لسلة زفاف جوزي حكـايـات أسمـا ×3

محمد فضل واقف عند الباب…

ولا قادر يتكلم.

ولا قادر يقفل الباب.

ندى كانت ملامحها مختلفة تمامًا.

لا مكياج.

ولا غرور.

ولا النظرة المتكبرة اللي شفتها يوم الفرح.

بصت ناحيتي وقالت:

“ممكن أدخل؟”

بصيت لمحمد.

قلت:

“القرار قرارك.”

تنهد وقال:

“اتفضلي.”

دخلت بخطوات بطيئة.

أول ما شافت الحاجة أمينة…

نزلت تبوس إيديها.

لكن الحاجة أمينة سحبت إيدها.

وقالت ببرود:

“قولي اللي عندك.”

ندى بلعت ريقها.

وقالت:

“أنا غلطت.”

الحاجة أمينة ردت:

“دي إحنا عارفينها.”

ندى دموعها نزلت.

وقالت:

“أنا كنت فاكرة إني لما أكسب محمد… هبقى كسبت الدنيا.”

وسكتت.

“بس أول ما كل حاجة انتهت… اكتشفت إني خسرت نفسي.”

محمد كان ساكت.

ولا نطق بحرف.

ندى فتحت شنطتها.

وطلعت ملف أزرق.

وقالت:

“أنا جاية أرجع حق.”

محمد استغرب.

“حق إيه؟”

فتحت الملف.

وطلعت منه مجموعة أوراق.

وقالت:

“فاكر العقد اللي مضيته قبل الفرح؟”

محمد هز راسه.

“أيوه.”

ندى قالت:

“أنا كنت طلبت منك تنقل نصيبك في الشركة باسم شركة تانية… وقلتلك ده إجراء ضريبي.”

محمد اتنهد.

“أيوه… وبعدين؟”

ندى قالت وهي بتعيط:

“ماكنش إجراء ضريبي.”

الكل بص لها.

وقالت:

“كان عقد بيع.”

محمد اتجمد.

“بيع؟!”

“أيوه.”

“يعني إيه بيع؟”

ندى قالت:

“أبويا… كان مخطط من البداية يستحوذ على حصتك في الشركة.”

الحاجة أمينة شهقت.

وأنا بصيت لمحمد.

أول مرة أشوفه بالشكل ده.

ندى كملت:

“أنا كنت عارفة.”

محمد رفع عينه لها.

“ووافقتي؟”

هزت راسها وهي بتبكي.

“وافقت… لأني كنت فاكرة إن الفلوس أهم من أي حاجة.”

سكتت لحظة.

ثم قالت:

“لكن بعد اللي حصل…

ضميري ق*تلني.”

طلعت ورقة.

وقالت:

“دي نسخة من كل العقود.”

“ودي تسجيلات.”

“ودي رسايل.”

“وفيها كل حاجة تثبت إنك اتخدعت.”

محمد قعد على الكرسي.

وحط إيده على راسه.

وقال:

“يعني…

أنا كنت لعبة؟”

ندى قالت:

“كلنا كنا لعبة.”

في اللحظة دي…

الحاجة أمينة قامت.

وقربت من ندى.

كلنا افتكرنا إنها هتطردها.

لكنها قالت:

“الاعتراف بالحق فضيلة.”

وسكتت.

“بس الاعتراف…

ما بيمحيش الوجع.”

ندى هزت راسها.

وقالت:

“أنا عارفة.”

وبعدين لفتت ناحيتي.

وقالت:

“أنا مدينة ليكي باعتذار.”

بصيتلها من غير كلام.

قالت:

“أنا اللي كسرت قلب بنتك.”

“وأنا استحق أي دعوة تدعيها عليا.”

رديت بهدوء:

“أنا سيبت حقي عند ربنا.”

ندى غمضت عينيها.

وقالت:

“وده أصعب حكم.”

قامت تمشي.

لكن قبل ما توصل للباب…

ليان خرجت من أوضتها.

كانت سامعة كل حاجة.

بصت لندى.

وندى نزلت على ركبها.

