روماني ×2
… قبل ما تنطق بكلمة واحدة، لقيت إيدي بتتمد لوحدها وطيرت الموبايل من إيدها، نزل على الأرض اتدشدش ميت حتة. كانت واقفة مبرقة، ملامح الرعب بدأت تظهر ورا قناع البرود اللي كانت دايماً لابساه.
زعقت بصوت مبحوح من كتر الغل:
ـ بقا أنا مغفل؟! أنا السبوبة اللي هتاكلي من وراها عيش إنتِ واللي مشغلِك؟!
حاولت تجمع شتات نفسها بسرعة، ورجعت راسها لورا وبصتلي بعين قوية وقالت:
ـ إنت بتمد إيدك على حاجتي؟ وبعدين إنت بأي حق تفتح اللاب توب بتاعي وتقرأ كلام خاص؟ إنت كدا بتستغفلني!
ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة واحد مابقاش باقي على أي حاجة في الدنيا:
ـ بستغفلك؟! ده إنتِ ليلتك سودا وسوادها ملوش آخر! الكارت اللي بتسحبي منه، والشقة اللي إنتِ واقفة فيها، والاسم اللي شلتيه.. كله هيتفركش النهارده.
قربت منها خطوة، لقتها بترجع لورا وخوفها بيزيد، كملت كلامي وأنا بشاور على اللاب توب:
ـ المحادثة دي أنا صوّرتها.. صوّرتها بـ موبايلي قبل ما تدخلي، ومش بس كدا، أنا هعرف مين “الحب كله” بتاعك ده وهجيبه من قفاه.. بس الأول، إنتِ هنا مالكيش عيش.
ردت عليا بنبرة فيها تهديد مبطن:
ـ أعلى ما في خيلك اركبه يا بيضة.. إنت ناسي إني مراتك؟ يعني أي قرش صرفته ده حقي، واللاب توب ده كلامه ما يثبتش حاجة في المحكمة، وورقة الخلع جاهزة لو مش عاجبك.. أنا ملوية دراعي مبيتلويش!
الكلام كان زي السكاكين، بس خلاني أفوق أكتر. مديت إيدي في جيبي وطلعت المفاتيح بتاعتي وبتاعت الشقة، وروحت ناحية الدولاب، فتحته وطلعت شنطة هدومها الكبيرة وحدفتها في نص الأوضة وقولتلها بصوت ثابت ومخيف:
ـ لمي هدومك.. مش عايز أشوف وشك هنا ثانية واحدة.
بصت للشنطة وبصتلي وقالت:
ـ مش هخرج.. وريني هتعمل إيه؟ هتضربني؟ اضرب عشان أطلبلك النجدة وأعملك قضية تبديد وضرب وأحبسك!
قعدت على الكنبة بكل برود، وطلعت موبايلي وقولتلها:
ـ مش هضربك.. أنا هكلم أبوكي وأخوكي ييجوا يشوفوا الشات ده بنفسهم، ويشوفوا بنتها المصونة اللي كانت بتقول “هبات عند صاحبتي” كانت بتبات فين وبتخطط لسرقة جوزها مع مين.. خليهم ييجوا ياخدوا بنتها بفضيتها، ولا تحبي أعمل بلاغ في القسم بتهمة النصب والسرقة واستغلال كارت بنكي بدون علم صاحبه؟ الشات معايا، وصور الفواتير والرحلة اللي حجزتيها لأصحابك معايا.. تحبي نبدأ بـ إيه؟
لما جبت سيرة أهلها وسيرة القسم، وشها جاب ألوان، وعرفت إنها خسرت الجولة دي. لمت حاجتها وهي بتبرطم وتتحسبن، وبتبصلي بنظرات غل كأنها عايزة تقتلني. أخدت الشنطة في إيدها وقبل ما تفتح باب الشقة دارت وشها وقالت:
ـ ماشي يا.. يا ابن الناس، هخرج.. بس ديل الكلب عمره ما يتعدل، وإنت هتموت وتلف ورايا عشان أرجعلك.. الحلاوة دي عمرك ما هتطولها تاني.
رزعت الباب وراها ومشيت.
قعدت في الصالة لوحدي، البيت فجأة بقى ضلمة وكئيب.. بس المرة دي مكنش كآبة خوف، كانت كآبة ندم بياكل في ضلوعي. افتكرت “هناء”.. افتكرت الدفتر اللي سابتهولي.. الفلوس اللي شقيت فيها عشان تحوشهالي، في نفس الوقت اللي التانية كانت بتسرقني فيه.
مرت ليلة كاملة مكنتش قادر أغمض عيني فيها.. كل ما أغمض، أشوف وش هناء وهي بتدعيلي في الورقة “ربنا يسعدك في حياتك الجديدة”. دموعي كانت بتنزل ومفيش أي حاجة قادرة توقفها.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعد مش حاسس بالوقت، موبايلي رن.. كان رقم “الحب كله” اللي أنا أخدته من اللاب توب بتاعها قبل ما أطردها.. الرقم ده أنا كنت بعتله رسالة بالليل من موبايل تاني وقولتله فيها: “أنا عرفت كل حاجة وبنتك معايا في البيت والشرطة جاية”.
لقيت صاحب الرقم بيتصل.. رديت وأنا حابس أنفاسي..
جالي صوت شاب باين عليه الخوف والارتباك، بس الصدمة مكنتش في صوته.. الصدمة كانت في الجملة اللي قالها أول ما فتح الخط:
ـ ألو.. أرجوك بلاش شرطة وفضايح، أنا مليش ذنب.. هي اللي وزتني وقالتلي إنك مغفل ومعاك فلوس.. وأنا أصلاً أبقى…
لما قال الاسم والقرابة اللي تربطه بمراتي الأولى “هناء”، حسيت إن عقلي هيطير من راسي.. الدنيا لفت بيا تاني، والمؤامرة طلعت أكبر وأعمق بكتير من مجرد واحدة طمعانة في فلوسي!
الخيط اتمسكت أوله، بس اللي جاي كان كفيل يهد جبال…
ـ ألو.. أرجوك بلاش شرطة وفضايح، أنا مليش ذنب.. هي اللي وزتني وقالتلي إنك مغفل ومعاك فلوس.. وأنا أصلاً أبقى “كريم” ابن أخو هناء الله يرحمها!
الاسم نزل عليا زي الصاعقة اللي شقت دماغي نصين. كريم؟ الواد الصايع اللي كانت هناء دايماً بتبكي من عمايله وتقولي ده جايب لأمه وأبوه الكلام؟ هو ده “الحب كله”؟ هو ده اللي مراتي الجديدة بتخطط معاه عشان تسرقني وتخليني على الحديدة؟
حسيت إن طاقة غضب عمري كله اتجمعت في اللحظة دي. قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق بكلمة واحدة. كنت بتنفس بسرعة وصوت ضربات قلبي مسمع في الشقة الفاضية. المؤامرة مكنتش مجرد ست طماعة، دي كانت طعنة من جوه البيت، خطة مدروسة عشان ينتقموا مني.. بس ينتقموا لإيه؟ هناء مكنتش تعرف بحكايتهم، هناء ماتت مكسورة ومظلومة وسابتلي شقا عمرها.
لبست هدومي ونزلت الشارع وزي المجنون ركبت عربيتي وطيرت على منطقة شعبية، الحتة اللي ساكن فيها كريم وأهله. كنت بسوق وأنا شايف وش هناء قدامي، وشها الطيب اللي عمري ما صنته.
وصلت البيت، نزلت من العربية ورزعت الباب، وطلعت السلم خطوتين بخطوة لحد ما وصلت لشقتهم. فضلت أرزع على الباب بإيدي ورجلي لحد ما الباب فتح، وظهرت أم كريم (مرات أخو هناء)، وشها كان أصفر ومخطوف أول ما شافتني.
زقيت الباب ودخلت وسط الصالة وزعقت:
ـ فين الواد الصايع ابنك؟ وينه؟
طلع كريم من الأوضة وهو بيرتعش، ملامحه كانت خايفة وجبانة، عكس القوة اللي كان بيكتب بيها في الشات. أول ما شافني رفع إيده وقال:
ـ والله يا عمي أنا مالي ذنب! هي اللي بدأت.. هي اللي جاتلي من ست شهور لما عرفت إنك بتدور على عروسة جديدة.
مسكته من ياقته وعينيا بتطلع شرار:
ـ أنطق يا روح أمك! جاتلك إزاي؟ وعرفت منين؟ وإيه حكايتكم بالظبط؟
كريم اتكلم ونبرة الخوف مسيطرة عليه:
ـ “شيريهان” (مراتي الجديدة) تبقى قريبة واحد صاحبي.. لما عرفت من صاحبي إنك جوز عمتي هناء وإنك بتدور على واحدة حلوة عشان تتجوزها على عمتي، هي اللي خططت.. قالتلي الراجل ده غني ومغفل وهيطلق عمتك وياخدها هي، وإحنا أولى بفلوسه.. قالتلي هخليه يطلق هناء ويتجوزني، وأنا هسحب قرشه كله باسم الحب والمصاريف، وفي الآخر نتقاسم الفلوس وأنا أخلعه وأتجوزك إنت!
نزل كلامه عليا وكأنه مية نار بتكوي قلبي. يعني جوازي من شيريهان مكنش صدفه؟ يعني حلاوتها اللي كنت مبهور بيها وطلقت هناء عشانها كانت مجرد طعم محطوط بدقة؟ أنا اللي كنت فاكر نفسي ذكي وكسبت الدنيا، طلعت مجرد فريسة لعيال صايعة ضحكوا عليا بكلمتين وفستانين.
سيبت ياقته وأنا بقرف، وبصيتله وقولتله بصوت حاد يرعب:
ـ الفلوس اللي شيريهان سحبتها من كارتي، والمصاريف والرحلات اللي اتحجزت، كل مليم هيرجع.. وإلا قسماً بالله العظيم الشات اللي بينك وبينها هيدخلكم إنتوا الاتنين السجن بتهمة النصب والسرقة وتشكيل عصابي.. قدامكم 24 ساعة، الفلوس تكون في حسابي، وإلا هتشوفوا وش عمركم ما تتمنوا تشوفوه.
لفيت ضهري وخرجت من البيت وأنا حاسس بالخزي والعار. ركبت عربيتي ومشيت، بس مكنتش قادر أرجع شقتي الكئيبة، ولا كنت قادر أقعد في مكان واحد.
روحت المقابر..
وقفت قدام قبر هناء.. الست اللي صانتني وجمعتلي قرشها عشان تحميني من غدر الزمن، في الوقت اللي أنا روحت فيه برجلي للي تغدر بيا وتسرقني. قعدت على ركبي ولمست تراب القبر وبكيت، بكيت بحرقة ندم عمري ما حسيت بيها قبل كده. كنت بقولها: “سامحيني يا هناء.. أنا اللي ضيعتك وضيعت نفسي.. أنا اللي جريت ورا المظاهر الكدابة لحد ما فوقت على كابوس”.
قعدت هناك لحد ما الشمس بدأت تغيب. قمت وأنا حاسس إن جوايا رغبة عارمة في الانتقام، بس مش بس من شيريهان وكريم.. الانتقام من غبائي أنا الأول.
رجعت شقتي القديمة، الشقة اللي سابتلي فيها هناء الدفتر والورقة. فتحت الباب ودخلت، كنت عايز أحس بأمانها. قعدت على السرير ومسكت الورقة تاني وقرأتها.. وفجأة، عيني لقطت حاجة مكنتش واخد بالي منها في أسفل الورقة من ورا..
كان فيه خط صغير جداً مكتوب بـ قلم أحمر، كأن هناء كتبته في لحظاتها الأخيرة وهي بتنازع..
مكتوب: “يا جوزي.. لو قرأت الورقة دي، اعرف إن شيريهان مش بس عايزة فلوسك.. شيريهان وراها سر تاني يخص شغلها القديم ويخص الراجل اللي…”
الكلام اتقطع هنا.. كأن القلم فلت من إيدها أو التعب حل عليها ومقدرتش تكمل.
وقفت مذهول والورقة بترتعش في إيدي. سر تاني؟ شغل قديم؟ والراجل اللي إيه؟
يعني شيريهان مكنتش مجرد نصابة مع كريم.. الموضوع فيه طرف ثالث، وطرف مرعب لدرجة إن هناء عرفته قبل ما تموت!
وفي نفس اللحظة اللي كنت بحاول أفك فيها شفرة الجملة، الباب الخارجي للشقة القديمة اتخبط بقوة وعنف كأنه هيتكسر…
