امي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع: اللقاء الذي انتظرناه عشرين سنة
فضلت أنا وآسر واقفين قدام الدكتورة…
ولا واحد فينا قادر ينطق.
كل اللي كان في دماغنا سؤال واحد.
أمنا…
عاشت؟
ولا إحنا اتأخرنا؟
الدكتورة أخدت نفس طويل وقالت:
“أيوه… عايشة.”
في اللحظة دي حسيت إن رجليا مش شايلاني.
آسر غمض عينيه وحط إيده على وشه وهو بيبكي.
أما أنا…
فكل اللي قدرت أقوله كان:
“فين؟”
قالت الدكتورة بهدوء:
“لكن لازم تعرفوا… حالتها الصحية بقت ضعيفة جدًا. هي بتيجي المستشفى بقالها سنين للعلاج، وكل زيارة كانت بتسأل السؤال نفسه.”
ابتسمت بحزن.
“كانت دايمًا تقول: هو ممكن أشوف ولادي قبل ما أموت؟”
الكلمة دي قطعت قلبي.
مشينا ورا الدكتورة في ممر طويل.
كل خطوة كنت باخدها كانت أثقل من اللي قبلها.
وقفنا قدام أوضة في آخر الممر.
الدكتورة بصتلنا وقالت:
“هي مش عارفة إنكم هنا… ادخلوا بهدوء.”
فتحت الباب.
كانت ست في أوائل الخمسينات، شعرها مليان خصلات بيضا، وملامح التعب باينة على وشها.
لكن أول ما رفعت عينيها علينا…
حصلت حاجة غريبة.
فضلت تبص لنا من غير كلام.
وبعدين قامت واقفة رغم تعبها.
كانت بتقرب خطوة…
وتقف.
كأنها خايفة تكون بتحلم.
همست بصوت مرتعش:
“آدم…؟”
بصيت لآسر.
ولا واحد فينا كان قال اسمه.
رجعت تبص عليه.
“وآسر…؟”
الدموع نزلت من عينيها بغزارة.
رفعت إيديها وهي بترتعش.
وقالت:
“أولادي…”
ماقدرتش أتمالك نفسي.
جريت عليها.
حضنتها بكل قوتي.
وحسيت إنها بتعيط زي طفلة صغيرة.
كانت بتكرر جملة واحدة.
“سامحوني… سامحوني.”
قلت وأنا ببكي:
“إنتِ ماعملتيش حاجة.”
دخل آسر هو كمان في الحضن.
ولأول مرة من عشرين سنة…
بقينا تلاتة في حضن واحد.
بعد ما هديت شوية…
طلعت أمنا سلسلة فضة من رقبتها.
فتحتها.
كان جواها صورتنا وإحنا أطفال.
قالت وهي بتمسح عليها:
“ولا يوم خلعتها.”
وبعدين قامت ناحية الدولاب الصغير.
طلعت صندوق خشب.
فتحته.
كان مليان هدايا أطفال.
عربيات صغيرة.
ملابس.
كراسات.
حتى تورتة عيد ميلاد مرسومة على ورقة.
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
“كل سنة كنت أشتري لكم هدية… وأقول يمكن السنة دي ترجعوا.”
سكتت لحظة.
ثم بصتلنا بعين مليانة وجع.
“أنا لازم أقول لكم الحقيقة كلها.”
قعدنا قدامها.
قالت:
“يوم الحادث… كنت فاقدة الوعي في المستشفى. وسهير كانت أقرب واحدة ليا. سلمتها مفتاح البيت وطلبت منها تجيبكم لحد ما أخرج.”
شهقت.
كملت وهي بتحاول تمنع دموعها.
“لكنها أخدتكم… وبعدها قالت للناس إني هربت وسبتكم. ولما خرجت من المستشفى… اختفيتم.”
طلعت صورة قديمة.
كانت هي وسهير واقفين جنب بعض.
ويبان إنهم كانوا أصحاب عمر.
قالت:
“أنا وثقت فيها… وهي باعت الثقة دي.”
في اللحظة دي رن موبايل آسر.
كان رقم غريب.
رد.
وسكت فجأة.
وشه اتغير.
قفل المكالمة وبصلي.
قلت بقلق:
“مين؟”
قال بصوت منخفض:
“كانت سهير.”
سألته:
“قالت إيه؟”
بلع ريقه وقال:
“قالت إنها عرفت إننا فتحنا الملف… ولو كملنا ورا الحقيقة… هنندم طول عمرنا.”
ساد صمت ثقيل في الأوضة.
لكن المرة دي…
ماكانش عندي أي خوف.
بصيت لأمي…
ومسكت إيدها.
وقلت:
“اللي ضاع من عمرنا مش هيرجع… لكن اللي ظلمك هيتحاسب… مهما كلفنا الأمر.”
ولأول مرة…
شوفت ابتسامة حقيقية على وش أمي.
لكننا ماكنّاش نعرف…
إن سهير كانت بدأت بالفعل أول خطوة في خطة جديدة… أخطر من كل اللي عملته قبل كده.
الفصل الخامس: المواجهة الأولى
بعد ما قفل آسر المكالمة…
فضلنا ساكتين كام ثانية.
أمي كانت أول واحدة كسرت الصمت.
قالت وهي باين عليها القلق:
“سهير عمرها ما كانت تستسلم بسهولة.”
استغربت.
قلت:
“إنتِ لسه خايفة منها بعد كل السنين دي؟”
هزت راسها وقالت:
“مش خوف… لكن أنا عارفاها. لما تحس إن الحقيقة قربت تظهر… ممكن تعمل أي حاجة.”
بصيت لآسر.
كان واضح إنه بيفكر في نفس الحاجة اللي بفكر فيها.
قلتلها:
“إحنا مش هنسيب حقك.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“أنا حقي الحقيقي إنكم رجعتوا.”
لكن بالنسبة ليا…
الكلام ده ماكنش كفاية.
الست دي سرقت مننا عمر كامل.
وسرقت من أمنا عشرين سنة من حياتها.
خرجنا من المستشفى بعد ما وعدناها إننا هنرجع تاني الصبح.
وأول ما ركبنا العربية…
قلت لآسر:
“هنروح لسهير.”
بصلي وقال:
“دلوقتي؟”
قلت بحزم:
“دلوقتي.”
…
وصلنا قدام بيتها.
البيت نفسه…
اللي اتربينا فيه.
وقفت قدام الباب لحظة.
افتكرت وأنا صغير لما كنت أجري أفتح لأبويا وهو راجع من الشغل.
وافتكرت صوت ضحكته.
وتذكرت آخر مرة خرجت من البيت ده…
وأنا شايل شنطة هدومي.
تنهدت.
وضغطت الجرس.
بعد لحظات…
فتحت سهير الباب.
أول ما شافتنا…
لون وشها اتغير.
لكن بسرعة رجعت ابتسامتها الباردة.
قالت:
“خير؟ افتكرتوا أمكم اللي ربتكم؟”
قلت بهدوء:
“إحنا عرفنا الحقيقة.”
ابتسامتها اختفت.
لكنها حاولت تمثل البرود.
“حقيقة إيه؟”
طلعت الصورة القديمة اللي كانت هي وأمي واقفين فيها.
ورفعتها قدامها.
أول ما عينيها وقعت عليها…
عرفت إنها اتفاجئت.
قالت بسرعة:
“الصورة دي منين؟”
قلت:
“من الملف اللي أمي كانت سايباه.”
اتوترت.
ولأول مرة…
شوفتها مش عارفة ترد.
آسر طلع نسخة من البلاغات.
وقال:
“وعرفنا إن أمنا عمرها ما سابتنا.”
سهير ضحكت ضحكة مصطنعة.
“أي ورق يتزور.”
قلت:
“والتسجيل اللي سجلناه ليكي يوم عيد ميلادك؟”
ساعتها…
وشها اصفر.
قالت:
“تسجيل؟”
شغلت جزء من التسجيل.
صوتها وهي بتقول:
“كل حاجة مشت بالظبط زي ما كنت مخططة.”
فضلت تبصلي…
من غير كلام.
بعدها فجأة…
بدأت تصرخ.
“اطلعوا بره بيتي!”
قلت:
“مش قبل ما تجاوبي.”
قالت بعصبية:
“مش هجاوب على حاجة.”
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت عصاية بتخبط على الأرض من جوه الشقة.
لفينا كلنا.
خرجت ست كبيرة…
كانت أم سهير.
وشكلها كان مختلف عن آخر مرة شفتها.
وشها شاحب.
وخطواتها بطيئة.
بصت علينا.
وبعدين بصت على بنتها.
وقالت جملة خلت المكان كله يسكت.
“كفاية كدب يا سهير… تعبت من حمل السر.”
سهير صرخت فيها:
“اسكتي!”
لكن الست كملت.
“هما من حقهم يعرفوا.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
قربت منها.
قلت:
“تعرفي إيه؟”
بصتلي بعينين مليانين ندم.
وقالت:
“سهير ما أخدتكوش علشان تحرم أمكم منكم وبس…”
سكتت لحظة…
وبعدين همست:
“كان فيه سبب أكبر… سبب خلتها تخاطر بكل حاجة.”
قبل ما تكمل…
سمعنا صوت فرامل عربية بعنف قدام البيت.
نزل منها راجل في أوائل الستينات.
أول ما شاف سهير…
قال بغضب:
“انتهى وقت السكوت.”
أما سهير…
فاتراجعِت خطوة للخلف…
وكان الخوف لأول مرة ظاهر بوضوح في عينيها.
الفصل السادس: الرجل الذي عاد بعد عشرين سنة
فضلنا كلنا واقفين نبص للراجل اللي نزل من العربية.
كان راجل شعره كله أبيض، لكن هيبته كانت لسه زي ما هي.
أول ما دخل من الباب…
بص لسهير وقال:
“هربتي كتير… لكن خلاص.”
سهير رجعت لورا خطوة وهي بتقول بتوتر:
“إنت… إنت إزاي عرفت مكاني؟”
الراجل رد بهدوء:
“أنا بدور على الحقيقة من يوم ما الطفلين اختفوا.”
بصيت أنا وآسر لبعض.
كنت حاسس إننا هنسمع حاجة جديدة هتقلب كل اللي عرفناه.
الراجل مد إيده ناحيتنا.
وقال:
“أنا اسمي عادل… وكنت محامي والدتكم.”
اتسمرت مكاني.
قال وهو بيخرج ملف قديم من شنطته الجلد:
“مريم ما استسلمتش أبدًا… وكل سنة كانت بتكلمني وتسألني إذا وصلت لأي دليل.”
لف ناحيته لسهير.
وقال بحدة:
“وإنتِ كنتِ كل مرة تسبقينا بخطوة.”
سهير حاولت تضحك.
لكن ضحكتها كانت مهزوزة.
قالت:
“مافيش دليل على أي حاجة.”
فتح المحامي الملف.
وأخرج منه ورقة صفراء قديمة.
وقال:
“فاكرة الورقة دي؟”
أول ما شافتها…
لون وشها اختفى.
قالت بسرعة:
“دي مزورة.”
رد المحامي:
“دي إقرار بخط إيدك إنك استلمتي الطفلين من المستشفى لمدة يومين فقط… بناءً على طلب والدتهم.”
بصيت للورقة.
كان عليها توقيع واضح.
وتاريخ قديم.
وأختام رسمية.
المحامي كمل:
“كان المفروض ترجعيهم بعد خروج مريم من المستشفى.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكنك بلغتي إن الأم هربت وسابتهم.”
سهير صرخت:
“كفاية!”
لكن أمها لأول مرة وقفت قدامها.
وقالت:
“لا… كفاية ظلم.”
لفت ناحيتنا.
والدموع في عينيها.
وقالت:
“أنا كنت عارفة جزء من الحقيقة… وسكت.”
سألتها:
“ليه؟”
انهارت على الكرسي.
وقالت:
“لأن سهير كانت بنتي… وأنا خفت عليها.”
بكت بحرقة.
“لكن السكوت خلاني شريكة في الجري..مة.”
المكان كله سكت.
حتى سهير.
بصت لأمها بصدمة.
وقالت:
“إنتِ هتشهدي ضدي؟”
ردت الأم وهي تمسح دموعها:
“هشهد بالحقيقة… يمكن ربنا يسامحني.”
في اللحظة دي…
طلع المحامي ظرفًا آخر.
وقال:
“وده أهم دليل.”
فتح الظرف.
وأخرج وصية مكتوبة بخط والدكم اللي رباكم.
اتجمدت.
قلت بسرعة:
“أبويا؟”
هز رأسه.
“قبل وفاته بشهر… اكتشف إن في حاجة غلط.”
حسيت بدقات قلبي بتزيد.
كمل المحامي:
“بدأ يشك في قصة التبني… وطلب مني أحقق في الموضوع.”
بلعت ريقي بصعوبة.
“وليه ما قالناش؟”
تنهد المحامي وقال:
“لأنه توفي قبل ما يكتشف الحقيقة كاملة.”
ناولني الوصية.
كانت آخر سطور فيها مكتوبة بخط مرتعش:
«”لو آدم وآسر عرفوا الحقيقة يومًا… قولولهم إني حبيتهم من أول يوم، وإنني ما كنتش أعرف إنهم اتاخدوا من أمهم بالغدر.”»
ماقدرتش أمسك دموعي.
آسر كان بيبكي هو كمان.
أما سهير…
فكانت قاعدة على الأرض، وعينيها بتتنقل بيننا وبين المحامي.
وفجأة…
رن جرس الباب.
دخل ضابط شرطة ومعاه فردان.
وقال بهدوء:
“الأستاذة سهير… صدر أمر باستدعائك للتحقيق في بلاغ جديد.”
رفعت سهير رأسها ببطء.
وقالت بصوت مرتعش:
“مين… اللي قدم البلاغ؟”
رد الضابط وهو ينظر مباشرة إليها:
“الشخص اللي كنا فاكرين إنه اختفى من عشرين سنة… ظهر النهارده، ومعاه دليل جديد هيغيّر القض..ية كلها.”
الفصل السابع: الشاهد الذي لم يمت
ساد صمت ثقيل في البيت.
كل العيون اتجهت ناحية الضابط.
حتى سهير، اللي كانت من شوية بتحاول تبان قوية، وشها بقى شاحب.
قالت بصوت متقطع:
“مين… مين الشخص ده؟”
الضابط رد بهدوء:
“هتعرفي بنفسك.”
وبعد ثواني…
دخل راجل كبير في السن، ماشي بعصاية، لكن خطواته كانت ثابتة.
أول ما شافته سهير…
صرخت:
“مستحيل!”
أنا وآسر بصينا لبعض باستغراب.
المحامي عادل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“افتكرتيه مات… صح؟”
الراجل وقف قدامنا وقال:
“أنا اسمي محمود… وكنت الموظف المسؤول عن تسليم الأطفال في دار الرعاية وقتها.”
شهقت سهير وهي تهز راسها.
“لا… إنت سافرت!”
رد عليها:
“سافرت فعلًا… لكن ما متش.”
الضابط قال:
“الأستاذ محمود حضر من يومين بعد ما عرف إن القض..ية اتفتحت من جديد.”
محمود بص ناحيتنا، ودموعه لمعت في عينيه.
وقال:
“سامحوني… كنت لازم أتكلم من زمان.”
قربت منه وقلت:
“إيه اللي حصل يومها؟”
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
“والدتكم كانت في المستشفى بعد الحادث. سهير جات ومعاها أوراق قالت إنها توكيل من الأم، وإنها هترعاكم لحد ما تخرج.”
سكت لحظة.
“أنا صدقتها.”
آسر سأله بسرعة:
“وبعدين؟”
رد:
“بعد كام يوم رجعت والدتكم تدور عليكم. وقتها فهمت إن في حاجة غلط.”
قلت بانفعال:
“ليه ما قلتش الحقيقة؟”
خفض رأسه وقال:
“حاولت… لكن اتنقلت من شغلي بعدها بأيام، وبعدها سافرت بره مصر للعلاج. ولما رجعت، عرفت إن الملف اتحفظ، وكل اللي كانوا في القض..ية اتفرقوا.”
سهير صرخت فجأة:
“كذاب! كله كذب!”
لكن محمود طلع من جيبه مفكرة جلد قديمة.
قال:
“أنا كنت بسجل كل حاجة.”
فتحها.
كانت فيها تواريخ وأسماء وملاحظات مكتوبة بخط اليد.
وفي الصفحة الخاصة بيوم اختفائنا، كانت جملة واضحة:
“استلمت الطفلين السيدة سهير… على أن تعيدهما بعد يومين.”
ناول المفكرة للضابط.
الضابط قلب فيها، ثم قال:
“ودي هتتضاف لملف التحقيق.”
في اللحظة دي…
انهارت سهير تمامًا.
قعدت على الأرض وهي بتغطي وشها بإيديها.
وقالت بصوت مخنوق:
“أنا… ما كنتش ناوية أوصل لكل ده.”
صرخت فيها:
“أمال كنتِ ناوية لإيه؟”
رفعت رأسها ببطء.
وقالت وهي تبكي لأول مرة:
“أنا كنت بغار من مريم.”
سكتنا جميعًا.
كملت بصوت متقطع:
“هي كان عندها زوج بيحبها… وولدين كانت بتحلم بيهم سنين… وأنا كنت بخسر كل حاجة.”
أمها بصتلها بصدمة.
وقالت:
“الغيرة خلتك تخطفي طفلين؟”
هزت سهير رأسها وهي تبكي.
“في الأول قلت هرجعهم… لكن كل يوم كان بيعدي، كنت بخاف الحقيقة تتكشف.”
تنهدت.
“ولما جوزي حبهم… خفت أخسرهم هما كمان.”
بصيت لها وأنا حاسس بغضب وحزن في نفس الوقت.
قلت:
“إحنا عمرنا ما كنا ملكك.”
ما ردتش.
كانت منهارة تمامًا.
اقترب الضابط منها وقال بهدوء:
“اتفضلي معانا.”
وقفت بصعوبة.
وقبل ما تخرج من الباب…
لفت ناحيتنا.
وقالت بصوت مكسور:
“عارفة إن مفيش كلمة هتمحي اللي عملته… لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفوها.”
حبست أنفاسي.
قالت:
“مش أنا اللي بدأت الخطة… كان فيه شخص تاني… وهو اللي أقنعني في البداية.”
المحامي عادل عقد حاجبيه.
والضابط توقف في مكانه.
أما أنا وآسر…
فشعرنا أن القض..ية، رغم كل ما انكشف فيها، ما زالت تخفي سرًا أكبر.
الفصل الثامن: العقل المدبر
الكلمة الأخيرة اللي قالتها سهير خلت المكان كله يسكت.
“مش أنا اللي بدأت الخطة…”
الضابط وقف مكانه.
المحامي عادل قرب منها وقال بحدة:
“تقصدي مين؟”
سهير قعدت على أول كرسي وهي باين عليها إنها استسلمت.
بصت ناحيتي أنا وآسر، وقالت بصوت منخفض:
“أقسم بالله… لو كنت أعرف إن النهاية هتبقى كده، ما كنتش وافقت.”
صرخت فيها:
“وافقتِ على إيه؟”
غمضت عينيها للحظة، وبعدها قالت:
“بعد وفاة جوز أختي مريم، كانت حالتها النفسية سيئة جدًا. وقتها ظهر شخص من العيلة وقال إن الطفلين هيضيعوا لو فضلوا معاها.”
آسر عقد حاجبيه.
“مين الشخص ده؟”
سهير بلعت ريقها وقالت:
“خالكم… شقيق جدتكم.”
أنا وآسر بصينا لبعض.
أول مرة نسمع عنه.
المحامي عادل هز رأسه ببطء، وكأنه افتكر اسمًا قديمًا.
وقال:
“جلال…”
سهير أومأت برأسها.
“أيوه… جلال.”
المحامي تنهد وقال:
“اختفى من سنين.”
سهير كملت:
“هو اللي أقنعني إن مريم مش هتقدر تربيكم، وإن الأفضل إنكم تتبنوا بعيد عنها… وبعدها بدأت الأكاذيب تكبر، وكل واحد فينا بقى خايف يتراجع.”
قلت بغضب:
“يعني عشرين سنة ضاعوا بسبب قرار؟”
ردت وهي تبكي:
“القرار اتحول لجري..مة… وأنا كنت أضعف من إني أوقفها.”
الضابط سجل كل كلمة.
وقال:
“لازم نجيب جلال.”
لكن المحامي قال بهدوء:
“قبل ما تدوروا عليه… لازم تعرفوا إنه كان مسؤول عن كل أوراق الميراث بعد وفاة والد مريم.”
اتجمدت.
قلت:
“ميراث؟”
فتح المحامي الملف الأزرق مرة تانية.
طلع ورقة كانت مستخبية بين المستندات.
وقال:
“والدتك ورثت أرضًا كبيرة وأسهمًا باسم ولديها… يعني باسمكم أنتم.”
آسر اتفاجئ.
“يعني إحنا كان لينا ميراث من البداية؟”
المحامي هز رأسه.
“أيوه… لكن طول السنين دي محدش قدر يتصرف فيه لأن فيه نزاع قانوني، والملكية كانت معلقة لحين ظهور الورثة.”
بصيت لسهير.
قلت:
“إنتِ خدتي فلوس؟”
هزت رأسها بسرعة.
“لا… والله ما أخدت جنيه من الميراث.”
“أمال ليه عملتي كل ده؟”
قالت وهي تبكي:
“كل يوم كنت بقول بكرة هقول الحقيقة… لكن كل ما الوقت كان بيعدي، كنت بخاف أكتر.”
خرج الضابط يتكلم في اللاسلكي.
وبعد دقائق رجع.
وقال:
“وصلنا عنوان جلال.”
المحامي رفع رأسه بسرعة.
“فين؟”
رد الضابط:
“في بيت قديم مقفول من سنين… لكن الجيران أكدوا إنه رجع من أسبوع.”
خرجنا كلنا مع قوة الشرطة.
ركبنا العربيات واتجهنا للعنوان.
البيت كان مهجورًا.
الشبابيك مكسورة.
والحديقة مليانة حشائش.
دخل الضابط الأول.
وبدأنا نفتش الأوض.
كل مكان كان عليه تراب كثيف.
لحد ما آسر نادى بصوت عالي:
“آدم… تعالى بسرعة.”
جريت عليه.
كان واقف قدام غرفة صغيرة في آخر الممر.
على الحائط صورة قديمة.
الصورة كانت لأمي وهي شايلانا إحنا الاتنين.
لكن وشها كان متشخبط عليه بالحبر الأسود.
وتحت الصورة جملة مكتوبة بخط اليد:
“بعض الأسرار… كان لازم تفضل مدفونة.”
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت باب بيقفل بعنف في الطابق العلوي.
رفع الضابط سلاحه وهو يصيح:
“في حد فوق!”
وبدأنا نجري ناحية السلم…
من غير ما نعرف إذا كنا هنقابل الرجل اللي غيّر حياتنا…
ولا هنكتشف سرًا أخطر مما تخيلناه.
يتبع
