وشم خارق حكـايـات أسمـا

طول 12 سنة من جوازنا… مراتي كانت دايمًا مخبية الوشم اللي على كتفها. لكن في يوم، راجل غريب شافه في السوبر ماركت… واتحول لونه وقال جملة قلبت حياتنا كلها…
طول اتناشر سنة جواز…كان فيه سؤال واحد عمره ما خرج من دماغي.
الوشم الصغير اللي على كتف مراتي الشمال.ماكانش كبير…ولا ملفت.مجرد علامة سودة بسيطة.
أي حد يشوفها ممكن يفتكرها وشم عادي.لكن كل مرة كنت أسألها عنه…كانت تبتسم ابتسامة خفيفة وتقول:”دي حكاية قديمة.”وبعدين تغير الكلام بسرعة…ومع السنين…
بطلت أسأل…لكن كان فيه حاجة عمرها ما بطلت تلفت نظري. .مراتي عمرها ما لبست أي حاجة تبين كتفها.
حتى في عز الحر…حتى وإحنا على البحر.
كانت دايمًا تختار هدوم تغطي الوشم.وفي يوم سبت…
بعد ما خلصنا الغدا…دخلنا السوبر ماركت نجيب طلبات البيت…وقفنا قدام رف الكورن فليكس…وبنحتار هنجيب أنهي نوع…وفجأة…
راجل كبير في السن كان بيزق عربية المشتريات…
وقف مكانه مرة واحدة…اتسمر…كان باصص على مراتي.
مش عليا…ولا على العربية…كل تركيزه كان على كتفها.
في اللحظة دي…كم البلوزة اتحرك سنة صغيرة…
والوشم بان…وش الراجل اصفر فجأة…ورفع صباعه وهو بيرتعش…وقال بصوت واطي:”معقول…العلامة دي لسه موجودة؟”مراتي بسرعة نزلت الكم على كتفها.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها…شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
مسكت إيدي جامد وقالت وهي نفسها متلخبط:”يلا… نمشي حالًا.”قبل حتى ما ألحق أسألها فيه إيه…
كانت بتسحبني ناحية باب الخروج…لكن الراجل الكبير…
ما وقفش…مشي ورانا بهدوء…خطوة…ورا خطوة.
ولما وصلنا عند العربيات…نادى عليها بصوت عالي:
“أمك قبل ما تموت…وصتني لو شفتك في يوم…أوصل لك الرسالة دي.”
مراتي وقفت مكانها.لكن ما لفتتش وشها.
وأنا اتجمدت مكاني…الراجل مد إيده جوه جيب الجاكيت…وطلع حاجة….عمرنا ما كنا نتخيل إننا هنشوفها.
يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين
حكايات أسما السيد
لمزيد من القصص الكامله ادخل هنا 👈 👈 دلال ناعم
الجزء الثاني

الحاجة اللي كانت في إيد الراجل ما كانتش ورقة… ولا صورة.

كانت سلسلة فضة قديمة، متعلقة فيها نفس العلامة اللي على كتف مراتي بالظبط.

أول ما شافتها…

وشها فقد لونه.

إيديها بدأت ترتعش.

ولأول مرة من يوم عرفتها…

حسيت إنها هتقع من طولها.

بصت للراجل وهمست بصوت مبحوح:

“إنت… إزاي لسه محتفظ بيها؟”

ابتسم الراجل ابتسامة كلها وجع.

وقال:

“لأن أمك سلمتهالي بنفسها قبل ما تموت.”

أنا كنت واقف بينهم…

حاسس إني غريب.

اتناشر سنة جواز…

وأول مرة أحس إني معرفش الست اللي عايش معاها.

قلت بعصبية:

“حد يفهمني فيه إيه؟”

مراتي بصتلي…

دموعها نزلت من غير ما تتكلم.

لكن الراجل سبقها وقال:

“سيبها تاخد نفسها… الحكاية دي تقيلة.”

وقفنا جنب العربية.

الناس رايحة جاية.

ولا حد واخد باله إن حياتنا كلها بتتقلب في اللحظة دي.

فتح الراجل السلسلة.

طلع منها مفتاح صغير جدًا.

وقال:

“أمك قالت لو قابلتك في يوم… أديكي ده… وأقولك إن الوقت جه تعرفي الحقيقة.”