وقالت:

“أنا آسفة يا ليان.”

ليان فضلت ساكتة.

ثواني طويلة.

ثم قالت:

“أنا مش بزعل من اللي بيعتذر.”

ندى ابتسمت وسط دموعها.

لكن ليان كملت:

“أنا بزعل من اللي بيكرر الغلط.”

ندى أومأت برأسها.

وقالت:

“معاكي حق.”

خرجت من الشقة.

ولأول مرة…

خرجت من حياتنا من غير ما تسيب وراها صوت عالي…

ولا غرور…

ولا كراهية.

لكن بعد أقل من خمس دقائق…

رن هاتف محمد.

نظر إلى الشاشة…

ثم وقف فجأة.

كان المتصل…

محامي الشركة.

قال له بصوت مرتبك:

“أستاذ محمد… لازم تيجي حالًا.

في لجنة من النيابة موجودة في الشركة…

وفي ناس اتقبض عليهم…

واسم حضرتك موجود في الملف.”

سقط الهاتف من يد محمد…

لأنه أدرك أن الكابوس الحقيقي…

لسه ما بدأش.
محمد بصلي…

وكان وشه كله خوف.

قال:

“أنا بريء.”

قلت بهدوء:

“لو بريء…

متخفش.”

الحاجة أمينة قامت بسرعة.

وقالت:

“أنا جاية معاك.”

محمد هز راسه.

“لا يا أمي…

إنتِ لسه تعبانة.”

لكنها قالت بحزم:

“أنا مش هسيب ابني لوحده.”

بص ناحيتي.

وأول مرة يطلب مني حاجة من غير كبرياء.

“ممكن…

تخلي بالك من أمي وليان لحد ما أرجع؟”

قلت:

“اطمن.”

خرج بسرعة.

ومن يومها…

اختفى.

مش اختفى بمعنى هرب.

لكن موبايله اتقفل.

ولا حد عرف يكلمه.

عدى يوم.

وبعدين اتنين.

ولحد اليوم التالت…

مافيش أي خبر.

ليان بقت كل شوية تسأل:

“بابا فين؟”

وأنا كل مرة أقول:

“إن شاء الله هيرجع.”

لكن الحقيقة…

إني أنا كمان كنت قلقة.

في مساء اليوم الرابع…

جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت المحامي.

وشه مرهق.

قلت بسرعة:

“محمد فين؟”

قال:

“اطمني…

مش محبوس.”

تنفست الصعداء.

لكن قال:

“هو في المستشفى.”

الحاجة أمينة صرخت:

“يا ساتر يا رب!”

المحامي قال:

“بعد ما خلص التحقيق…

وهو خارج…

واحد حاول يسرق الملف اللي معاه.”

“محمد قاومه.”

“وحصلت خناقة.”

“واتصاب في راسه.”

ليان أول ما سمعت كلمة “اتصاب”…

جريت أوضتها.

رجعت بعد ثواني.

شايلة الدبدوب القديم اللي أبوها كان جابهالها وهي عندها أربع سنين.

وقالت:

“يلا نزوره.”

…

وصلنا المستشفى.

محمد كان نايم.

وراسه متربطة.

أول ما فتح عينه…

شاف ليان.

ابتسم.

وقال:

“أهو بطلي.”

ليان قربت منه.

وحطت الدبدوب جنبه.

وقالت:

“هو ده كان بيخليني أنام وأنا صغيرة.”

محمد ابتسم.

“فاكره.”

قالت:

“خليه معاك…

عشان متخفش.”

في اللحظة دي…

محمد مقدرش يمسك دموعه.

مسك إيد بنته.

وقال:

“أنا آسف.”

ليان بصتله.

وقالت:

“مش كل مرة هتقول آسف.”

استغرب.

قالت:

“المرة دي…

خليك كويس.”

ابتسم وسط دموعه.

ووعدها.

…

بعد أسبوع…

محمد خرج من المستشفى.

لكن المفاجأة كانت في التحقيق.

النيابة أثبتت إن محمد نفسه كان ضحية.

وإن مجموعة من المسؤولين بالشركة…

استغلوا ثقته…

وزوروا عقود باسمه.

أما ندى…

فشهادتها كانت السبب الرئيسي في كشف الحقيقة.

واتقبض على أكتر من شخص.

والشركة رجعت لمحمد كل حقوقه.

أول حاجة عملها بعد ما خلصت الأزمة…

ماكانتش إنه يروح الشركة.

ولا يحتفل.

راح مباشرة على مدرسة ليان.

كانت خارجة من الفصل.

أول ما شافته…

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

محمد مد لها إيده.

وقال:

“فاضية ساعة؟”

قالت:

“عندي واجب.”

ابتسم.

وقال:

“نعمله سوا.”

وافقت.

وأول مرة…

الأب والبنت قعدوا على ترابيزة واحدة…

مش علشان يتكلموا عن الماضي…

لكن علشان يحلوا مسائل الرياضيات.

الحاجة أمينة كانت بتراقبهم من بعيد.

وقالت وهي بتمسح دموعها:

“سبحان اللي يجبر القلوب.”

لكن وهي بتتكلم…

وقف قدام المدرسة رجل كبير في السن…

نزل من عربية سوداء فاخرة…

وبمجرد ما شاف محمد…

قال بصوت عالي:

“أخيرًا لقيتك…

بقالنا عشرين سنة بندور عليك.”

محمد لف ناحيته…

واتغير لون وشه تمامًا.

وقال بذهول:

“حضرتك تعرفني؟”

ابتسم الرجل…

وقال:

“وأكتر مما تتخيل…

لأن السر اللي أخفته عنك أمك طول عمرك…

حان وقت تعرفه.”

الحاجة أمينة أول ما سمعت الجملة…

اتغير لون وشها.

وقامت بسرعة وهي بتقول:

“امشي من هنا.”

الراجل بص لها بهدوء.

وقال:

“بعد كل السنين دي…

لسه خايفة الحقيقة تظهر؟”

محمد كان واقف مش فاهم حاجة.

بص لأمه.

وقال:

“هو مين ده؟”

الحاجة أمينة ردت بعصبية:

“واحد مجنون.”

لكن الراجل طلع من جيب بدلته ظرف قديم.

وقال:

“لو كنت مجنون…

يبقى الورق ده كمان مجنون.”

فتح الظرف.

وطلع صورة باهتة.

محمد أخدها.

اتجمد مكانه.

في الصورة…

كان طفل صغير عمره حوالي سنة.

قاعد على رجل نفس الراجل.

والغريب…

إن الطفل كان لابس نفس السلسلة الفضية اللي محمد لسه محتفظ بيها لحد النهارده.

محمد رفع عينه.

وقال:

“الصورة دي جبتها منين؟”

الراجل رد:

“أنا اللي صورتها.”

الحاجة أمينة صرخت:

“كفاية!”

لكن محمد كان بدأ يفقد أعصابه.

“حد يفهمني.”

الراجل قال بهدوء:

“اسمي فؤاد.”

“وكنت الشريك التجاري لوالدك.”

محمد استغرب.

“والدي مات وأنا صغير.”

“أيوه.”

“لكن قبل ما يموت…”

“…كتب رسالة.”

طلع ورقة صفراء قديمة.

وقال:

“الرسالة دي كانت أمانة عندي.”

محمد فتحها.

وكان الخط واضح.

“لو حصل لي حاجة…

أوصيك بابني محمد…

وخلي بالك منه.”

محمد حس إن رجليه مش شايلاه.

لأنه كان متأكد إن دي كتابة أبوه.

الحاجة أمينة قعدت على أقرب كرسي.

وبدأت تبكي.

محمد قرب منها.

وقال:

“ليه يا أمي؟”

بصت له وهي منهارة.

وقالت:

“كنت خايفة.”

“خايفة من إيه؟”

“بعد وفاة أبوك…

كان فيه ناس عايزة تستولى على كل حاجة.”

“فقطعت علاقتي بكل اللي حواليه.”

“حتى عمك.”

“وحتى شركاه.”

