ابن سلفي روماني مكرم 2
تجمد أمجد في مكانه، ودقات قلبه تسارعت وهو ينظر إلى داليا الواقفة بنظراتها الخبيثة. ابتلع ريقه وصاح بنبرة تحدٍ حاول أن يداري بها خوفه:
— “سر إيه؟ أنا مش عايز أعرف منكم حاجة، أنا عايز أرجع لأمي وبويا اللي ربوني!”
ضحكت داليا ضحكة صفراء وقالت وهي تقترب منه:
— “أبوك وأمك؟ لسه بتقول عليهم كده؟ ماشي يا شاطر، بكره الصبح في مكتب المحامي هتعرف كل حاجة، وهتعرف إن الله حق.. ودلوقتي اتفضل على أوضتك ورجلك فوق رقبتك.”
أمجد دخل غرفته وأغلق الباب بعنف، ارتمى على السرير ودموعه تسيل على وسادته. أخرج هاتفه المحمول الذي نجح في إخفائه عنهم طوال الأيام الماضية، وبأصابع ترتعش اتصل بعمر.
في الجانب الآخر، كان بيت حسام يعيش في ظلام دامس، نهى لم تذق طعم النوم، وجالسة في الصالة تحتضن قميص أمجد وتبكي. فجأة رن هاتف عمر، قفز من مكانه وصاح:
— “أمي! بابا! أمجد بيتصل!”
تجمع الثلاثة حول الهاتف، وفتح عمر الخط بسرعة:
— “أمجد! إنت فين يا صاحبي؟ عامل إيه؟”
سمعوا صوت أمجد الباكي والمنخفض:
— “عمر.. الحقني يا عمر، أنا محبوس هنا. داليا قفلت الباب بالمفتاح، وبتقولي بكره هتعرف السر اللي خلانا نرجع ناخدك بعد ١٦ سنة.. أنا خايف قوي يا بابا حسام، خايف يعملوا فيا حاجة.”
حسام أخذ الهاتف بسرعة وقال وصوته مليء بالقهر لكن بحزم الأب:
— ” متخافش يا أمجد، إنت راجل يا بني. اسمعني كويس.. هما هياخدوك بكره فين؟”
أمجد:
— “سمعتها بتقول في مكتب المحامي الصبح.”
حسام:
— “تمام يا بني، اقفل دلوقتي وخلي تليفونك صامت وماتخليهمش يشوفوه. احنا مش هنسيبك، والمحامي بتاعنا شغال.. خليك قوي.”
بمجرد أن أغلق حسام الخط، التفت إلى زوجته وابنه وقال:
— “السر في مكتب المحامي.. شريف وداليا مش بتوع مظهر وأبوة فجائية، وراهم مصيبة.”
في صباح اليوم التالي، جرت داليا أمجد من يده، وركبا السيارة مع شريف المتجهم الذي لم ينطق بكلمة واحدة. وصلا إلى مكتب محامٍ شهير في منطقة راقية. دخلوا الشقة الكبيرة، وجلسوا في غرفة المكتب الواسعة.
المحامي أخرج ملفًا أحمر اللون، ونظر إلى أمجد ثم إلى شريف وقال:
— “أهلاً يا أمجد.. شريف بيه جابك هنا علشان فيه إجراءات قانونية لازم تتم، وبصفتك وصلت لسن ١٦ سنة، توقيعك وإقرارك مطلوبين.”
أمجد عقد حاجبيه وقال بحدة:
— “إجراءات إيه؟ أنا مش هSign (أوقع) على حاجة.”
داليا نظرت للمحامي وقالت بنفاذ صبر:
— “فهمه يا أستاذ، خليه يخلصنا.”
