حبيبتي القديمه حكـايـات أسمـا السيد ×1
شاف حبيبته القديمة بتعيط جوه صيدلية… ولما بنتها المريضة همست: “ماما… حقك عليا امتى ابطل اعيا”، حياته كلها اتقلبت في ثانية.
صوت البنت كان واطي جدًا…لدرجة إن محدش في الصيدلية سمعها وسط صوت أجهزة الكاشير…ولا رنة التليفونات…ولا المطر اللي كان بيخبط في إزاز الصيدلية.
لكن طارق الحربي سمعه…”ماما… متعيطيش.”
همست الطفلة وهي ماسكة طرف جاكيت أمها…”أنا ممكن أبطل أعيى… بجد.”اتجمد طارق مكانه عند باب الصيدلية.
كان لسه داخل من المطر…والموبايل بيرن في إيده.
سكرتير شركته بيتصل بيه للمرة التالتة…لكن لأول مرة…
ما ردش…هو أصلًا ماكانش داخل يشتري دوا.
كان مستني المطر يخف بس…لكن القدر كان مخبي له حاجة تانية..رفع عينه…وشافها…نغم…طليقته وحبيبته الوحيدة…
والست الوحيدة اللي عمره ما قدر ينساها…كانت واقفة قدام الصيدلي…لابسة عبايه سودا قديمه…
وشعرها باين من الطرحه العشوائية اللي لفاها بسرعة…وفي إيدها روشتة متكرمشة، ضاماها على صدرها كأنها آخر أمل عندها…عرفها من أول نظرة.
وعرف كمان إنها بتحاول تبان قوية…رغم إنها من جوا منهارة…عدت ست سنين…من يوم ما خرجت من حياته…وسابت مفاتيح الفيلا فوق الترابيزة…ومضت أوراق الطلاق…ومشيت من غير ما تطلب جنيه واحد.
لا نفقة…ولا بيت…ولا حتى تفسير.
وقتها أقنع نفسه إنها هي اللي اختارت تمشي…وأقنع نفسه إنه بيحترم قرارها…وأقنع نفسه بحاجات كتير…
لأنها كانت أسهل من الاعتراف إنه كان جبان…سمع نغم بتقول للصيدلي بصوت مكسور:”ممكن أدفع نص المبلغ النهارده…والباقي آخر الأسبوع…بس اديني المضاد الحيوي الليلة.”الصيدلي هز راسه بأسف.
وقال:”آسف يا مدام…التأمين رفض يغطي العلاج.
وسعر الدوا أربعة آلاف وثمانمية وستين جنيه.”
نغم ماعيطتش…لكن طارق شاف كل حاجة.
شاف إيديها وهي بتترعش…وشاف شفايفها وهي بتضغط عليهم عشان متنهارش..ظوشافها بتحاول تخبي وجعها قدام بنتها…كانت الطفلة واقفة جنبها…
لابسة حذاء وردي عليه بطة صفرا…شكلها عندها حوالي خمس او ست سنين…بشرتها شاحبة.وشعرها أسود ناعم.
ولما رفعت وشها…وقف قلبه…كانت عيونها…
رمادية..دنفس لون عيون والدته بالظبط… هي خليط عجيب من امها وامه ووو…شدت كم أمها وقالت:
“ماما…مش لازم نجيب الدوا…أنا هبقى كويسة.”
نزلت نغم بسرعة لمستواها…وحاولت تبتسم.
“متخافيش يا حبيبتي.”هزت البنت راسها وقالت ببراءة:
“انا كويسه يا ماما.”في اللحظة دي…
حس طارق إن حاجة اتكسرت جواه…مشى ناحيتهم من غير ما يفكر…وقال للصيدلي:”حاسبني على كل الأدوية.”
لفت نغم بسرعة…ولما شافته…اتجمدت…مرت ثواني…
محدش فيهم نطق…ولا صوت في الصيدلية كان مسموع.
غير أنفاسهم..ظقالت بهدوء:”طارق…”
اسمه خرج منها…شايل وجع سنين.
بص للبنت الصغيرة.وسأل بصوت مخنوق:”اسمها إيه؟”
نغم همست بسرعة وهي بتسحب ايد بنتها..وقالت: ” مش عاوزين يا دكتور العلاج ..احنا ماشيين… رجع فلوس البشمهندس” لكن طارق وقف قدامها…وحط بطاقته البنكية على الكاونتر…وقال للصيدلي: “هات كل اللي في الروشتة…وأي دوا هيحتاجوه.”
همست نغم بغضب:” قلت لا .”من غير ما يبصلها…
قال وهو مركز عينه على الطفلة:”مش علشانك.”
سكتت.أما البنت…
ميل عليها ومسك ايدها وقال =اسمك ايه؟
فابتسمت الطفله ابتسامة صغيرة وقالت:”اسمي زينه.”
ابتسم رغم الوجع.”اسم جميل.”قالت بفخر: “ماما بتقول كده بردو.”رد وهو صوته بيتهز:”وهي عندها حق.”
اما نغم مكنش قدامها اختيار أخدت كيس الأدوية…ولفت ومشيت تحت المطر… مع بنتها ..من غير حتى كلمة شكر.
كانت فاكره الموضوع خلص علي كده لكن طارق مشي وراها من بعيد…وصلوا بعد شارعين…لعمارة قديمة فوق مغسلة.كانت نغم حامية زينه بجسمها من المطر…
رغم إن هي نفسها كانت غرقانه…ناداها:”نغم…”
وقفت…من غير ما تبصله..قال برجاء:”لو سمحت…”
لفت ناحيته ببطء.وقال وهو باصص للبنت:”عندها كام سنة؟”شدت نغم على فكها.وقالت: وانت مالك؟
كرر السؤال بهدوء:”كام سنة يا نغم ؟”
ردت بعد صمت طويل….
حس إن الدنيا بتلف بيه…وقال بصوت واطي:”دي بنتي…”
نظرت إليه نغم والدموع التي حبستها طويلًا بدأت تتماسك في عينيها لتتحول إلى نظرة تحدٍ وجرح قديم، أحكمت قبضتها على يد زينة وقالت بصوت يرتجف لكنه حاد كالشفرة: “بنتك؟ دلوقتي افتكرت إن عندك بنت؟ زينة عندها خمس سنين وثمان شهور يا طارق… احسبها أنت بقى، وشوف يوم ما سبتني ويوم ما وافقت على الطلاق من غير ما تسمعني كان بقالها كام شهر في بطني!”
وقع الكلمات عليه كان كالصاعقة، تراجع طارق خطوة للوراء، والمطر يغسل وجهه المصدوم. تذكر ذلك اليوم المشؤوم، تذكر كيف عمي غيابه وكبرياؤه عن رؤية التفاصيل، وكيف تركها تمشي وهي تحمل في أحشائها قطعة منه ومن لحمه، دون أن تنطق بكلمة عتاب واحدة لتصون كرامتها التي جرحها بشكه وجبنه.
وقبل أن ينطق بكلمة، سحبت نغم ابنتها ودخلت إلى بوابة العمارة المظلمة، صاعدة السلالم بسرعة وهي تبكي بصمت، بينما وقفت زينة لثوانٍ وتطلعت خلفها نحو ذلك الرجل الذي أنقذها من المرض ووصف اسم الصغير بالجميل، لوحت له بيدها الصغيرة الباردة قبل أن تختفي وراء الباب الخشبي القديم.
ظل طارق واقفًا في الشارع، المطر ينهمر عليه بغزارة، والشركة، والمواعيد، والملايين التي يركض خلفها تبخرت كلها من عقله. لم يكن لديه سوى حقيقة واحدة تزلزل كيانه: “أنا أب.. وزينة ابنتي.”
لم يتحرك من مكانه، بل صعد خلفهما ببطء هائم، يتتبع صوت السعال الخفيف الذي يصدر من الطابق الثاني. وقف أمام باب الشقة المتواضع، واستمع إلى صوت نغم بالداخل وهي تحاول تهدئة الصغيرة وتعد لها كوبًا من الأعشاب الدافئة لتأخذ الدواء.
جلس طارق على درجات السلم المظلمة، وضع رأسه بين كفيه وبكى لأول مرة منذ ست سنوات. بكى رجولته التي تخلت عن حبه، وبكى طفلته التي كانت تموت مرضًا بينما هو يملك من المال ما يشتري به المشافي، وبكى تلك العيون الرمادية التي ورثتها زينة عن أمه الراحلة، وكأن القدر يرسل له إشارة عتاب سماوية.
مرت ساعتان، وهدأ المطر تمامًا، وحل سكون الليل.
انفتح باب الشقة ببطء، وكانت نغم تخرج وبيدها كيس قمامة صغير لتلقيه، لتتفاجأ به يجلس على السلم، بجاكيته المبتل وعيونه الحمراء النادمة.
تسمرت مكانها، وحاولت إغلاق الباب سريعًا، لكنه نهض برمشة عين ووضع يده يمنع الباب، وقال بنبرة مكسورة تمامًا، نبرة لم تعهدها في طارق الحربي الرجل القوي المتكبر: “متدخليش يا نغم.. أرجوكي، لو لسه في قلبك ذرة رحمة، اسمعيني.. أنا مش همشي من هنا، ومش هسيب بنتي، ولا هسيبك.”
نظرت إليه بعيون ملأها الخذلان وقالت: “زينة مش بنتك يا طارق.. زينة بنتي أنا.. أنا اللي سهرت، وأنا اللي جعت، وأنا اللي عشت الرعب في عيونها وهي بتموت من السخونية ومفيش في جيبي تمن الكشف. أنت كنت فين؟ كنت بتكبر شركتك؟ اخرج من حياتنا زي ما خرجت زمان.. إحنا مش عاوزين منك حاجة.”
طارق بنحيب مكتوم: “كنت غبي.. كنت أعمى وجبان.. العقاب اللي أنتِ عاوزاه أنا مستعد ليه، اطلبي روحي وهديهالك، بس متبعديش عني زينة.. ومتحرمينيش من نظرة عينيها.”
في تلك اللحظة، جاء صوت طفولي باهت من الداخل، صوت زينة وهي تنادي بصعوبة وسط سعالها: “ماما… أنا سقعانة أوي… والبيت ضلمة.”
التفتت نغم بلهفة نحو الداخل، وقبل أن تتحرك، كان طارق قد دفع الباب بخفة ودخل خلفها، ليرى الغرفة الصغيرة الباردة التي تخلو من أي وسائل تدفئة، ويرى ابنته تتألم فوق فراش متهالك. تلاقت عيناه بعيني زينة الرمادية، وفي تلك اللحظة، اتخذ طارق قرارًا لن يتراجع عنه لو كلفه الأمر حياته كلها.