“وحتى الراجل ده.”

فؤاد هز رأسه.

وقال:

“هي كانت فاكرة إنها بتحميك.”

ثم ابتسم بحزن.

“بس وهي بتحميك…

حرمتك من ناس كانت بتحب أبوك.”

محمد سكت.

ثم سأل:

“حضرتك جيت دلوقتي ليه؟”

فؤاد فتح حقيبة جلد صغيرة.

وأخرج ملفًا سميكًا.

وقال:

“لأن ده بقى حقك.”

فتح الملف.

كان فيه عقود.

وصور.

وكشف حساب.

وأخيرًا…

مفتاح صغير من النحاس.

محمد استغرب.

“مفتاح إيه ده؟”

ابتسم فؤاد.

وقال:

“أبوك قبل وفاته اشترى قطعة أرض صغيرة.”

“وكان بيقول…”

“…دي هتبقى مستقبل ابني.”

الحاجة أمينة قالت وهي تمسح دموعها:

“افتكرت إنها ضاعت.”

فؤاد هز رأسه.

“ما ضاعتش.”

“أنا دفعت ضرائبها كل سنة.”

“واستنيت اليوم اللي أرجعها لصاحبها.”

محمد بص للمفتاح.

وبعدين بص لفؤاد.

وقال:

“يعني بعد عشرين سنة…”

رد فؤاد:

“رجعت أنفذ وعد قطعته لصاحب عمري.”

ليان كانت واقفة تسمع.

قربت من محمد.

ومسكت إيده.

وقالت بابتسامة بريئة:

“يبقى جدو كان بيحبك أوي.”

محمد حضنها.

وقال:

“واضح إنه كان بيحبنا كلنا.”

لكن فؤاد ماكنش خلص كلامه.

قال وهو يقفل الملف:

“بس لازم تعرف…

الأرض دي دلوقتي ما بقتش مجرد أرض.”

محمد استغرب.

“أمال إيه؟”

قال:

“بقت في أهم منطقة استثمارية في المحافظة.”

“وقيمتها النهارده…”

“…أكتر من خمسين مليون جنيه.”

الكل اتصدم.

لكن المفاجأة الأكبر…

كانت لما فؤاد قال:

“وفيه ناس عرفت إن الملف رجع لصاحبه…”

“…ومن النهارده…

هتبدأ تحاول تاخده بأي طريقة.”

وفي نفس اللحظة…

وقفَت سيارة سوداء أمام المدرسة…

ونزل منها ثلاثة رجال…

كان واضح من نظراتهم…

إنهم مش جايين يباركوا لمحمد على حقه…العربية وقفت قدام المدرسة…

والتلات رجالة نزلوا منها بهدوء.

لابسين بدلات سودة.

وشكلهم ماكانش مريح.

محمد ضم ليان ناحيته تلقائيًا.

وقال لها بهمس:

“ادخلي جوه المدرسة مع ماما.”

ليان هزت راسها.

ومسكت في إيدي.

واحد من الرجالة قرب.

وقال باحترام:

“أستاذ محمد؟”

محمد قال بحذر:

“أيوه.”

الراجل مد إيده ببطاقة تعريف.

وقال:

“إحنا محامين.”

كلنا بصينا لبعض باستغراب.

قال:

“إحنا جايين من مكتب المستشار اللي كان بيتولى ممتلكات والد حضرتك.”

فؤاد ابتسم لأول مرة.

وقال:

“كنت عارف إنهم هيظهروا.”

محمد استغرب.

“يعني إيه؟”

المحامي فتح شنطة جلد.

وطلع ملف تاني.

وقال:

“بعد وفاة والد حضرتك…

كان فيه وصية.”

الحاجة أمينة شهقت.

“وصية؟”

قال:

“أيوه…

لكن كان فيها شرط.”

محمد أخد الورقة.

وقرأ أول سطر.

ثم رفع عينه بسرعة.

“الشرط ده إيه؟”

المحامي قال:

“والدك كتب إن الوصية ما تتفتحش…

إلا بعد ما ابنه يتم الأربعين…

أو يمر بأزمة تثبت إنه أصبح قادر يفرق بين الناس اللي بتحبه…

والناس اللي بتستغله.”

محمد سكت.

وفؤاد قال:

“وأنا اللي طلبت منهم يفتحوها دلوقتي.”

فتح محمد الظرف ببطء.

وكانت أول جملة مكتوبة بخط والده:

“يا محمد…

لو الرسالة دي وصلتلك…

يبقى أنا مش موجود.

لكن أتمنى تكون اتعلمت إن أغلى حاجة في الدنيا…

مش الفلوس.”

محمد دموعه بدأت تنزل.

وكمل قراءة.

“الفلوس بتروح وتيجي…

أما بنتك…

وزوجتك…

وأمك…

لو خسرتهم…

مش هتعرف تشتريهم بكل مال الدنيا.”

محمد وقف عن القراءة.

وبص على ليان.

ليان كانت ماسكة إيده.

فابتسم وسط دموعه.

وكمل.

“أنا سبتلك رزق يكفيك.

لكن أوعى يوم…

تختار المال على أهلك.”

الحاجة أمينة انفجرت في البكاء.

وقالت:

“الله يرحمك يا حسن…

حتى بعد موتك…

لسه بتربي ابنك.”

المحامي قفل الملف.

وقال:

“وفي آخر الوصية…”

محمد قلب الصفحة الأخيرة.

وكان فيها سطر واحد.

“نص ثروتي يروح لحفيدي أو حفيدتي أول ما يتموا ثمانية عشر سنة.”

محمد بص لليان.

وقال مبتسمًا:

“يعني جدو كان عامل حسابك قبل ما تتولدي.”

ليان ضحكت.

وقالت:

“هو كان يعرف إني هاجي؟”

فؤاد ضحك.

وقال:

“كان بيقول دايمًا…

نفسي يبقى عندي حفيدة تملأ البيت ضحك.”

وفي اللحظة دي…

واحد من المحامين قال:

“بس فيه مشكلة.”

محمد رجع قلق.

“إيه هي؟”

قال:

“فيه شخص قدم اعتراض على الوصية.”

“مين؟”

المحامي فتح الملف.

وأخرج صورة بطاقة الرقم القومي.

حطها قدام محمد.

أول ما شاف الاسم…

اتغير لون وشه.

الحاجة أمينة قامت واقفة.

وقالت بعدم تصديق:

“مستحيل…”

محمد همس:

“عمي شريف…”

فؤاد هز رأسه ببطء.

وقال:

“أخو أبوك…

اللي اختفى من أكتر من عشرين سنة…

رجع.”

وساب رسالة للمحامي بيقول فيها:

“قولوا لمحمد…

اللي بدأ زمان…

لسه ما انتهاش.”
الاسم وقع على محمد كأنه صاعقة.

“عمي شريف…”

بص للحاجة أمينة.

وقال:

“هو أنا كان ليا عم فعلًا؟”

الحاجة أمينة نزلت دموعها.

وقالت:

“أيوه.”

“بس بعد وفاة أبوك…

هو سافر.

واتقطعت أخباره.”

فؤاد هز رأسه.

وقال:

“مش سافر.”

“كان زعلان.”

“لأنه افتكر إن أخوك حرمه من حقه.”

محمد سأل:

“يعني هو رجع دلوقتي علشان الفلوس؟”

رد فؤاد:

“معرفش.”

“بس أعرف إنه طلب يقابلك.”

…

بعد يومين…

اتحدد ميعاد في مكتب المحامي.

دخل محمد.

وأنا والحاجة أمينة وليان معاه.

وبعد دقائق…

الباب اتفتح.

دخل راجل كبير.

شعره كله أبيض.

وشه مليان تجاعيد.

أول ما شاف الحاجة أمينة…

قال:

“السلام عليكم يا أم محمد.”

الحاجة أمينة ردت السلام.

لكن ببرود.

شريف قرب من محمد.

وبصله طويل.

وقال:

“كبرت.”

محمد قال:

“حضرتك عمي؟”

ابتسم بحزن.