المحامي تنحنح وقال:
— “يا أمجد.. والدتك الله يرحمها، سمر، كانت يتيمة ومقطوعة من شجرة زي ما إنت عارف، لكن اللي ما تعرفوش إنها كانت بتملك قطعة أرض ومحل ورثتهم عن والدها في منطقة حيوية جدًا ومستقبلها كبير، والأرض دي اتدخلت كردون مباني ودلوقتي تسوى ملايين.. شريف بيه باع الأرض دي بعقد ابتدائي من كام سنة، والشركة اللي اشترت الأرض جاية تبني مول ضخم، وجدوا إن العقد فيه ثغرة، إن الأرض دي ملك لسمر، ونصيبك أنت فيها كوارث شرعي مقفول باسمك ولا يجوز التصرف فيه إلا بموافقتك وإقرارك بعد ما تكبر، أو بوجودك شخصيًا لإتمام صحة النفاذ.. الشركة مهددة شريف بقضية تزوير ونصب، وهيدفع شرط جزائي يخرب بيته، والحل الوحيد إنك توقع على التنازل والبيع بصفتك الوريث.”
أمجد شعر بصدمة كهربائية تضرب جسده. نظر إلى شريف وقال بصوت يملؤه الاحتقار:
— “يعني إنت ما جيتش تاخدني عشان اشتقت لي؟ ولا عشان ربنا ما رزقكش بعيال؟ إنت جيت تاخدني عشان الفلوس؟ وعشان تحمي نفسك من السجن؟”
شريف خفض رأسه ولم ينطق، بينما داليا زعقت:
— “وجايلك عين تتكلم وتتشرط؟! أبوك اللي واقف ده لو اتسجن مش هتنول مليم واحد.. وقع وأنت ساكت، واحنا هنضمن لك تعيش في عز!”
في هذه اللحظة، فُتح باب مكتب المحامي بقوة، ودخل حسام ومعه المحامي الخاص به وعمر!
داليا وقفت مصدومة:
— “إنتوا إيه اللي جابكم هنا؟! دي قاعة مكتب محامي محترم، اخرجوا بره!”
حسام لم ينظر إليها، بل توجه مباشرة إلى أمجد وضمه إلى صدره بقوة، وأمجد تمسك به كأنه طوق نجاة. التفت حسام إلى أخيه شريف وقال بصوت يزلزل المكان:
— “طول عمرك دنيء يا شريف.. بس ما كنتش فاكر إن دناءتكتوصل بيك تبيع ابنك مرتين.. مرة لما رميته وهو لحم من غير ثمن، ومرة لما جيت تشتريه وتسرقه عشان الفلوس!”
محامي حسام تقدم ووضع ملفًا على مكتب المحامي الآخر وقال بهدوء وثقة:
— “أستاذ مدحت.. احنا واصلين هنا ومعانا مستندات تانية خالص. احنا قدمنا الصبح بلاغ للنيابة العامة بحجر على أملاك القاصر ومنع التصرف فيها، وقدمنا دعوى مستعجلة لإثبات النصب والتزوير في عقد البيع اللي عمله الأستاذ شريف من ورا ابنه، ومعانا شهادة الشهود وجيران العمر اللي يثبتوا إن الأب تخلى عن الولاية تمامًا وباع ابنه.. التوقيع اللي أمجد هيوقعه هنا ملوش أي قيمة قانونية وهيتعن عليه بالبطلان لأن الولد تحت التهديد والاحتجاز الجبري.”
شريف وقف وركبه ترتعش، ونظر إلى داليا برعب:
— “سجن؟ تزوير؟ إنتِ قلتي لي الموضوع هيعدي ببساطة والواد هيوقع!”
داليا تراجعت للخلف بوجه شاحب، وحاولت تلملم حقيبتها وهي تقول:
— “أنا مالي.. إنت اللي وقعت زمان وإنت اللي بعت!”
أمجد وقف وسط المكتب، ونظر إلى شريف وداليا بكل قوة، ثم التفت للمحامي وقال بصوت عالٍ يسمعه الجميع:
— “أنا مش هسكت، ومش هSign، وبلاغ النيابة أنا اللي هأكده بنفسي.. والفلوس دي لو هتموتني من الجوع مش عايز منها مليم، بس مش هسيبكم تسرقوني وتسرقوا حق أمي اللي ماتت!”
حسام أمسك يد أمجد وعمر، ونظر إلى أخيه نظرة أخيرة كلها أسف وقال:
— “يا خسارة الأخوة يا شريف.. يلا بينا يا أولاد.”
خرجوا من المكتب تاركين شريف وداليا في ثورة من الصراخ والاتهامات المتبادلة.
لكن بمجرد وصولهم إلى الشارع، وبينما كانت الفرحة تملأ قلوبهم بنصرهم المؤقت، وقفت سيارة سوداء فجأة أمامهم، ونزل منها رجلان ضخام الجثة، وتوجها مباشرة نحو أمجد وحسام..
تراجع حسام غريزيًا إلى الخلف ودفع أمجد وعمر وراء ظهره، بينما تقدم الرجلان وعلامات الجدية والصرامة تملأ وجهيهما. أحدهما وضع يده داخل جاكيت بدلته، فظن حسام أنه يسحب سلاحًا وصاح بعصبية:
— “إنتوا مين؟! وعايزين إيه؟! ابعدوا عننا وإلا هلمّ عليكم الشارع!”
لكن الرجل أخرج بطاقة تعريفية رسمية ونظر إلى حسام بهدوء وقال:
— “اهدأ يا حاج حسام.. احنا مش جايين نعمل مشاكل. أنا الأستاذ مجدي، المستشار القانوني للشركة العقارية اللي اشترت أرض المرحومة سمر، والدة أمجد.”
تنفس حسام الصعداء لكن ريبته لم تختفِ، وقال:
— “وعايزين مننا إيه؟ احنا لسه خارجين من مكتب محامي شريف وعارفين كل حاجة.”
المستشار مجدي نظر إلى أمجد بابتسامة عملية وقال:
— “احنا مراقبين الموقف من أول ما عرفنا إن الأستاذ شريف نصب علينا وباع أرض مش ملكه بالكامل، وعرفنا إنه رفع قضية وضغط عليكم عشان ياخد الولد ويجبره يوقع. احنا شركتنا شركة محترمة ومش عايزين ندخل في قضايا تزوير ومشاكل توقف مشروع المول.. احنا عرضنا تالت خالص.”
حسام عقد ذراعيه وقال:
— “عرض إيه؟”
المستشار مجدي:
— “احنا مش عايزين توقيع بالإجبار، احنا عايزين حقنا القانوني بما يرضي الله. نصيب أمجد الشرعي في الأرض والمحل متثمن بحوالي ١٥ مليون جنيه.. الشركة عارضة تشتري نصيب أمجد رسميًا وبعقد موثق في الشهر العقاري وبحضورك كوصي عليه بعد ما نرفع دعوى إسقاط ولاية شريف، والفلوس دي هتحط في حساب بنكي باسم أمجد كقاصر، ومحدش يقدر يلمس منها مليم لحد ما يتم السن القانوني.. وبكده شريف وداليا مش هيطولوا مليم واحد، وفي نفس الوقت احنا هنرفع قضية جنائية على شريف عشان نرد الفلوس اللي أخدها مننا زمان بدون وجه حق.. إيه رأيك يا بطل؟”
أمجد نظر إلى حسام، فرأى في عين أبيه الذي ربّاه نظرة فخر وتشجيع. التفت أمجد للمستشار وقال بثبات:
— “أنا موافق.. طالما شريف وداليا مش هياخدوا حاجة من حق أمي، وطالما حقي هيفضل تحت إشراف بابا حسام، أنا معاكم.”
عاد حسام وعمر وأمجد إلى البيت. بمجرد أن فتحوا الباب، جرت نهى ونزلت دموعها كالشلال وهي تحتضن أمجد وتشم رائحته كأنها ترد روحها إلي جسدها:
— “رجع تلي يا بني؟ رجعتلي يا قلب أمك؟ دعتلك في كل سجدة يا أمجد.. دعتلك يا حبيبي.”
أمجد بكى في حضنها وقال:
— “أنا عمري ما هبعد عنك تاني يا أمي.. هما كانوا عايزيني عشان الفلوس، لكن إنتِ وبابا وعمر إنتوا كنز حياتي الحقيقي.”
جلسوا جميعًا يحكون لنهى ما حدث، وكيف انقلب السحر على الساحر، وأن عدالة السماء بدأت تتحقق.
مر أسبوعان، وتحول شريف وداليا من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع التام. القضايا حاصرتهم من كل اتجاه؛ بلاغ النيابة من محامي حسام، وقضية النصب المرفوعة من الشركة العقارية الضخمة التي لا ترحم.
في ليلة من الليالي، رن جرس باب بيت حسام. فتح حسام الباب ليجد أخاه شريف واقفًا، لكنه لم يكن شريف الواثق المتكبر الذي جاء قبل أسبوعين.. كان مكسورًا، ذليلًا، وعيناه غائرتان من قلة النوم.
دخل شريف وارتمى على ركبتيه تحت أقدام حسام وهو يبكي بنحيب:
— “الحقني يا حسام.. الحقني يا أخويا.. أنا هتحبس! الشركة رفعت عليا قضية تزوير ونصب والشرط الجزائي يدخل في ملايين، وأنا معنديش فلوس، وداليا لما عرفت إني هفلس وهتسجن سابت البيت وأخدت كل حاجتها وطلبت الطلاق.. أبوس إيدك يا أخويا خلي أمجد يتنازل أو يوافق على البيع القديم عشان ينجدني من السجن!”
نهى خرجت من المطبخ ونظرت إليه بقسوة وقالت:
— “دلوقتي حسام أخوك؟ ودلوقتي جاي تبوس إيده؟ فين العز والفيلا اللي كنت عايز تاخد ابني ليهم؟ فين مراتك اللي كانت بتشمت فينا؟ ربنا جاب حق الغلبان يا شريف.”
حسام نظر إلى أخيه الشاكي بحزن وأسى على ما وصل إليه، وقال:
— “أمجد مش هيتنازل عن العقد القديم يا شريف.. أمجد هيبيع للشركة رسمي، والفلوس هتدخل في حسابه في البنك ومحدش هيلمسها. أما قضيتك معاهم.. فده ذنب الولد اللي رميته ١٦ سنة وكنت جاي تسرقه.. أنا مش هقدر أساعدك.”
شريف وقف وهو يمسح دموعه، وتحولت نظرة الذل في عينيه فجأة إلى نظرة جنون وغل.. نظر إلى حسام ونهى وقال بنبرة مرعبة:
— “ماشي.. ماشي يا حسام.. قفلتوها في وشي؟ وبعتوني عشان الفلوس والواد؟ افتكروا كويس إني مش هسجن لوحدي.. وإني لو ضعت، هاخد معايا أغلى ما تملكوا!”
خرج شريف وصم الباب خلفه بقوة هزت أركان الشقة.
وقعت الرعب في قلب نهى، والتفتت إلى حسام وقالت برعب:
— “حسام.. شريف عينه كان فيها شر مش طبيعي.. ده ممكن يعمل أي حاجة في أمجد!”
بعد يومين..
كان أمجد وعمر عائدين من آخر امتحان في الثانوية العامة، والابتسامة تملأ وجهيهما بعد فترة طويلة من الضغط. وبينما هما يسيران في الشارع الجانبي المؤدي إلى بيتهما، ظهرت سيارة مسرعة مطفأة المصابيح رغم بداية الليل..
انحرفت السيارة فجأة نحوهما بسرعة جنونية، وكان واضحًا أنها تستهدف أحدهما بشكل مباشر.. عمر لمح السيارة وصرخ بأعلى صوته: “أمجدددد احترس!” ودفع أمجد بقوة على الرصيف..
طاخخخ!