تركني زوجي حكايات اسما ×5
الفصل التاسع
تجمد الجميع في أماكنهم.
وقف رأفت عند النافذة، وعيناه مثبتتان على الخارج.
أما نور فشعرت بأن نبضات قلبها تتسارع بعنف.
سألت مروة بسرعة:
ـ شفت مين؟
ابتلع رأفت ريقه.
ـ عربية سوداء.
ـ وبعدين؟
ـ عادل دايمًا بيستخدم نفس النوع.
اقترب سامح من النافذة هو الآخر.
ثم شحب وجهه.
ـ يا نهار أبيض…
ـ هو فعلًا؟
هز سامح رأسه ببطء.
ـ أيوة.
في الخارج…
كانت سيارة فاخرة تقف أمام الفيلا.
نوافذها سوداء بالكامل.
ولا يظهر من بداخلها.
مرت ثوانٍ طويلة من التوتر.
ثم فُتح الباب.
ونزل رجل.
طويل القامة.
أنيق المظهر.
يتحرك بثقة غريبة.
رغم أنه تجاوز السبعين من عمره.
همست نور:
ـ ده عادل؟
أجاب رأفت:
ـ هو.
دق جرس الباب.
مرة واحدة.
هادئة.
لكنها كانت كافية لتجميد الدم في العروق.
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم قال رأفت:
ـ محدش يفتح.
لكن الجرس رن مرة أخرى.
ثم جاء صوت من الخارج:
ـ يا رأفت…
أنا عارف إنك جوه.
ساد الصمت.
ثم أكمل الرجل:
ـ وعارف إن الضيوف كلهم موجودين.
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها.
كيف عرف؟
اقترب عادل من الباب.
وقال بهدوء مرعب:
ـ افتح.
ـ مش هفتح. ـ صاح رأفت.
ضحك عادل.
ضحكة قصيرة.
ثم قال:
ـ لسه بتفكر إن عندك خيار؟
داخل الفيلا…
بدأ التوتر يتحول إلى ذعر.
قالت سارة:
ـ نتصل بالشرطة.
لكن مروة كانت أسرع.
كانت قد أخرجت هاتفها بالفعل.
إلا أن رأفت قال فجأة:
ـ استنوا.
نظروا إليه.
ـ ليه؟
أجاب وهو يحدق في الباب:
ـ لأنه مش جاي عشان يقتل حد.
ـ أومال؟
ـ جاي عشان ياخد حاجة.
في الخارج…
وقف عادل بهدوء.
ثم قال بصوت مرتفع:
ـ نور.
شعرت نور ببرودة تسري في جسدها.
ـ أنا؟
ـ أيوة إنتِ.
تبادل الجميع النظرات.
ثم أكمل:
ـ الورقة اللي معاكي.
الظرف الأصفر.
هاتيه.
اتسعت عيناها.
إذن هو يعرف.
يعرف بالوثيقة.
ويعرف أنها وصلت إليها.
اقترب محمود من نور.
ـ مهما حصل ما تديهالوش.
هزت رأسها.
لكن الخوف بدأ يتسلل إلى قلبها.
فإذا كان هذا الرجل مستعدًا لمطاردة أسرار عمرها ثلاثون عامًا…
فإلى أي مدى يمكن أن يذهب؟
وفجأة…
رن هاتف نور.
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير معروف.
ترددت.
ثم أجابت.
جاءها صوت طفولي صغير:
ـ ماما؟
شعرت بأنفاسها تتوقف.
ـ ليان؟!
لكن ليان كانت رضيعة لا تتكلم أصلًا.
ثم أدركت فورًا.
الصوت مسجل.
تسجيل صوتي.
جاء بعده صوت رجل بارد:
ـ لو عايزة بنتك تفضل بخير…
تعالي لوحدك.
شحب وجهها بالكامل.
ـ إيه؟!
ـ بصي من الشباك الخلفي.
ركضت نحو النافذة الخلفية.
ونظرت.
ثم شعرت بالعالم يدور حولها.
لأن مربية ليان كانت ممددة على الأرض فاقدة الوعي.
وسرير الطفلة…
فارغ.
سقط الهاتف تقريبًا من يدها.
ـ لا…
ركض الجميع نحوها.
ـ في إيه؟
كانت تبكي لأول مرة منذ بداية كل هذه الكارثة.
ـ ليان…
ـ مالها؟
ـ بنتي مش موجودة.
ساد صمت مرعب.
ثم انفجر محمود:
ـ إيه؟!
أما رأفت فقد أغلق عينيه وكأنه كان يخشى هذه اللحظة منذ البداية.
وقال بصوت خافت:
ـ كنت عارف إنه ممكن يعملها.
في الخارج…
كان عادل يقف بجوار سيارته.
هادئًا.
مبتسمًا.
كأنه يلعب مباراة شطرنج يعرف نتيجتها مسبقًا.
رفع هاتفه.
ثم قال:
ـ عندك ساعة واحدة يا نور.
ـ لو جيتي بالورقة… هترجعي بنتك.
ـ ولو حاولتي تكوني ذكية…
فساعتها هتخسري كل حاجة.
وأغلق الخط.
وقفت نور في منتصف الغرفة.
يديها ترتجفان.
دموعها تنهمر.
الورقة في يد.
وصورة ابنتها في عقلها.
كانت تعرف أن تسليم الوثيقة قد يضيع الحقيقة كلها.
لكن رفضها قد يضيع ليان.
ثم فجأة…
قال سامح جملة جعلت الجميع يلتفتون إليه:
ـ يمكن عادل فاكر إنه كسب.
ـ تقصد إيه؟
نظر سامح نحو رأفت.
ثم نحو محمود.
وقال:
ـ لأنه ما يعرفش إن فيه نسخة تانية.
نسخة أخطر بكتير من اللي مع نور.
نسخة لو خرجت للنور…
مش هتدمر عادل بس.
هتدمر إمبراطورية كاملة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت أن مكان تلك النسخة…
ليس عند رأفت.
ولا عند محمود.
ولا حتى عند نور.
بل عند شخص لم يشك فيه أحد طوال الأحداث.
شخص كان قريبًا منهم منذ البداية…
ويراقب كل شيء في صمت.
(يتبع…)
الفصل الأخير
ساد الصمت في الفيلا بعد كلمات سامح.
حتى نور، التي كانت تكاد تنهار خوفًا على ابنتها، رفعت رأسها نحوه.
قالت بصوت مرتجف:
ـ النسخة عند مين؟
نظر سامح إلى الجميع.
ثم قال:
ـ عند مروة.
اتسعت عينا المحامية.
ـ أنا؟!
ابتسم سامح لأول مرة منذ أيام.
ـ مش بإيدك مباشرة… لكن أيوة.
ـ مش فاهمة.
أخرج سامح مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
وقال:
ـ من عشر سنين، لما بدأت أشك إن عادل هيحاول يمسح كل الأدلة، خزنت نسخة كاملة من كل الملفات في خزنة قانونية.
ـ وبعدين؟
ـ سجلتها باسم مكتب محاماة.
ـ مكتب مروة؟
ـ والد مروة الله يرحمه كان المحامي الوحيد اللي وثقت فيه.
شعرت مروة بالذهول.
ـ بابا عمره ما قالي.
ـ لأنه كان عارف إن كل ما عدد الناس اللي تعرف يقل، فرصة بقاء الحقيقة تزيد.
في تلك اللحظة…
رن هاتف نور مجددًا.
عادل.
ردت فورًا.
ـ بنتي فين؟
ـ معايا.
ـ عايز إيه؟
ـ الورقة.
نظرت نور إلى سامح.
ثم إلى مروة.
وفجأة هدأت ملامحها.
لأول مرة منذ اختطاف ليان.
لأنها فهمت شيئًا مهمًا.
عادل يعتقد أن الورقة هي السلاح الوحيد.
لكنه لا يعرف بوجود النسخة الكاملة.
قالت بهدوء:
ـ موافقة.
بعد ساعة…
وصلت نور وحدها إلى المكان الذي حدده عادل.
مخزن قديم قرب الميناء.
كانت تحمل الظرف الأصفر.
وقلبها يتمزق خوفًا على ابنتها.
دخلت بحذر.
فوجدت عادل جالسًا على كرسي.
وخلفه رجل يحمل ليان.
الطفلة كانت بخير.
تبكي فقط.
كادت نور تركض نحوها.
لكن عادل رفع يده.
ـ الورقة الأول.
أخرجت الظرف.
ورفعته أمامه.
ـ بنتي الأول.
ابتسم.
ـ لسه عندك شجاعة تفاوضي؟
ـ لسه عندي سبب أعيش عشانه.
نظر إليها طويلًا.
ثم أشار للرجل.
أعاد ليان إليها.
ضمتها نور بقوة حتى بكت الطفلة أكثر.
لحظة لم تنسها طوال حياتها.
لكن في نفس اللحظة…
دوت أصوات سيارات في الخارج.
ثم أصوات رجال.
ثم صرخات.
وقف عادل فجأة.
ـ إيه ده؟!
ابتسمت نور لأول مرة.
ـ النهاية.
اقتحمت الشرطة المكان.
وخلفهم مروة.
ومحمود.
وسامح.
ورأفت.
كانت الخزنة قد فُتحت.
والنسخ الكاملة من المستندات وصلت للنيابة.
كل شيء.
التحويلات.
الرشاوى.
التزوير.
الاستيلاء على الشركات.
الحسابات السرية.
وأسماء جميع المتورطين.
لم يعد هناك مكان للاختباء.
حاول عادل الهرب.
لكنه أُوقف قبل أن يصل إلى الباب.
صرخ بغضب:
ـ أنتم مش فاهمين!
أنا اللي بنيت كل ده!
فرد رأفت بهدوء:
ـ لا.
إنت سرقت كل ده.
وخلال الشهور التالية…
انهارت إمبراطورية عادل بالكامل.
توالت القضايا.
وتجمدت الأصول.
وظهرت شهادات جديدة.
وأحكام جديدة.
واختفت تلك الهالة التي عاش خلفها عشرات السنين.
أما فايزة…
فكانت الصدمة الأقسى في حياتها.
اكتشفت حقيقة كريم.
واكتشفت أن كثيرًا مما بنته كان قائمًا على الأكاذيب.
ومع الوقت…
وجدت نفسها وحيدة.
للمرة الأولى.
بلا نفوذ.
وبلا سيطرة.
وبلا أحد تخيفه أو تتحكم فيه.
أما كريم…
فدفع ثمن أخطائه.
خسر المال.
وخسر سمعته.
وخسر زواجه.
لكن الخسارة التي آلمته أكثر من أي شيء…
كانت إدراكه المتأخر أنه خسر فرصة أن يكون أبًا حقيقيًا لابنته.
عندما حاول لاحقًا التواصل مع نور…
لم تمنعه.
ولم تنتقم.
قالت له فقط:
ـ علاقتك بليان هتبنيها أفعالك… مش كلامك.
وكان عليه أن يبدأ من الصفر.
إن استطاع.
وبعد عامين…
في صباح هادئ ومشمس…
جلست نور في حديقة منزلها الجديد.
كانت ليان تركض على العشب وتضحك.
ضحكة صافية.
بريئة.
بعيدة عن كل الأكاذيب التي أحاطت ببدايتها.
اقتربت الطفلة منها.
وقالت:
ـ ماما… بصي!
رفعت نور رأسها.
فرأت ابنتها تركض نحوها بذراعين مفتوحتين.
فضحكت.
وحملتها بين ذراعيها.
وأدركت أخيرًا أن الانتصار الحقيقي لم يكن في كسب القضايا.
ولا كشف الأسرار.
ولا سقوط من ظلموها.
الانتصار الحقيقي…
كان أنها نجت.
وحمت ابنتها.
وبنت حياة جديدة من بين كل ذلك الخراب.
احتضنت ليان بقوة.
وأغمضت عينيها للحظة.
بينما كانت الشمس تشرق على فصل جديد…
لا مكان فيه للخوف.
ولا للأكاذيب.
ولا للأشخاص الذين ظنوا يومًا أن قسوتهم ستكسرها.
تمت.