وقال:

“أيوه.”

“وكل يوم من عشرين سنة…

كنت بندم إني بعدت.”

محمد سأله مباشرة:

“إنت معترض على الوصية؟”

شريف سكت لحظة.

ثم قال:

“لا.”

كلنا اتفاجئنا.

المحامي قال:

“لكن حضرتك قدمت اعتراض.”

شريف أخرج ورقة من جيبه.

ومزقها قدامنا.

وقال:

“قدمتها علشان أعرف إذا كان محمد هيجري ورا الفلوس…

ولا هيجري يدور على الحقيقة.”

ثم بص لمحمد.

وقال:

“ولما عرفت اللي حصل مع بنتك…

وعرفت إنك بتحاول تصلح غلطك…

عرفت إن أخويا كان هيكون فخور بيك.”

محمد دموعه نزلت.

وقام حضنه.

بعد خصام عمره عشرين سنة…

انتهى الحضن في ثواني.

…

بعد شهر…

اتقسمت التركة رسميًا.

محمد أخد حقه.

وأول قرار أخده…

فاجأ الجميع.

باع جزءًا من الأرض.

لكن مش علشان يشتري عربية.

ولا فيلا.

ولا يسافر.

بنى مركزًا صغيرًا لرعاية الأطفال.

وسماه…

“دار ليان.”

وكان مكتوب على المدخل:

“لا ينكسر قلب طفل مرتين.”

لما سألوه عن سبب الاسم…

قال:

“علشان أفضل فاكر أغلى درس اتعلمته في حياتي.”

…

أما الحاجة أمينة…

فبقت كل يوم تروح المركز.

تلعب مع الأطفال.

وتقول لكل أم:

“اسمعي ولادك…

قبل ما حد تاني يسمع وجعهم.”

…

وندى…

سافرت محافظة تانية.

اشتغلت مدرسة.

وبعد سنوات…

بعتت جواب لليان.

كانت كاتبة فيه:

“يمكن ما أستحقش تسامحيني.

لكن بدعيلك كل يوم.

وأتمنى عمرك ما تكسري قلب حد…

زي ما أنا كسرته.”

ليان قرت الجواب.

وطوته.

وقالت:

“ربنا يسامحها.”

وبس.

…

أما أنا…

فكنت كل يوم أشوف بنتي تكبر.

وأقول في نفسي:

الحمد لله.

يمكن جوازي انتهى.

لكن أمومتي كسبت.

…

وفي عيد ميلاد ليان الثامن عشر…

اجتمعت العيلة كلها.

الحاجة أمينة.

العم شريف.

فؤاد.

محمد.

وأنا.

وقفت ليان قدامنا.

وقالت:

“أنا عندي طلب.”

كلنا بصينا لها.

قالت:

“أنا هاخد الجزء اللي جدي سابهولي.”

محمد ابتسم.

وقال:

“وده حقك.”

قالت:

“بس مش هصرفه على نفسي.”

استغربنا.

قالت:

“هكبر دار ليان.

علشان يبقى فيها مكان لأي طفل قلبه اتكسر بسبب خلاف الكبار.”

الحاجة أمينة بكت.

وقال محمد:

“أنا فخور بيكي.”

ليان ابتسمت.

ثم بصت لأبوها.

وقالت:

“فاكر يوم ما سألتك…

لو حد زعلني هتدافع عني؟”

ابتسم محمد.

وقال:

“فاكر.”

قالت:

“إنت وفيت بوعدك.

بس بعد ما اتعلمت إن الدفاع الحقيقي…

بيبدأ قبل ما القلب ينكسر.”

محمد حضن بنته.

المرة دي…

من غير خوف.

ومن غير تردد.

وأنا بصيت عليهم.

وافتكرت يوم الفرح…

ويوم دموع ليان…

ويوم وقوفها وحدها عند باب القاعة.

وحمدت ربنا…

إن النهاية ما كانتش انتقام.

كانت إصلاحًا.

لأن الانتقام…

ممكن يريح لحظة.

لكن الإصلاح…

بيشفي عمرًا كاملًا.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *