توام مثالي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني
بعد عشر دقائق كنت أجلس في المقهى الصغير الموجود في الطابق الأرضي من المركز التجاري.
أمامى عربة التوأم.
وإلى جوارى حقيبة الحفاضات.
أما الطفلتان فكانتا نائمتين أخيرًا بعد ساعة كاملة من البكاء المتواصل.
وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل المكان يبدو وكأنه أكثر هدوءًا من أي كنيسة.
الرجل جلس أمامي.
خلع سترته ووضعها على الكرسي المجاور.
ولأول مرة استطعت أن أراه جيدًا.
كان في منتصف الخمسينيات تقريبًا.
شعره الرمادي مرتب بعناية.
ونظرته تحمل ذلك النوع من الثقة الذي لا يحتاج إلى إثبات نفسه لأحد.
مد يده نحوي.
وقال:
“اسمي ريتشارد ويلسون.”
صافحته.
ثم أخبرته باسمي.
هز رأسه مبتسمًا.
وقال:
“أظن أن اليوم كان صعبًا عليك.”
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح.
ثم نظرت إلى ابنتيّ.
وقلت:
“كل يوم أصبح صعبًا.”
اختفت الابتسامة من وجهه.
ولم يسأل لماذا.
وكأنه فهم الإجابة مسبقًا.
لكن بعد ثوانٍ قال بهدوء:
“أم الطفلتين؟”
شعرت بشيء يضغط على صدري.
ثم أجبت:
“توفيت أثناء الولادة.”
ساد الصمت.
حتى أصوات المقهى بدت بعيدة فجأة.
نظر إلى الطفلتين طويلًا.
ثم قال:
“أنا آسف.”
كانت جملة بسيطة.
لكنها كانت صادقة.
ولهذا السبب كادت تجعلني أبكي.
منذ الجنازة وأنا أسمع عشرات العبارات.
“كن قويًا.”
“الحياة تستمر.”
“على الأقل بقيت لك الطفلتان.”
لكن أحدًا لم يقل فقط…
أنا آسف.
جلسنا دقائق طويلة دون كلام.
ثم نهض.
وقال:
“إذا احتجت أي شيء…”
وأخرج بطاقة عمل من جيبه.
ووضعها على الطاولة.
“اتصل بي.”
شكرته.
ثم غادر.
واختفى وسط الزحام.
أما أنا فبقيت أنظر إلى البطاقة.
واستغرق الأمر عدة ثوانٍ حتى أدركت الاسم المكتوب عليها.
رئيس مجلس الإدارة التنفيذي.
أكبر شركة عقارات في الولاية.
الرجل لم يكن مجرد مدير.
بل مالك الإمبراطورية كلها.
تنهدت.
وأعدت البطاقة إلى جيبي.
ثم أخذت التوأم وعدت إلى المنزل.
—
في الساعة الثانية صباحًا كنت مستيقظًا كعادتي.
إحدى الطفلتين تبكي.
والأخرى استيقظت بسببها.
والحليب انتهى تقريبًا.
والمنزل يبدو أكبر من اللازم منذ رحيل زوجتي.
كنت أحمل الصغيرة بين ذراعي عندما رن هاتفي.
رقم مجهول.
في البداية تجاهلته.
لكن الاتصال تكرر.
ثم تكرر مرة ثالثة.
أخيرًا أجبت.
جاءني صوت رجل متوتر.
“هل هذا السيد آدم؟”
أجبت:
“نعم.”
قال:
“أنا أعتذر عن الإزعاج.”
“أتصل من شركة ويلسون العقارية.”
تجمدت.
“نعم؟”
قال الرجل:
“السيد ويلسون طلب مني التواصل معك.”
لم أفهم شيئًا.
فأكمل:
“بعد ما حدث اليوم.”
“قرر تقديم عرض عمل لك.”
ظننت أنني سمعت خطأ.
“عرض عمل؟”
“نعم.”
“وظيفة بدوام كامل داخل قسم التصميم الهندسي.”
جلست ببطء على الأريكة.
غير مصدق.
قبل وفاة زوجتي كنت أعمل مهندسًا معماريًا في شركة صغيرة.
لكنني تركت العمل مؤقتًا بعد الولادة.
لم أكن قادرًا على ترك الطفلتين وحدهما.
ولا أملك مالًا لتوظيف مربية.
الرجل أكمل:
“الراتب ممتاز.”
“وساعات العمل مرنة.”
“ويمكنك العمل جزئيًا من المنزل.”
شعرت بالذهول.
وكأن الحياة ألقت لي بطوق نجاة وسط الغرق.
لكن قبل أن أجيب قال الرجل شيئًا غريبًا.
شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
قال:
“بصراحة يا سيدي…”
“هناك سبب آخر جعل السيد ويلسون مهتمًا بك.”
سألته:
“ماذا تقصد؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال:
“اسم زوجتك.”
عقدت حاجبي.
“ماذا عن اسمها؟”
قال:
“السيد ويلسون تعرف عليه فورًا عندما ذكرته.”
ارتفعت دقات قلبي.
“وكيف ذلك؟”
جاء الرد ببطء.
“لأن اسم زوجتك موجود داخل أرشيف شركتنا.”
وقفت فجأة.
حتى الطفلة بين ذراعي استيقظت من الحركة.
قلت:
“هذا مستحيل.”
“زوجتي لم تعمل عندكم.”
أجاب الرجل:
“نعرف ذلك.”
“لكن ملفها موجود.”
شعرت بأن الأرض تميد تحتي.
“أي ملف؟”
قال:
“هذا ما نحاول فهمه.”
—
في صباح اليوم التالي وصلت إلى مقر الشركة.
المبنى كان ضخمًا.
أكبر مما تخيلت.
استقبلوني مباشرة.
ثم اصطحبوني إلى الطابق الأخير.
حيث كان مكتب ريتشارد ويلسون.
دخلت.
فوجدته واقفًا أمام نافذة ضخمة تطل على المدينة.
استدار نحوي.
وأشار إلى كرسي أمامه.
جلست.
أما هو فأخرج ملفًا بني اللون من درج مكتبه.
ووضعه فوق الطاولة.
ثم دفعه نحوي ببطء.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
على الغلاف الخارجي كان هناك اسم مكتوب بخط أسود واضح.
اسم زوجتي.
زوجتي التي دفنتها قبل ثلاثة أسابيع.
زوجتي التي أقسمت أنها لم تسمع يومًا باسم هذه الشركة إلا من الأخبار.
حدقت في الاسم.
غير قادر على الكلام.
أما ويلسون فظل يراقبني بصمت.
ثم قال:
“هذا الملف عمره سبع سنوات.”
رفعت رأسي إليه.
قال:
“وهو يحتوي على أمر دفع مالي ضخم.”
“ومرفقات سرية.”
“وتوقيع شخص اختفى منذ سنوات.”
توقفت أنفاسي.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعد ذلك مباشرة.
عندما فتح الملف.
وأخرج صورة قديمة.
ثم وضعها أمامي.
كانت صورة زوجتي.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت تقف بجوار رجل آخر.
رجل أعرف وجهه جيدًا.
لأن صورته معلقة في مدخل الشركة كلها.
مؤسس الإمبراطورية العقارية.
والد ريتشارد ويلسون نفسه.
لكن المشكلة لم تكن في الصورة.
المشكلة كانت في التاريخ المكتوب خلفها.
الصورة التقطت قبل سبع سنوات.
في الوقت الذي كانت زوجتي تؤكد لي أنها لم تغادر المدينة أصلًا.
وفي أسفل الصورة كانت هناك عبارة واحدة فقط.
عبارة جعلت الدم يتجمد في عروقي بالكامل.
“الشاهدة الوحيدة الباقية.”
يتبع…
الفصل الثالث
لثوانٍ طويلة لم أستطع الكلام.
ظللت أحدق في الصورة.
ثم في العبارة المكتوبة أسفلها.
ثم عدت أنظر إلى وجه زوجتي مرة أخرى.
كنت أعرف هذا الوجه أكثر من أي شخص آخر في العالم.
عرفت ابتسامتها.
طريقة نظرها.
حتى التجعيدة الصغيرة التي كانت تظهر بجانب عينها عندما تضحك.
لا يمكن أن تكون الصورة مزيفة.
كانت هي فعلًا.
زوجتي.
أم طفلتيّ.
المرأة التي عشت معها سبع سنوات كاملة.
لكن السؤال الذي بدأ ينهش عقلي كان أبسط وأخطر من أي شيء آخر:
كيف لم تخبرني؟
رفعت رأسي ببطء نحو ريتشارد ويلسون.
وقلت:
“ما معنى الشاهدة الوحيدة الباقية؟”
زفر الرجل ببطء.
ثم عاد إلى كرسيه.
وقال:
“هذا ما أحاول اكتشافه منذ سنوات.”
شعرت بأن قلبي ينبض بقوة.
وأكمل:
“قبل سبع سنوات تعرض والدي لحادث غامض.”
“حادث لم يظهر في الإعلام.”
“ولم يُعلن عنه رسميًا.”
“لأننا تعمدنا إخفاءه.”
أشار إلى الصورة.
وأضاف:
“في تلك الليلة كان هناك خمسة أشخاص.”
“أربعة اختفوا.”
“والخامس…”
ثم نظر إلى الصورة.
“…كان زوجتك.”
ساد الصمت.
كنت أشعر وكأنني أجلس داخل حلم غريب.
أو كابوس.
لا شيء مما أسمعه منطقي.
قلت:
“لكنها لم تخبرني بشيء.”
أجاب:
“أعرف.”
“ولهذا السبب نحن مصدومون مثلك.”
مد يده إلى الملف.
وأخرج عدة أوراق.
كانت تقارير قديمة.
صورًا لمخزن محترق.
سيارات إسعاف.
وأسماء أشخاص.
ثم توقف عند اسم محدد.
وسحبه أمامي.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
لأن الاسم كان مألوفًا.
مألوفًا جدًا.
اسمه سامر الخطيب.
حدقت فيه.
ثم رفعت رأسي.
وقلت:
“هذا مستحيل.”
هز ريتشارد رأسه ببطء.
وكأنه كان يتوقع رد فعلي.
سامر الخطيب لم يكن غريبًا.
كان خال زوجتي.
الرجل الذي ربّاها بعد وفاة والدها.
الرجل الذي حضر زفافنا.
والرجل الذي بكى في جنازتها أكثر من أي شخص آخر.
قال ريتشارد بهدوء:
“هل تعرفه؟”
أجبته:
“طبعًا أعرفه.”
“هو من أقرب الناس إليها.”
ساد الصمت للحظة.
ثم قال:
“في ذلك الحادث.”
“كان أحد الأشخاص الخمسة.”
شعرت بأن معدتي تنقبض.
وأضاف:
“لكن سجلات الشرطة تقول إنه مات.”
“بينما توجد أدلة تؤكد أنه لم يمت.”
نظرت إليه غير مصدّق.
فأكمل:
“بل اختفى.”
—
خرجت من الشركة بعد ساعتين.
ورأسي يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة.
كل شيء أصبح مشوشًا.
كل شيء.
زوجتي.
الماضي.
خالها.
الصورة.
الحادث.
حتى وفاة زوجتي نفسها.
فجأة لم تعد تبدو مجرد مأساة عشوائية.
وصلت إلى المنزل.
وكان أول شيء رأيته هو سامر.
كان واقفًا أمام باب بيتي.
يحمل كيسًا من مستلزمات الأطفال.
كما كان يفعل دائمًا منذ الجنازة.
لكن هذه المرة…
لم أره بالطريقة نفسها.
ابتسم عندما رآني.
وقال:
“جبت للبنات لبن أطفال وحفاضات.”
ظللت أحدق فيه.
فقط أحدق.
لدرجة أنه بدأ يشعر بالارتباك.
وقال:
“في حاجة؟”
اقتربت منه.
ثم سألت مباشرة:
“فين كنت ليلة الحريق قبل سبع سنين؟”
اختفت الابتسامة فورًا.
كأن أحدهم محاها من وجهه.
ولأول مرة منذ عرفته…
رأيته خائفًا.
خائفًا فعلًا.
قال بعد ثوانٍ:
“مين قالك الكلام ده؟”
شعرت بأن قلبي هبط.
لأنه لم ينكر.
لم يقل إنه لا يعرف شيئًا.
بل سأل من أخبرني.
قلت:
“إذن كنت هناك.”
أدار وجهه بعيدًا.
ثم قال:
“ادخل البيت الأول.”
قلت بحدة:
“جاوبني.”
نظر حوله بسرعة.
كأن أحدًا يراقبنا.
ثم أمسك ذراعي.
وقال بصوت منخفض:
“مش هنا.”
“مش قدام الناس.”
تجمدت في مكاني.
وأكمل:
“في حاجات لو عرفتها…”
“…هتتمنى إنك ما سألتش أصلًا.”
—
في تلك الليلة.
نامت الطفلتان أخيرًا.
أما أنا وسامر فكنا نجلس في المطبخ.
أمامنا كوبان من القهوة الباردة.
وصمت ثقيل.
استمر دقائق طويلة.
ثم فتح سامر محفظته القديمة.
وأخرج صورة مهترئة.
ووضعها أمامي.
نظرت إليها.
وشعرت بالصدمة.
لأن الصورة كانت لزوجتي.
لكنها كانت أصغر سنًا بكثير.
ربما في الثامنة عشرة.
وكانت تقف بجوار رجل غريب.
لم أره من قبل.
قال سامر:
“اسم الرجل ده كريم ناصر.”
ثم ابتلع ريقه.
وأضاف:
“وأنت لازم تعرف الحقيقة.”
“مراتك ما كانتش شاهدة.”
عقدت حاجبي.
قال:
“مراتك كانت الهدف.”
توقفت أنفاسي.
وتابع بصوت مرتجف:
“الحادث اللي بيحكوا عنه…”
“ما كانش حادث.”
“كان عملية قتل.”
“وكان المفروض الضحية فيها تكون زوجتك.”
شعرت وكأن الأرض انهارت تحت قدمي.
لكن سامر لم ينتهِ.
بل انحنى نحوي.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:
“والشخص اللي حاول يقتلها وقتها…”
“…لسه عايش.”
“ولسه بيدور على حاجة كانت معاها.”
سألته بصوت مبحوح:
“إيه الحاجة دي؟”
نظر إلى باب غرفة الطفلتين المغلق.
ثم عاد ينظر إلي.
وعيناه تمتلئان بالرعب.
وقال:
“الحاجة دي انت ورثتها من غير ما تعرف.”
“وممكن بسببها أنت وبناتك تكونوا في خطر من يوم وفاة زوجتك.”
وفي اللحظة نفسها…
سمعنا صوت تحطم زجاج حاد قادم من غرفة المعيشة.
ثم تبعه صوت خطوات داخل المنزل.
شخص ما…
كان قد اقتحم البيت.
نهاية الفصل الثالث…
