوان، وأخويا قال بصوت عالي:
— “إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ تقفلي السكة في وش أمك وتيجي هنا من غير علمنا؟ إنتي فاكرة مالكيش رجالة ولا إيه؟”
أحمد خرج من الأوضة بكل برود، وقف وسند ضهره على الحيطة وقال:
— “الرجالة اللي بيتكلموا عنها يا “حمادة” هي اللي بتحافظ على بيوت أخواتها، مش اللي بتشجعهم يخربوا حياتهم.. أختك في بيتها، وإظن مفيش راجل يتلام إنه دخل بيته.”
أمي بصت لي بغل وقالت:
— “بقى بتفضلي ده علينا؟ ده اللي سابك أسبوعين ولا سأل فيكي؟ ده اللي كان هيخطب عليكي لولا إننا كشفناه؟”
رديت عليها بهدوء وأنا ماسكة إيد أحمد:
— “هو مكنش بيخطب يا ماما.. هو كان بيجيب شبكة لأخته.. وإنتوا اللي فهمتوني غلط وزي ما يكون كنتوا مستنيين له غلطة.. أنا مش هخرج من هنا، وياريت تحترموا رغبتي.”
أخويا شدني من إيدي بعنف:
— “هتمشي معانا ورجلك فوق رقبتك، والبيت ده مش هتدخليه تاني إلا بشروطنا.”
في اللحظة دي أحمد اتدخل، مسك إيد أخويا ونزلها بقوة وقال بصوت زي الرعد:
— “إيدك لو اتمدت عليها تاني في بيتي، هنسى إنك أخوها.. أختك قالت كلمتها، والزيارة دي انتهت لحد هنا.”
خرجوا وهما بيتحسبنوا وبيهددوا إنهم هيقاطعوني، قفلت الباب وراهم وحسيت بوزن جبل انزاح من على صدري.. بس لما لفيت لأحمد، ملقتش حضن مفتوح.
لقيته بيبص لي بوجع وقال:
— “وقفتك دي كان نفسي أشوفها من أول يوم.. كان زماننا وفرنا على نفسنا وجع كتير.. بس يا هبة، الشرخ اللي جوايا لسه مامنش.”
قربت منه وقولت له:
— “هداويه يا أحمد.. والله هداويه.”
بص لي وسكت، ودخل نام في الصالة وسابني لوحدي في الأوضة.
مرت ليلتين وأنا في البيت زي “الخيال”، بعمل كل حاجة في صمت، وهو بيتعامل بحدود جداً.. لحد ما جه يوم خطوبة أخته “نور”.
لقيته داخل الأوضة ومعاه كيس شيك، حطه على السرير وقال:
— “نور مصممة إنك تحضري معاها.. ده فستان جبتهولك، البسيه وجهزي نفسك.”
فرحت جداً، وحسيت إنها بداية الصلح. لبست واتشيكت ونزلنا، وطول الحفلة كنت بحاول أكون جنبه، بس الغريب إن نظرات الناس كانت كلها شفقة.. ومرات أخوه كانت بتبص لي بابتسامة شماتة غريبة.
في نص الحفلة، نور قربت مني وهمست في ودني بكلمة وقعت عليا كالصاعقة:
— “أبله هبة.. أنا فرحانة إنك جيتي، بس هو أحمد مقالكيش على العقد اللي مضاه الصبح؟”
سألتها بقلب مقبوض:
— “عقد إيه يا نور؟”
قالت ببرود:
— “عقد بيع الشقة.. أحمد باع الشقة يا أبله هبة، وقرر إنه يسافر يشتغل بره.. والطيارة بتاعته الفجر.”
الدنيا اسودت في عيني، وبصيت لأحمد اللي كان واقف بعيد بيضحك مع صحابه، وكأنه بيودع حياته القديمة كلها.. بما فيها أنا.
#الكاتب_رومانى_مكرم
ساد الصمت في القاعة، والموسيقى اللي كانت مالية المكان اتحولت في ودني لضجيج ملوش معنى. بصيت لأحمد، كان واقف ببدلته الأنيقة، ملامحه هادية بشكل مرعب، مفيش عليه أي علامة من علامات الوداع أو الحزن.
قربت منه بخطوات تقيلة، والناس كلها بدأت تلاحظ وشي اللي بقى لونه أبيض زي الكفن. وقفت قدامه وسألته وصوتي بيترعش:
— “أحمد.. إنت فعلاً بعت الشقة؟ وإيه حكاية السفر اللي نور بتقول عليه؟”
أحمد بطل ضحك مع صحابه، وبصلي بنظرة أخيرة، نظرة فيها خلاصة الحكاية كلها، وقال بهدوء:
— “البيت ميبقاش بيت يا هبة لما الحيطان تفقد الأمان.. أنا بعت الشقة لأن كل ركن فيها بيفكرني بلحظة خذلانك ليا.. والسفر ده كان حلمي من زمان، بس كنت مأجله عشانك.. ودلوقتي، مابقاش فيه سبب يخليني أستنى.”
دموعي نزلت في وسط القاعة قدام الكل، وقولتله بكسرة:
— “يعني كل اللي عملته الأيام اللي فاتت، وقفتي قدام أهلي، ورجوعي.. كل ده ملوش ثمن عندك؟”
رد عليا وهو بيعدل كمه:
— “ليه ثمن طبعاً.. ثمنه إنك عرفتي قيمة اللي كان في إيدك وضيعتيه، وعرفتي إن أهلك اللي حرضوكي هما أول ناس شمتوا فيكي لما وقعتي.. أنا مكسرتش قلبك يا هبة، أنا بس رجعتلك “الأمانة” اللي إنتي رمتيها يوم ما مشيتي.. الشنطة بتاعتك في التاكسي بره، والطيارة ميعادها قرب.”
أحمد سابني واقفة في وسط فرح أخته، وخرج من غير ما يبص وراه. ركبت التاكسي وأنا منهارة، الشوفير سألني: “على فين يا مدام؟”
لحظتها بس، اكتشفت إني ماليش مكان.. لو رجعت لأهلي، هرجع “ضيفة تقيلة” مكسورة الجناح زي ما أخويا قال، ولو فضلت في الشارع، ماليش سقف.
طلبت منه يوديني عند أهلي.. دخلت البيت والشمس كانت بتشقشق. أمي أول ما شافتني والشنطة في إيدي، مفكرتش تحضني، أول كلمة قالتها كانت:
— “شوفتي؟ مش قولتلك هيذلك؟ أديكي رجعتي مطلقة ومكسورة ووشنا في الأرض.”
ساعتها بس فهمت الحقيقة المرة.. إن اللي بيخسر شريك حياته عشان يرضي كبرياء أهله، بيخسر الاثنين في الآخر.
**الحكمة:**
البيوت أسرار، والراجل والست هما اللي بيحموا الحيطان دي من الهوا.. أهلك هما سندك، لكن جوزك هو بيتك وحياتك. اللي تسمح لحد “أيًا كان هو مين” إنه يتدخل بينها وبين جوزها، كأنها بتهد بيتها بإيدها طوبة طوبة. الكرامة في الحب مش إنك تعاندي وتسيبي البيت، الكرامة الحقيقية إنك تحافظي على اللي صانك، لأن فيه فرص لما بتضيع، مبيجيش بعدها غير الندم.. والسكوت اللي بيجي بعد العاصفة، أوقات بيبقى علامة على إن القلب قفل بابه للأبد.
#الكاتب_رومانى_مكرم
#حكايات_رومانى_مكرم