عشاء الكرامه!2 اسما السيد
رجعنا البيت ليلتها وإحنا ساكتين تقريبًا طول الطريق. القاهرة الجديدة كانت لسه صاحيه… كافيهات مليانة ناس… عربيات فخمة ماشية بسرعة… وضحك خارج من أماكن كتير، لكن جوا عربيتي القديمة كان فيه صمت تقيل كأنه حجر فوق صدورنا. نادية كانت ساندة راسها على الإزاز وعينيها مقفولة، لكني كنت عارف إنها مش نايمة. الست اللي استحملت العمر كله كانت مرهقة أكتر من إنها حتى تبكي. أما أنا فكنت ماسك الدركسيون بإيد متشنجة، وكل شوية أبص للمراية أشوف نور عربية كريم اللي كان ماشي ورانا. من يوم ما اتجوز ونقل يعيش في التجمع وأنا نادر لما شفته ماشي ورانا. عمره ما رجع البيت القديم إلا في المناسبات أو لما يحتاج ورقة أو مصلحة. لكن الليلة دي كان سايق ورانا ببطء، كأنه خايف نختفي منه لو غمض عينه لحظة. أول ما وقفنا تحت البيت، نزل بسرعة قبل حتى ما أطفي العربية. جري ناحية أمّه وفتح لها الباب بإيده. نادية بصتله باستغراب كأنها مش مصدقة إن ابنها اللي كان من ساعة بيحسب عليها تمن الأكل هو نفسه اللي دلوقتي بيسندها بإيده. قالها بصوت مبحوح: “حاسبي يا ماما.” الكلمة البسيطة دي خلت عينيها تلمع. ساعدها تطلع السلم، وأنا كنت طالع وراهم ببطء لأن رجلي كانت واجعاني من الوقفة، لكني لأول مرة من سنين شفت كريم بيبص حوالينا فعلًا. بيشوف الحيطان القديمة… السلم اللي النور فيه بايظ… ريحة الرطوبة اللي طالعة من الشقة اللي جنبنا… وكل حاجة كان بيتجاهلها وهو بيعيش حياته الجديدة. لما دخل الشقة وقف مصدوم. الشقة كانت أضيق وأفقر مما هو فاكر. يمكن لأنه آخر مرة شافها كان لسه طالب جامعة، قبل ما الشقا والمرض ياكلوا كل حاجة فيها. الكنبة اللي اشتريناها يوم خطوبتنا بقت مهترية، والحيطة اللي جنب المطبخ فيها شروخ طويلة، وحتى التلاجة القديمة كان صوتها عالي كأنها بتحتضر. نادية دخلت أوضتها بسرعة علشان تخبي تعبها، وأنا دخلت أجيب لها الدوا. وقتها حسيت بكريم واقف ورايا. قال بصوت واطي: “بابا…” لكني ما رديتش. فضلت أطلع شريط الدوا اللي باقي فيه حبايتين بس. وقف يبص عليهم شوية وبعدين سأل: “هو… ماما بقالها قد إيه كده؟” ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة. “من وقت ما كنت مشغول بحياتك.” سكت. ولأول مرة ما لقى رد. بعد شوية دخلت ريهام الشقة بخطوات مترددة. واضح إنها عمرها ما دخلت مكان زي ده قبل كده. كانت واقفة ماسكة شنطتها الغالية كأنها خايفة التراب يمسك فيها. بصت حوالينها بارتباك وبعدين قالت بصوت خافت: “هو… إنتوا عايشين هنا لوحدكوا؟” بصيتلها وقلت: “آه. البيت اللي ابنكوا كان بيستخبى فيه ورا أمّه لما يخاف من الرعد.” وشها احمرّ وسكتت. كريم دخل أوضة نادية بعدها بدقايق. سمعته بيقولها: “ليه ما قولتيليش إنك تعبانة كده؟” ونادية، زي عادتها، ردت بهدوء: “وإنت كنت فاضي تسمع يا حبيبي؟” الجملة دي قتلتني أكتر من أي خناقة. لأن نادية عمرها ما كانت بتلوم. حتى عتابها كان مليان حنان. بعد نص ساعة خرج كريم من الأوضة وعينه حمرا. قرب مني وأنا واقف في البلكونة الصغيرة اللي كنا بننشر فيها هدومنا من سنين. قال: “العملية هتتكلف كام؟” قلت بدون ما أبصله: “خلاص… الشقة اتباعت.” سكت شوية وبعدين قال: “والفلوس تكفي؟” قلت: “تكفي العملية والعلاج كام شهر… بعد كده ربنا يحلها.” فضل واقف ساكت، وبعدها فجأة طلع مفاتيح عربيته وحطها قدامي على الترابيزة الصغيرة. بصيتله باستغراب. قال: “بيعها.” التفتله بحدة. “إيه؟” قال وهو بيبلع ريقه: “بيع العربية.” ضحكت بسخرية. “والهانم مراتك هتوافق؟” وقتها ريهام طلعت من الأوضة. سمعت آخر جملة وبصت للمفاتيح. للحظة افتكرت إنها هتتخانق أو تعترض، لكن اللي حصل صدمني. قربت بهدوء وشالت خاتم دهب من صباعها وحطته جنب المفاتيح. وقالت بصوت مكسور: “وده كمان.” أنا وكريم بصينا لها بدهشة. قالت وهي بتحاول تمنع دموعها: “أنا اتربيت غلط… كنت فاكرة إن الفلوس أهم حاجة… وإن كل واحد مسؤول عن نفسه… لكن لما شوفت طنط نادية الليلة فهمت إن الإنسان ممكن يبقى فقير جدًا… وبرضه عنده كرامة أكتر من ناس معاها ملايين.” نادية كانت واقفة عند باب الأوضة وسمعتها. ابتسمت رغم تعبها وقالت: “تعالي يا بنتي.” ريهام راحت حضنتها وفضلت تعيط زي الأطفال. وقتها حسيت إن البيت القديم لأول مرة من سنين فيه روح. اليوم اللي بعده صحيت على صوت حركة غريبة في المطبخ. خرجت لقيت كريم واقف بيعمل شاي. منظر ابني في مطبخي بعد كل السنين دي كان غريب لدرجة إني افتكرت إني بحلم. قال من غير ما يبصلي: “فاكر لما كنت بتصحيني الفجر أيام الثانوية علشان الدروس؟” سكت شوية وكمل: “أنا كنت بكرهك وقتها.” ابتسمت غصب عني. “وأنا كنت بكره نفسي وأنا بصحيك.” ضحك لأول مرة من قلبه، لكن الضحكة كانت مكسورة. قعدنا نشرب الشاي في صمت. بعدها قال فجأة: “أنا كنت فاكر إن النجاح يعني أبعد عن كل ده… عن الفقر… عن التعب… عن ريحة المستشفيات.” بصيتله وسكت. قال: “بس واضح إني وأنا بهرب… نسيتكوا.” ماعرفتش أرد. لأن الحقيقة ساعات بتكون أوضح من أي كلام. بعدها بأيام بدأ كريم ييجي كل يوم تقريبًا. مرة يجيب دوا، مرة ياخد أمّه للدكتور، مرة يصلح حاجة بايظة في البيت. وفي كل مرة كنت بشوف الذنب في عينه. الذنب بيغير الناس. يخلي الراجل يشوف نفسه في المراية لأول مرة. لكن أكتر حاجة وجعتني كانت لما سمعته بالصدفة بيتكلم مع صاحبه في التليفون. صاحبه كان بيهزر معاه وبيقوله: “إيه يا عم هو إنت هتعيش دور الابن البار دلوقتي؟” ساعتها كريم سكت ثواني وبعدين قال جملة عمري ما هنساها: “أبويا باع بيته علشان أمي تعيش… وأنا كنت بتخانق معاها على حساب عشا.” بعد المكالمة دي دخل البلكونة وقعد لوحده. كان باين عليه إنه مخنوق. قربت منه وسألته: “مالك؟” قال وهو باصص للشارع: “هو إنت بتسامحني يا بابا؟” السؤال خبطني في قلبي. لأن الحقيقة إني كنت بحاول. بس الجرح لسه طازة. قلت بعد تفكير طويل: “أنا عمري ما زعلت منك علشان الفلوس يا كريم.” بصلي. كملت: “أنا زعلت لأنك نسيت أمك.” وقتها دموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها. وبعدها بأسبوع دخلت نادية المستشفى علشان العملية. وأنا قاعد قدام أوضة العمليات حسيت إني هرجع شاب عشرين سنة من الخوف. نفس الرعشة… نفس الدعاء… نفس الإحساس بالعجز. لكن الفرق المرة دي إن كريم كان قاعد جنبي. ماسك إيدي بإيده. ولأول مرة من سنين حسيت إنه ابني فعلًا. ساعات الانتظار كانت قاتلة. ريهام جابت لنا أكل، لكن محدش قدر ياكل. كل شوية كريم يقوم يسأل الدكتور، وكل شوية يرجع بوش أبيض أكتر. وبعد أربع ساعات كاملة خرج الدكتور أخيرًا. قال إن العملية نجحت، لكن نادية لازم ترتاح جدًا الفترة الجاية. ساعتها كريم حضني فجأة. حضن قوي… حضن طفل مرعوب كان خايف يخسر أمّه. وأنا حضنته. يمكن علشان كنت محتاج الحضن ده أنا كمان. لما نادية فاقت من البنج أول حاجة سألت عليها كانت: “كريم فين؟” قرب منها فورًا ومسك إيدها. قالت وهي مبتسمة بتعب: “كبرت يا حبيبي.” وقتها بكى تاني. أما أنا فوقفت أبصلهم وأفتكر كل اللي فات. سنين التعب… والشغل… والخوف… والمشاوير… والوجع… وأفكر إن الأسرة أوقات بتضيع مش بسبب الكره، لكن بسبب الغفلة. الإنسان ممكن ينشغل لدرجة ينسى الناس اللي كانوا سبب وقوفه أصلًا. وبعد شهرين تقريبًا، كنا قاعدين كلنا في نفس الشقة القديمة لما كريم قال فجأة: “أنا اشتريت شقة جديدة.” بصيتله وسكت. ابتسم وكمل: “قريبة من شغلي… وفيها أوضة كبيرة لماما.” نادية قالت بسرعة: “لا يا حبيبي إحنا مش عايزين نتقل عليكم.” لكنه قاطعها فورًا: “إنتوا مش حمل يا أمي… إنتوا البيت.” وساعتها بس… حسيت إن ابني رجع. مش الطفل الصغير اللي كنت شايله زمان… لكن الإنسان اللي كنت مستنيه يبقى راجل طول عمره.
تمت