مراتي قعدت على الرصيف.

دفنت وشها بين إيديها.

وبعدين قالت:

“أنا تعبت من الهروب.”

بصتلها باستغراب.

قلت:

“هروب من إيه؟”

رفعت عينها ناحيتي.

وقالت:

“أنا مش كنتيمة.”

الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.

سكتت ثواني.

وكملت:

“الاسم اللي تعرفه… مش الاسم اللي اتولدت بيه.”

حسيت إن الأرض بتميل.

قلت:

“يعني إيه؟”

قالت:

“وأنا عندي خمس سنين… حصل حريق كبير.”

“كل الناس افتكرت إن البيت اتحرق بكل اللي فيه.”

“لكن الحقيقة… أمي هربت بيا.”

الراجل هز رأسه.

وقال:

“هربت بيها لأنها كانت عارفة إن ناس كتير بيدوروا عليها.”

سألت بسرعة:

“ليه؟”

تنهد.

وقال:

“لأن أبوها كان شاهد في قضية خطيرة.”

مراتي قاطعته.

وقالت:

“بابا بلغ عن شبكة كبيرة كانت بتخطف أطفال وتزور هوياتهم.”

أنا بصيت لها مش مستوعب.

قالت:

“بعدها بأيام… اختفى.”

“وأمي فهمت إن الدور جاي علينا.”

سكتت لحظة.

وقالت:

“غيرت اسمي.”

“غيرت كل أوراقي.”

“وشالتني من المدينة كلها.”

قلت:

“والوشم؟”

مسكت كتفها.

وقالت:

“أمي رسمته بنفسها.”

“كان علامة نتعرف بيها لو اتفرقنا.”

الراجل مد إيده بالسلسلة.

وقال:

“وده النص التاني من العلامة.”

فتح السلسلة.

ولاحظنا إن شكلها يكمل نفس تصميم الوشم.

لما قربته من كتفها…

بقى الرسم كامل.

كان عبارة عن نجمة بثمانية أطراف.

وفي نصها…

حرف واحد.

حرف الميم.

الراجل قال:

“المفتاح ده مش لأي باب.”

“المفتاح ده لخزنة.”

أنا سألت:

“فين؟”

قال:

“في بيت قديم… اتقفل من أكتر من عشرين سنة.”

مراتي شهقت.

وقالت:

“بيت جدي.”

ابتسم الراجل لأول مرة.

وقال:

“واضح إنك فاكرة.”

ردت وهي بتمسح دموعها:

“فاكرة السلم الخشب.”

“فاكرة الشجرة.”

“فاكرة صوت أمي.”

“لكن كنت فاكرة إن كل ده حلم.”

قال:

“مش حلم.”

“كل حاجة لسه موجودة.”

ركبنا العربية.

ولا واحد فينا كان بيتكلم.

كل واحد غرقان في أفكاره.

كنت ببص لمراتي.

وأكتشف إن الست اللي حبيتها…

لسه فيها أسرار معرفهاش.

بعد ساعة…

وقفنا قدام بيت قديم مهجور.

البوابة الحديد صدت.

والحديقة مليانة حشائش.

طلع الراجل المفتاح.

فتح الباب بصعوبة.

دخلنا.

ريحة التراب مالية المكان.

كل حاجة مغطية بالتراب…

كأن الزمن وقف هنا.

وصلنا لأوضة صغيرة.

وفي الأرضية…

كان فيه لوح خشب مختلف عن باقي الأرض.

شاله الراجل.

ظهر تحته صندوق حديد.

ركع على ركبته.

دخل المفتاح.

ولما الخزنة اتفتحت…

لقينا ملفات قديمة…

وصور…

وخطابات.

لكن أكتر حاجة لفتت نظرنا…

شريط كاسيت قديم.

كان مكتوب عليه بخط إيد:

“إلى ابنتي… لو سمعتي الرسالة دي… يبقى أنا خلاص مش موجود.”

مراتي حضنت الشريط بإيديها…

وانهارت في البكاء.

أما أنا…

فكنت حاسس إن الحقيقة لسه ما بدأتش.
الجزء الثالث

فضلت مراتي حضنة شريط الكاسيت بإيديها…

وكأنها ماسكة آخر حاجة باقية من أمها.

كانت بتعيط من غير صوت.

وأول مرة أحس إن الدموع دي متخزنة من سنين طويلة.

بصيت للراجل الكبير.

وقلت:

“إحنا نسمعه إزاي؟”

ابتسم بحزن وقال:

“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”

فتح شنطة جلد قديمة كانت معاه.

وطلع منها جهاز كاسيت صغير.

واضح إنه محافظ عليه من سنين.

حط الشريط جواه…

وداس زر التشغيل.

في الأول…

ماطلعش غير صوت تشويش.

وبعدين…

طلع صوت ست.

هادئ…

ومتعب.

لكن فيه حنان غريب.

“لو سمعتي الرسالة دي يا بنتي…

يبقى أنا غالبًا مش موجودة.”

مراتي شهقت.

وقالت وهي بتبكي:

“ده صوت ماما…”

الصوت كمل.

“أنا آسفة…

إني حرمتك من اسمك…

ومن بيتك…

ومن حياتك.”

“بس كان لازم.”

“الناس اللي ق*تلوا أبوكي…

كانوا بيدوروا عليكي.”

أنا بصيت للراجل.

سألته بصوت واطي:

“مين الناس دي؟”

قال:

“اسمع الأول.”

رجعنا ركزنا مع التسجيل.

“أبوكي ماكانش مجرم…

ولا تاجر.

كان محاسب في شركة كبيرة.”

“وفي يوم…

اكتشف إن أصحاب الشركة بيغسلوا ملايين الجنيهات…

وبيهربوا آثار برة البلد.”

“ولما رفض يسكت…

بلغ عنهم.”

“بعد أسبوع…

اختفى.”

الصوت وقف ثانيتين.

وسمعنا شهقة بكاء.

واضح إن أمها كانت بتسجل وهي بتعيط.

وبعدين قالت:

“عرفت بعدها إنهم ق*تلوه.”

مراتي انهارت.

وقعدت على الأرض.

وأنا حضنتها.

ولا عارف أقولها إيه.

الصوت رجع تاني.

“هربت بيكي.

وغيرت اسمك.

ورسمت العلامة على كتفك…

علشان لو جرالي حاجة…

حد من أصحاب أبوكي يعرفك.”

بصينا كلنا للراجل.

قال بهدوء:

“أنا واحد من أصحابه.”

“ووفيت بوعدي.”

التسجيل كمل.

“جوه الصندوق…

هتلاقي ملفات.”

“ولو الملفات دي لسه موجودة…

يبقى حق أبوكي لسه ما رجعش.”

فتحت الملف الأول.

كان مليان مستندات.

وعقود.

وصور.

وأسماء.

كلها تخص شركة واحدة.

لكن الحاجة اللي خلتنا نتجمد…

كانت صورة لرجل واقف وسط مجموعة موظفين.

مراتي مسكت الصورة.

وقالت:

“أنا شفت الراجل ده قبل كده.”

قلت:

“فين؟”

بصتلي وهي مرعوبة.

وقالت:

“في الشركة اللي أنا شغالة فيها.”

حسيت إن قلبي وقف.

قلت:

“إيه؟”

قالت:

“ده رئيس مجلس الإدارة.”

الراجل الكبير خطف الصورة من إيديها.

ولما شافها…

وشه شحب.

وقال:

“مستحيل.”

“ده المفروض مات من عشرين سنة.”

سكتنا كلنا.

قال وهو بيقلب في باقي الصور:

“لأ…

هو ما ماتش.”

“هو غير اسمه.”

“وبنى إمبراطورية جديدة.”

مراتي همست:

“يعني أنا كنت بشتغل عند الراجل اللي قت*ل بابا؟”

محدش رد.

لأن الإجابة كانت واضحة.

قعدنا نفتش في الصندوق.

لقينا فلاشة صغيرة.

وغلاف مكتوب عليه:

“الدليل الأخير.”

قلت:

“نشوف اللي عليها.”

رجعنا البيت بسرعة.

قفلت الباب.

وشغلت اللاب توب.

ركبت الفلاشة.

ظهر فولدر واحد.

اسمه…

“لو حصل لي حاجة.”

فتحته.

كان فيه فيديو.

ضغطت تشغيل.

ظهر راجل في أواخر الأربعينات.

وشه متوتر.

لكن أول ما مراتي شافته…

صرخت بأعلى صوتها.

“بابا!”

أنا بصيتلها مذهول.

قالت وهي بتبكي:

“دي آخر مرة شفته فيها.”

الفيديو بدأ.

“لو حد بيتفرج على التسجيل ده…

يبقى أنا غالبًا مقتول.”

“أنا سجلت كل حاجة.”

“وأسماء كل المشاركين.”

“ولو بنتي لسه عايشة…

أوعي تثقي في أي حد.”

سكت ثانية.

وبعدين قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقنا:

“الخطر الحقيقي…

مش برة البيت.”

“الخطر…

هيكون قريب منك جدًا.”

وقبل ما يكمل…

الفيديو اتقطع فجأة.

والشاشة اسودت.

وفي نفس اللحظة…

سمعنا جرس باب الشقة بيرن.

رنّة طويلة.

وبعدين رنّة تانية.

بصيت من العين السحرية…

واتجمدت مكاني.

لأن الشخص اللي واقف برة…

كان نفس الراجل الموجود في الصورة.
الجزء الرابع

اتجمدت مكاني وأنا باصص من العين السحرية.

نفس الراجل.

نفس الملامح.

رغم إن شعره بقى أبيض شوية.

لكن مفيش شك.

هو.

رجعت خطوتين لورا.

ومراتي أول ما شافت وشي قالت:

“مين؟”

بلعت ريقي.

وقلت:

“الراجل اللي في الصورة.”

حطت إيدها على بؤها.

والراجل الكبير اللي كان معانا قرب من الباب بحذر.

بص هو كمان.

وفجأة همس:

“عرفت… ده اسمه دلوقتي غير زمان.”

“لكن هو نفسه.”

جرس الباب رن تاني.

وبعدين سمعنا صوته.

هادئ جدًا.

“عارف إنكم جوه.”

“ومش جاي أؤذي حد.”

“أنا جاي قبل ما حد تاني يوصلكم.”

أنا ما فتحتش.

قلت بصوت عالي:

“إنت مين؟”

رد بسرعة:

“أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولكم الحقيقة.”

الراجل الكبير زعق من جوه:

“كداب!”

“أنت السبب في كل اللي حصل.”

بره الباب سكت شوية.

وبعدين قال:

“لو كنت السبب…

ماكنتش جيت لوحدي.”

فتحت العين السحرية تاني.

كان واقف فعلًا لوحده.

لا حراسة.

ولا عربية فخمة.

ولا أي حاجة.

مراتي بصتلي وقالت:

“هنعمل إيه؟”

قلت:

“مش هفتح.”

لكن الراجل الكبير مسكني من كتفي.

وقال:

“افتح.”

بصيتله باستغراب.

قال:

“لو كان عايز يق*تلنا…

كان عملها من زمان.”

فتحت الباب سنتيمتر واحد.

الراجل رفع إيديه.

وقال:

“أنا مش معايا س*لاح.”

فتحنا الباب بحذر.

دخل بهدوء.

وأول حاجة عملها…

طلع من جيبه محفظة جلد قديمة.

فتحها.

وطلع صورة.

حطها على الترابيزة.

مراتي مسكتها.

وكانت صورة أبوها…

واقف جنب نفس الراجل.

لكن الاتنين كانوا بيضحكوا.

قالت وهي مذهولة:

“إنت كنت صاحبه؟”

هز راسه.

وقال:

“أكتر من صاحبه.”

“كنا إخوات.”

الراجل الكبير زعق فيه:

“بلاش تمثل.”

رد عليه بهدوء:

“اسألها عن الفيديو.”

بصينا له.

قال:

“الفيديو ناقص.”

قلت:

“يعني إيه ناقص؟”

قال:

“آخر خمس دقايق محذوفين.”

أنا قلت:

“إحنا فتحناه زي ما هو.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

وقال:

“لأن آخر خمس دقايق متشفرة.”

“ولا يفتحها غير كلمة سر.”

مراتي سألت:

“وإنت تعرفها؟”

رد:

“أعرفها.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“بس قبل ما أقولها…

لازم تعرفوا الحقيقة.”

قعد على الكرسي.

وأخد نفس طويل.

وقال:

“أبوكي ما ماتش يوم اختفى.”

مراتي فتحت عينيها بصدمة.

“إيه؟”

“كان عايش.”

“فضل مستخبي أربع سنين.”

“وكان بيجمع أدلة.”

أنا قلت:

“طب مات بعدها إزاي؟”

نزّل راسه.

وقال:

“اتخان.”

“بس مش من العصابة.”

كلنا بصينا لبعض.

قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

“اللي خانه…

كان أقرب واحد ليه.”

مراتي سألت وهي بترتعش:

“مين؟”

قال:

“أخو مراته.”

“خالك.”

سكت البيت كله.

مراتي همست:

“خالي؟”

“خالي اللي رباني؟”

هز راسه.

وقال:

“هو اللي بلغ عن مكان أبوكي.”

“وأخد فلوس.”

مراتي انهارت.

فضلت تردد:

“مستحيل…”

“خالو كان بيحبني.”

رد عليها:

“كان بيحب الفلوس أكتر.”

الراجل الكبير اللي معانا دموعه نزلت.

وقال:

“أنا كنت شاكك…

بس عمرنا ما قدرنا نثبت.”

سألت الراجل:

“طيب إنت ظهرت دلوقتي ليه؟”

فتح المحفظة مرة تانية.

وطلع ظرف أصفر قديم.

كان مقفول بالشمع.

وقال:

“أبوك سابه عندي.”

“وقال…”

“مايتفتحش غير لما بنته تكمل اتناشر سنة جواز.”

أنا بصيت لمراتي.

وقلت:

“اتناشر سنة؟”

قال:

“لأنه كان متأكد إن بعد المدة دي…”

“…اللي كانوا بيطاردوه هيكونوا ماتوا أو اختفوا.”

مراتي فتحت الظرف بإيديها المرتعشة.

كان جواه جواب بخط أبوها.

لكن كان فيه كمان…

مفتاح تاني.

أصغر من الأول.

وعليه رقم واحد بس.

(١)

وفي آخر الجواب…

سطر واحد.

“لو وصلتي للمفتاح الأول…

فده معناه إنك جاهزة تدوري على التاني.”

وبعدين…

عنوان.

عنوان بنك.

ورقم خزنة.

وأول ما قرأت مراتي اسم البنك…

بصت للراجل وقالت:

“ده نفس البنك اللي بشتغل فيه من خمس سنين.”

ابتسم الراجل وقال:

“وده السبب الحقيقي…”

“اللي خلاهم يقبلوكي في الشغل من غير ما تعرفي.”

كلنا اتجمدنا.

لأن المعنى كان واحد…

حد كان بيراقبها…

من أول يوم دخلت البنك.
الجزء الخامس

الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني.

“حد كان بيراقبها.”

بصيت لمراتي.

لقيتها شاحبة.

وكأنها فجأة افتكرت مواقف كانت بتحصل في الشغل ومكنتش بتفهمها.

قالت بصوت واطي:

“دلوقتي فهمت…”

قلت:

“فهمتي إيه؟”

قالت:

“كل سنة…

كانوا ينقلوني من فرع لفرع.”

“كل ما أطلب ترقية…

تترفض.”

“لكن في نفس الوقت…

عمرهم ما وافقوا إني أسيب الشغل.”

الراجل هز راسه.

وقال:

“لأنهم كانوا عايزينك تفضلي قريبة.”

“ولو احتاجوا المفتاح…

يبقى إنت قدامهم.”

أنا قلت باستغراب:

“بس هما ميعرفوش إن المفتاح معاها.”

ابتسم وقال:

“هما مش بيدوروا على المفتاح.”

“هما بيدوروا على الخزنة.”

سألته:

“يعني الخزنة دي فيها إيه؟”

تنهد.

وقال:

“أبوها كان ذكي.”

“ماحطش الأدلة في البيت.”

“ولا عند محامي.”

“حطها في خزنة باسم شركة وهمية.”

“ولو اتفتحت…

ناس كتير هتدخل السجن.”

مراتي قالت:

“يبقى لازم نروح البنك.”

قال بسرعة:

“لأ.”

“دلوقتي لأ.”

“أكيد في حد بيراقب البيت.”

في اللحظة دي…

تليفون مراتي رن.

بصت للشاشة.

وقالت:

“مدير الفرع.”

استغربت.

الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل.

ردت.

سمعته بيقول:

“آسف على الإزعاج.”

“بس لازم تيجي البنك بكرة بدري.”

“في لجنة تفتيش.”

قالت:

“تمام.”

وقفلت.

الراجل ابتسم بسخرية.

وقال:

“مافيش لجنة.”

“هما عرفوا إنك وصلتي للحقيقة.”

أنا قلت:

“عرفوا إزاي؟”

رد:

“لأن البيت ده متراقب.”

قومت بسرعة.

لفيت في الشقة.

وبدأت أبص حواليّا.

وفجأة…

لمحت نقطة سودا صغيرة فوق مكتبة الصالون.

طلعت الكرسي.

وقربت.

كانت كاميرا صغيرة جدًا.

اتجمدت.

نزعتها بإيدي.

ورميتها على الأرض.

كسرتها برجلي.

الراجل قال:

“أكيد دي مش الوحيدة.”

فضلنا نفتش.

لقينا واحدة في الأباجورة.

واحدة في الممر.

واحدة حتى في جهاز الإنذار.

مراتي كانت بتعيط.

وقالت:

“يعني حد كان شايف حياتنا كلها؟”

ماعرفتش أرد.

لأن الحقيقة كانت أصعب من أي كلام.

في الفجر…

قررنا نخرج.

لكن بعربية الراجل الكبير.

وسبنا عربيتي تحت البيت.

مشينا ساعة كاملة.

لحد ما وصلنا بيت قديم في قرية بعيدة.

قال:

“هنا محدش يعرفني.”

دخلنا.

البيت بسيط.

لكن آمن.

وأول ما قعدنا…

فتح اللاب توب.

وقال:

“دلوقتي هنفك تشفير آخر الفيديو.”

كتب كلمة السر.

سألته:

“إيه هي؟”

ابتسم.

وقال:

“اسم مراتك الحقيقي.”

مراتي اتسمرت.

وقالت:

“أنا… نسيته.”

قال:

“اسمك قبل ما أمك تغيره.”

سكتت.

وحاولت تفتكر.

لكن مقدرتش.

الراجل طلع ورقة قديمة.

عليها شهادة ميلاد باهتة.

ناولها لها.

أول ما قرتها…

انهارت.

وقالت:

“أنا… اسمي مريم.”

كتب كلمة:

Mariam1978

الفيديو اشتغل.

رجع أبوها يظهر.

لكن المرة دي…

كان بيبص مباشرة للكاميرا.

وقال:

“لو بتشوفي الجزء ده…

يبقى عرفتي اسمك الحقيقي.”

“وده معناه إنك قربتي جدًا.”

سكت لحظة.

وأخرج مفتاح تالت.

وقال:

“الخزنة اللي في البنك…

مش هي النهاية.”

“دي البداية.”

“لأن اللي جواها…

مش فلوس.”

“ولا دهب.”

“اللي جواها…

خريطة.”

أنا استغربت.

قلت:

“خريطة لإيه؟”

الفيديو جاوب.

“خريطة لمكان الدفاتر الأصلية.”

“دفاتر الحسابات.”

“والأسماء.”

“وكل تحويلات الأموال.”

“واللي يمتلكها…”

“يمتلك الدليل اللي هيسقط إمبراطورية كاملة.”

قبل ما يكمل…

سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.

وبعدين…

صوت باب عربية اتقفل.

بصينا من الشباك.

ولقينا أربع رجالة لابسين أسود…

نازلين بهدوء.

وواحد منهم…

كان ماسك في إيده صورة مراتي.
الفصل الأخير

أول ما شفت الأربع رجالة نازلين من العربية…

عرفت إن الهروب خلص.

الراجل الكبير بص لنا بسرعة وقال:

“اطلعوا من الباب الخلفي.”

لكن قبل ما نتحرك…

سمعنا خبط عنيف على الباب.

“افتحوا… إحنا شرطة!”

الراجل الكبير ضحك بسخرية.

وقال:

“لو كانوا شرطة بجد… كانوا دخلوا بأمر نيابة.”

أخدنا اللاب توب والملفات.

ونزلنا من باب صغير ورا البيت.

كان بيطلع على أرض زراعية.

جرينا.

وأصوات الرجالة بتقرب.

فضلنا نجري وسط الزرع حوالي ربع ساعة.

لحد ما وصلنا للطريق العمومي.

ركبنا عربية أجرة.

وطلعنا على القاهرة.

طول الطريق…

ولا واحد فينا اتكلم.

كل اللي كان في دماغنا…

الخزنة.

—

أول ما فتح البنك تاني يوم…

دخلت مراتي لوحدها.

أما أنا والراجل الكبير…

وقفنا بعيد نراقب.

قدمت البطاقة.

وقالت إنها جاية تفتح خزنة قديمة.

الموظف بص على الرقم.

وفجأة وشه اتغير.

قام من مكانه.

ودخل مكتب المدير.

بعد خمس دقايق…

رجع ومعاه المدير بنفسه.

ابتسم وقال:

“اتفضلي.”

نزلوا بيها للدور السفلي.

أنا كنت قلقان.

لكن بعد عشر دقايق…

طلعت.

وفي إيديها صندوق حديد صغير.

خرجنا بسرعة.

وركبنا العربية.

فتحنا الصندوق.

لقينا جوه:

دفاتر حسابات.

فلاشات.

صور.

وعقد بيع قديم.

وفي ظرف أبيض.

مكتوب عليه:

“إلى ابنتي.”

فتحته.

كان جواب من أبوها.

“لو وصلتي لهنا…

يبقى أنا نجحت.”

“أنا عارف إنك هتسألي ليه سيبتك.”

“والإجابة الوحيدة…

إني كنت بحاول أخليكي تعيشي.”

“أنا ماقدرتش أنقذ نفسي…

لكن كنت مستعد أضحي بكل حاجة علشان أنقذك.”

مراتي حضنت الجواب…

وفضلت تعيط.

—

روحنا لمحامي كبير كان أبوها كاتب اسمه في الجواب.

أول ما شاف المستندات…

قال:

“دي كفاية تفتح أكبر قضية فساد في تاريخ الشركة.”

في نفس اليوم…

سلمنا كل الأدلة للنيابة.

وبدأت التحقيقات.

بعد أسابيع…

اتقبض على رئيس مجلس الإدارة.

واتقبض على أكتر من مسؤول.

واتكشف إن الشركة كانت بتزور حسابات وتخفي ملايين الجنيهات من سنين.

أما خال مراتي…

فواجهوه بالمستندات.

في الأول أنكر.

لكن لما شاف التسجيلات…

اعترف.

اعترف إنه قبض فلوس مقابل إنه يبلغ عن مكان أبوها.

واعترف إنه عاش طول عمره بيصرف من تمن خيانته.

مراتي خرجت من قاعة المحكمة…

وهي ساكتة.

قلت لها:

“حاسسة بإيه؟”

قالت:

“ولا انتصار.”

“ولا فرحة.”

“أنا بس زعلانة إن الحقيقة اتأخرت كل السنين دي.”

—

بعد شهور…

قررنا نزور قبر أمها.

وقفت قدامه.

وحطت السلسلة الفضية فوق الرخام.

وقالت:

“أنا عرفت الحقيقة يا أمي.”

“ووفيت بوعدك.”

وأول مرة…

شفتها ترفع كم البلوزة بإرادتها.

الوشم اللي كانت بتخبيه طول عمرها…

ما بقاش بالنسبة لها سر.

بقى ذكرى.

وآخر خيط كان رابطها بالماضي.

ابتسمت وهي تبصلي.

وقالت:

“فاكر أول مرة سألتني عن الوشم؟”

ضحكت.

وقلت:

“فاكر.”

قالت:

“وقتها كنت خايفة تعرف الحقيقة.”

“دلوقتي…

مبقاش عندي حاجة أخبيها.”

مسكت إيدها.

ومشينا سوا.

وأنا أدركت إن السر اللي خبأته عني اتناشر سنة…

ماكانش بسبب عدم ثقة.

كان بسبب خوف عاش معاها من طفولتها.

ولما اختفى الخوف…

بدأت حياتنا لأول مرة…

من غير أسرار.

تمت.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *