قصر المنصوري حكايات اسما 3

الجزء الأخير
فضلت واقفة برا المكتب وقلبي بيدق بعنف، وكل كلمة سمعتها كانت بتزود إحساسي بالخطر.
جوا… كان صوت عمر المنصوري أشبه بحاجة على وشك الانفجار.
أما يوسف الحديدي… فكان هادي بطريقة تخوف أكتر.
النوع اللي يبتسم وهو بيدمر حد.
سمعته يقول: “نادين رفعت قضية بالفعل.”
اتجمدت.
عمر رد بصوت منخفض جدًا: “إيه؟”
“حضانة مؤقتة.” ثم ضحك بسخرية خفيفة. “وطبعًا أرفقت صور وتقارير تثبت إن البيت غير مستقر.”
قبضت على هدومي بقوة.
أكيد… أكيد الست دي خططت لكل حاجة.
عمر قال ببرود قاتل: “لو كانت فاكرة إنها هتقرب من ولادي تبقى مجنونة.”
يوسف رد: “القانون ما يعرفش الحقيقة يا عمر… يعرف الورق.”
ثم سكت لحظة وأضاف: “وعندها ورق كتير.”
رجعت خطوتين بسرعة قبل ما حد يحس إني سامعة.
قلبي كان بيترجف.
أنا شوفت خوف الأطفال. شوفت الكدمات. شوفت الرعب في عينيهم.
لو رجعوا لنادين… هيتدمروا.
وفي اللحظة دي فقط… فهمت ليه الناس كانت بتخاف من عالم الأغنياء.
لأنهم يقدروا يحولوا الظلم لحقيقة على الورق.
طلعت بسرعة أوضة الأطفال.
ليان كانت قاعدة ترسم. وآدم نايم على الكنبة الصغيرة ضامم عربيته.
أول ما شافتني ليان قالت: “إنتِ زعلانة؟”
ابتسمت بالعافية. “لا يا حبيبتي.”
لكن الأطفال بيشوفوا الحزن بسهولة.
قامت وقربت مني. “هي هترجع؟”
ركعت قدامها بسرعة. “لا.”
“وعد؟”
المرادي… ماقدرتش أقولها بسهولة.
لأن لأول مرة… حسيت إني ممكن أخلف الوعد.
لكن قبل ما أرد، الباب اتفتح.
عمر دخل.
ووشه…
كان مرعب.
مش غضب بس. خوف.
ودي أول مرة أشوفها في راجل زيه.
ليان قامت جريت عليه فورًا. “بابا!”
شالها بسرعة كأنه محتاج الحضن ده أكتر منها.
أما آدم صحي مفزوع أول ما الباب اتفتح، لكن أول ما شاف أبوه هدي شوية.
عمر بصلهم للحظة طويلة. ثم قال: “جهزوا نفسكم.”
ليان اتوترت. “ليه؟”
“هنخرج يومين.”
بصيت له بعدم فهم.
قال بدون ما يبصلي: “مش آمن تفضلوا هنا دلوقتي.”
قلبي وقع.
يعني نادين فعلًا ممكن تعمل أي حاجة.
بعد ساعة… القصر كله كان متحرك.
عربيات. حراس. شنط.
أما أنا فكنت واقفة في أوضتي الصغيرة أحاول ألم هدومي القليلة.
وفجأة… في خبط على الباب.
فتحت.
لقيت عمر.
وقف بصمت ثواني. ثم قال: “إنتِ جاية معانا.”
اتجمدت. “إيه؟”
“الأطفال مش هيروحوا من غيرك.”
قلبي ضرب بعنف.
“يا فندم… أنا—”
“مريم.”
صوته وقفني.
أول مرة ينطق اسمي بالطريقة دي.
هادية… وثابتة.
قال: “أنا بثق فيكي.”
الجملة خلتني مش عارفة أتنفس للحظة.
لأن عمري ما سمعتها من حد.
في العربية السودا الكبيرة، ليان كانت نايمة على كتفي، وآدم في حضن أبوه لأول مرة من غير خوف.
الطريق كان طويل. والمطر مستمر.
بعد ساعتين تقريبًا وصلنا بيت ضخم على البحر في الساحل.
مكان معزول. هادي. ومحاط بحراسة.
أول ما دخلنا، الأطفال جروا ناحية الشبابيك يصرخوا بفرحة أول مرة أشوفها: “البحر!”
أما أنا… فكنت واقفة متوترة.
حاسّة إني مش المفروض أبقى هنا.
عمر لاحظ.
قال بهدوء: “ارتاحي.”
هززت راسي بسرعة. “أنا كويسة.”
نفس الجملة.
ونفس النظرة اللي بتقول إنه مش مصدقني.
في الليل، بعد ما الأطفال ناموا من التعب، خرجت البلكونة الصغيرة اللي قدام أوضتي.
البحر كان أسود. والهوا بارد.
ولأول مرة من سنين… حسيت بالهدوء.
لكن الهدوء ما طولش.
لأن صوت عمر خرج من الضلمة: “مش بتعرفي ترتاحي، صح؟”
اتخضيت.
كان واقف بعيد شوية، ماسك فنجان قهوة.
قلت بإحراج: “آسفة… افتكرت الكل نام.”
“ماعرفتش أنام.”
سكتنا شوية.
ثم قال: “يوسف كان شريك أبويا زمان.”
بصيت له.
أول مرة يتكلم عن نفسه.
كمل: “أبويا كان بيثق فيه أكتر من أي حد.”
ضحك ضحكة قصيرة بلا روح. “غلطته الوحيدة.”
الهوا حرّك شعره شوية وهو بيبص للبحر.
“بعد ما أبويا مات، يوسف حاول ياخد جزء من الشركات… ولما فشل، فضل مستني فرصة يوقعني.”
سألته بهدوء: “ونادين؟”
سكت لحظة.
ثم قال: “نادين كانت نقطة ضعفي.”
نزلت عيني للأرض.
“بعد موت سارة… البيت كان ميت.”
صوته اتغير أول ما نطق اسم مراته الأولى.
“ليان بطلت تتكلم شهور… وآدم كان طفل لسه.” بلع ريقه. “وأنا هربت في الشغل.”
كان بيعترف.
لنفسه أكتر مني.
“نادين كانت لطيفة مع الأطفال في البداية.” ضحك بمرارة. “أو يمكن أنا كنت محتاج أصدق ده.”
بصلي فجأة. “إنتِ ليه ما خفتيش منهم؟”
ما فهمتش. “مين؟”
“ولادي.”
قلبي وجعني.
قلت بهدوء: “علشان أنا كنت زيهم.”
سكت.
ولأول مرة… حكيت.
حكيت عن دار الأيتام. عن الليالي اللي كنت بنام فيها جعانة. عن الناس اللي كانت ترفع إيدها فجأة فأخاف. عن إني اتعلمت أقرأ الوجوه قبل الكلام.
وعن أمي…
اللي آخر حاجة قالتها قبل الحريق: “خلي قلبك طيب حتى لو الدنيا قست.”
لما خلصت… لقيته بيبصلي بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده.
مش شفقة.
إعجاب.
واحترام.
وحاجة أخطر بكتير خلتني أبص بعيد بسرعة.
قال بصوت منخفض: “إنتِ قوية جدًا يا مريم.”
ضحكت بخفة. “أنا بخاف طول الوقت.”
“الشجاعة مش إنك ما تخافيش.” ثم بصلي مباشرة. “الشجاعة إنك تخافي وتتحركي برضه.”
قلبي ارتبك بشكل غريب.
وفي اللحظة دي… رن موبايله.
رد فورًا.
ووشه اتغير.
“إمتى؟”
الصمت اللي بعد السؤال كان مرعب.
ثم قال: “اقفلوا كل البوابات.”
قفلت إيدي على سور البلكونة.
أول ما قفل، سألته: “في إيه؟”
بصلي مباشرة. “نادين عرفت مكاننا.”
الدم اتجمد في عروقي.
بعد أقل من ساعة… العاصفة بدأت.
عربيات سوداء وصلت برا الفيلا. وحراس اتحركوا بسرعة.
الأطفال صحوا مفزوعين على الأصوات.
ليان جريت حضنتني. “في إيه؟”
قبل ما أرد… سمعنا صوت صريخ برا.
ثم…
طلقة نار.
آدم بدأ يعيط هستيري.
عمر دخل الأوضة بسرعة. “خديهم واقفلي الباب.”
قلبي كان هيقف. “وأنت؟”
بصلي للحظة.
ثم قال: “محدش هيقرب منهم.”
ونزل.
قفلت الباب بسرعة وأنا بحضن الأطفال.
ليان كانت بترتعش. “دي نادين؟”
ماعرفتش أرد.
في الخارج… أصوات رجالة. خبط. صراخ.
ثم فجأة… صوت تكسير إزاز قريب جدًا.
شهقت.
والباب الخلفي للأوضة اتفتح بعنف.
صرخت وأنا بزق الأطفال ورايا.
لكن اللي دخل ماكانش حرامي.
كانت نادين.
شعرها مبهدل. وعينيها مجانين.
وفي إيدها مسدس.
ليان صرخت: “لا!”
نادين بصتلها بكره مرعب. “إنتوا السبب!”
وقفت قدام الأطفال فورًا.
قلبي كان هينفجر. لكن جسمي اتحرك لوحده.
نادين صرخت: “ابعدي!”
قلت بصوت مهزوز: “سيبيهم.”
ضحكت بجنون. “إنتِ فاكرة نفسك هتبقي البطلة؟”
المسدس اترفع.
ليان كانت بتعيط وبتشد هدومي.
أما آدم… فكان مستخبي ورا ضهري بيرتعش.
نادين قربت خطوة. “كل حاجة باظت بسببكم!”
ثم بصتلي. “وبسببك.”
في اللحظة دي… صوت عمر دوّى من الباب:
“نادين.”
لفت بسرعة.
كان واقف هناك… وعينيه مخيفة بشكل عمري ما هنساه.
قال بهدوء قاتل: “نزلي الس*لاح.”
نادين ضحكت بعصبية. “أنت اخترتهم عليا!”
“اختارت الصح.”
“وأنا؟!”
صوته خرج حاد: “إنتِ خوّفتي ولادي.”
سكتت لحظة.
ثم بدأت تعيط بشكل هستيري. “أنا كنت بحبك!”
عمر رد بدون تردد: “اللي يحب… ما يؤذيش.”
الجملة ضربتها كأنها صفعة.
ويمكن لأول مرة… استوعبت إنها خسرت.
لكن الخطر الحقيقي كان لسه.
لأن إيدها بدأت ترتعش على الزناد.
وأنا شفتها.
وشفت إن الطلقة هتطلع.
بدون تفكير… حضنت الأطفال ونزلت قدامهم.
وفي نفس اللحظة…
دوّى صوت الرصاصة.
حرارة حادة انفجرت في جنبي.
وقعت على الأرض وأنا سامعة صريخ ليان.
آدم بيعيط.
وعمر بيصرخ: “مريم!”
الدنيا بقت ضباب.
بس آخر حاجة شفتها… إن عمر هجم على نادين وانتزع المسدس.
ثم حضن الأطفال بجنون… وهو بيبصلي بخوف حقيقي.
ولأول مرة في حياتي… حد خاف يخسرني.
فتحت عيني بصعوبة في المستشفى.
كل حاجة كانت بيضا.
وجنبي… كان في صوت بكاء صغير.
لفيت وشي ببطء.
ليان كانت نايمة على طرف السرير، ماسكة إيدي.
وآدم في حضن عمر على الكرسي.
أما عمر نفسه… فكان صاحي.
أول ما شافني فتحت عيني، قام فورًا.
“مريم؟”
صوته كان مكسور.
همست: “الأطفال؟”
قال بسرعة: “كويسين.”
ثم قرب أكتر. “إنتِ أنقذتيهم.”
غمضت عيني بتعب.
فسمعته يهمس: “وأنقذتيني أنا كمان.”
بعد شهور…
القضية خلصت.
نادين اتحكم عليها بالسجن بعد محاولة الق*تل وكل الأدلة اللي ظهرت.
يوسف الحديدي خسر شراكاته بعد ما اتكشف فساده.
أما القصر…
فاتغير.
بقى فيه ضحك. ولعب على الأرض. وأنوار شغالة بالليل علشان ليان تعرف تنام.
وآدم بطل يخبي الأكل تحت المخدة.
أما أنا…
فوقفت يوم في الجنينة أبص للأطفال وهم بيلعبوا.
الهوا كان دافي. والشمس هادية.
وفجأة… حسيت بحد واقف ورايا.
عمر.
قال بهدوء: “المحامي خلص أوراق البيت.”
لفيت له بعدم فهم. “بيت؟”
ناولني مفتاح صغير.
اتجمدت. “ده إيه؟”
“بيتك.”
شهقت. “يا فندم أنا ماينفعش—”
قاطعني بابتسامة خفيفة: “مريم… بطلي تحسي إنك أقل من أي حد.”
الدموع حرقت عيني.
همست: “ليه بتعمل كل ده عشاني؟”
بصلي نظرة طويلة جدًا.
ثم قال: “علشانك بقيتي عيلة.”
في اللحظة دي… ليان وآدم جروا علينا.
“مريم! تعالي العبي!”
ضحكت وسط دموعي.
وأنا ببصلهم… افتكرت الليلة اللي أخدت فيها الصفعة بدلًا عن ليان.
وقتها كنت مجرد خادمة لا يراها أحد.
لكن في النهاية…
البنت اليتيمة اللي الكل اعتبرها بلا قيمة…
بقت الأمان. والعيلة. والحب الحقيقي… داخل البيت اللي كان يومًا مليان خوف.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *