علي الطريق حكـايـات أسمـا ×3
مرّت سنة كاملة على الحادثة.
سنة بدت أحيانًا طويلة جدًا.
وأحيانًا أخرى كأنها حدثت بالأمس.
كانت مريم قد كبرت قليلًا.
أصبحت أكثر هدوءًا.
وأقوى.
لكن بعض الأشياء لم تتغير.
فما زالت ترفض الذهاب إلى أي رحلة دون أن تتأكد عشر مرات أنني سأكون معها.
وما زالت تحتفظ بالحقيبة البنفسجية نفسها داخل خزانتها.
الحقيبة التي كانت تحتضنها وهي واقفة وحدها على الطريق.
في إحدى المرات سألتها:
“ليه محتفظة بيها؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“عشان فاكراني إني نجحت.”
لم أفهم.
فسألتها:
“نجحت في إيه؟”
قالت:
“إني استنيتك.”
ضحكت رغم الدموع التي امتلأت بها عيناي.
كانت ترى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.
كأنها خاضت معركة صغيرة وخرجت منها منتصرة.
لكنني كنت أعرف الحقيقة.
طفلة في عمرها لم يكن يجب أن تخوض تلك المعركة أصلًا.
في تلك الفترة لم تكن علاقتي بوالديّ موجودة تقريبًا.
مرت شهور دون مكالمات.
ودون زيارات.
ودون أي محاولة حقيقية للاعتذار.
أحيانًا كان أبي يرسل رسالة قصيرة في المناسبات.
وأحيانًا كانت أمي ترسل صورًا قديمة وكأنها تريد التظاهر بأن الماضي أجمل مما كان.
لكن شيئًا لم يتغير.
لأن المشكلة لم تكن في الحادثة وحدها.
بل في إنكارها.
وفي كل مرة كنت أقرأ رسالة منهما كنت أتذكر شيئًا واحدًا.
أنهما لم يسألا مريم مرة واحدة كيف شعرت وهي واقفة وحدها.
ولا مرة.
وفي أحد أيام الشتاء جاءني اتصال من رقم أبي.
ترددت كثيرًا قبل الرد.
لكنني أجبت في النهاية.
جاءني صوته أضعف مما اعتدت.
“إزيك يا سارة؟”
“الحمد لله.”
ساد صمت قصير.
ثم قال:
“أنا في المستشفى.”
تجمدت يدي.
ورغم كل شيء شعرت بالقلق.
سألته:
“خير؟”
قال:
“جلطة بسيطة. والدكاترة مطمنين.”
أغمضت عيني.
كان أول شعور عندي هو الارتياح لأنه بخير.
ثم شعور آخر معقد لم أستطع تفسيره.
الخذلان لا يختفي بسهولة.
حتى عندما نحب الأشخاص الذين سببوه.
ذهبت إلى المستشفى في اليوم التالي.
وعندما دخلت الغرفة وجدته يبدو أكبر بعشر سنوات.
وجهه شاحب.
وشعره الأبيض أكثر وضوحًا.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
“كبرتي.”
كدت أضحك.
أنا في منتصف الثلاثينات.
لكن الآباء يظنون دائمًا أن أبناءهم ما زالوا أطفالًا.
جلست بصمت.
وبعد دقائق قال:
“مريم عاملة إيه؟”
أجبته:
“كويسة.”
هز رأسه.
ثم عاد الصمت من جديد.
كان هناك شيء يريد قوله.
وكنت أشعر بذلك.
لكن الكلمات كانت ثقيلة عليه.
وأخيرًا تنهد.
وقال:
“هي لسه زعلانة؟”
نظرت إليه.
ثم قلت:
“هي كانت طفلة يا بابا.”
خفض عينيه.
ولم يرد.
للمرة الأولى منذ الحادثة رأيته عاجزًا عن الدفاع عن نفسه.
أو عن أمي.
أو عن أي شيء.
فقط رجل عجوز يجلس على سرير مستشفى.
ويبدو عليه التعب.
بعد أسبوع خرج أبي من المستشفى.
وبدأت أمي تتصل أكثر.
لكن هذه المرة كان صوتها مختلفًا.
أقل حدة.
وأقل ثقة.
كأن الزمن بدأ يريها أشياء لم تكن تراها من قبل.
وفي أحد الأيام طلبت أن تقابلني.
وافقت.
ليس من أجلها.
بل من أجل نفسي.
كنت أحتاج أن أعرف إن كان هناك شيء تغير فعلًا.
جلسنا في مقهى هادئ.
لعدة دقائق تحدثنا عن أمور عادية.
الطقس.
العمل.
الصحة.
ثم فجأة قالت:
“أنا بشوف مريم في أحلامي.”
رفعت رأسي.
أكملت وهي تنظر إلى فنجان القهوة:
“كل مرة بشوفها واقفة لوحدها.”
صمتُّ.
وقالت بصوت خافت:
“وبتصحى مرعوبة.”
لأول مرة منذ سنة كاملة رأيت الدموع في عينيها.
ولأول مرة لم تكن غاضبة.
ولا تدافع عن نفسها.
ولا تلوم أحدًا.
فقط حزينة.
سألتها بهدوء:
“ليه دلوقتي؟”
مسحت دمعة سقطت على خدها.
وقالت:
“عشان بقيت أتخيل لو كانت إنتِ مكانها.”
ابتلعت ريقي بصعوبة.
وأكملت هي:
“ولو حد عمل فيكي كده وأنا مش موجودة.”
ثم أضافت:
“أنا غلطت.”
ساد الصمت.
طويلًا جدًا.
كانت هذه الجملة التي انتظرتها سنة كاملة.
جملة بسيطة.
لكنها جاءت متأخرة جدًا.
قلت:
“أيوه. غلطتي.”
هزت رأسها.
ولم تحاول التبرير.
لم تتحول الأمور فجأة إلى قصة سعيدة.
الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
الاعتذار لا يمحو الخوف.
ولا يمحو الذكريات.
ولا يعيد الثقة المكسورة فورًا.
لكن كان هناك فرق.
لأول مرة تحملت مسؤولية ما فعلته.
ولأول مرة توقفت عن الهروب.
بعد أشهر قليلة طلبت أمي أن ترى مريم.
رفضت مريم في البداية.
ثم وافقت على مضض.
جلس اللقاء الأول في بيتنا.
بحضوري.
لمدة ساعة فقط.
كانت مريم متوترة.
وأمي أكثر توترًا منها.
وعندما حان وقت المغادرة حدث شيء لم أتوقعه.
اقتربت أمي من مريم.
وجلست أمامها.
ثم قالت:
“أنا آسفة.”
نظرت مريم إليها بصمت.
وأكملت أمي:
“ما كانش المفروض أسيبك.”
ظل الصمت قائمًا.
ثوانٍ طويلة.
ثم سألت مريم:
“ليه عملتي كده؟”
ارتجفت شفتا أمي.
ولم تجد جوابًا جيدًا.
فقالت الحقيقة الوحيدة الممكنة:
“عشان كنت أنانية.”
كانت تلك أول مرة أسمعها تعترف بشيء كهذا.
أما مريم فظلت تنظر إليها.
ثم قالت:
“أنا كنت فاكرة إنك مش بتحبيني.”
وانهارت أمي باكية.
بكاءً حقيقيًا هذه المرة.
بلا أعذار.
ولا تبريرات.
ولا غضب.
فقط ندم.
في تلك الليلة وبعد أن نامت مريم جلست وحدي في الشرفة.
أنظر إلى السماء.
وأفكر في كل ما حدث.
اكتشفت أن أصعب شيء في الحياة ليس أن يؤذيك شخص تحبه.
بل أن تقرر ماذا تفعل بعد أن يندم.
أحيانًا يكون الغفران مستحيلًا.
وأحيانًا يكون ممكنًا.
لكن ليس بالطريقة التي يتوقعها الناس.
فالغفران لا يعني النسيان.
ولا يعني أن الأمور تعود كما كانت.
بل يعني أنك تتوقف عن حمل النار بين يديك كل يوم.
حتى لا تحرقك أنت أيضًا.
رفعت رأسي نحو نافذة غرفة مريم.
كانت مضاءة بمصباحها الصغير المفضل.
فابتسمت.
لأن الحقيقة الوحيدة التي كنت متأكدة منها بعد كل ما حدث هي شيء واحد.
في ذلك اليوم على الطريق…
لم أنقذ ابنتي فقط.
بل أوقفت سلسلة طويلة من الأذى كانت تنتقل من جيل إلى جيل.
وانتهت عندها.
عند الطفلة التي انتظرت أمها.
وعند الأم التي قررت أن تعود.
