وجع بسيط حكايات اسما ×6
تجمد الجميع وهم ينظرون إلى العداد الأحمر.
09:54
09:53
09:52
كل ثانية كانت تسقط كالمطرقة فوق رؤوسهم.
أما محمود الجبالي فبدا هادئًا بصورة مرعبة.
وقف أمام الأطفال.
ووضع يديه خلف ظهره.
ثم قال بصوت مرتفع:
“كنت عارف إنكم هتيجوا.”
في الخارج قبض سامي على سلا..حه بقوة.
بينما همست سلمى:
“مريم…”
كانت ترى ابنتها من خلف الزجاج.
تبكي.
لكنها ما زالت حية.
وهذا وحده منحها القوة للاستمرار.
—
قال الرائد كريم بسرعة:
“لازم نقتحم.”
لكن خبير المتفجرات الذي كان معهم هز رأسه.
“مش قبل ما نعرف النظام مربوط بإيه.”
نظر الجميع إلى العداد.
08:47
08:46
08:45
والوقت ينفد.
—
في الداخل…
اقترب محمود من مريم.
ثم فك القيد عن إحدى يديها.
وقال لها:
“خايفة؟”
لم ترد.
كانت ترتجف فقط.
فابتسم.
“كويس.”
ثم التفت نحو النافذة.
وكأنه يرى من خلفها مباشرة.
وقال:
“الخوف بيكشف حقيقة الناس.”
—
في الخارج.
اقترب طارق من الرائد.
وقال:
“أنا أعرفه.”
“وإيه يعني؟”
“يعني محمود عمره ما يعمل حاجة مباشرة.”
قطب الرائد حاجبيه.
“مش فاهم.”
أجاب طارق:
“العداد ده غالبًا خدعة.”
سأله سامي بغضب:
“وخدعة ليه؟”
نظر طارق نحو المستودع.
ثم قال:
“عشان يشغلنا عن حاجة تانية.”
—
في اللحظة نفسها.
وصل اتصال عاجل إلى جهاز أحد الضباط.
فتح الخط.
ثم شحب وجهه.
“الرائد…”
“إيه؟”
“في بلاغ جديد.”
“دلوقتي؟”
“مبنى الأدلة الجنائية في القاهرة اتحرق.”
ساد الصمت.
ثم فهم الجميع.
العداد.
المستودع.
الأطفال.
كل ذلك كان مجرد جزء من الخطة.
أما الهدف الحقيقي…
فكان تدمير الأدلة.
—
لكن محمود لم يكن يعلم شيئًا.
لأن قبل ساعات قليلة فقط…
كان الرائد كريم قد نقل نسخة كاملة من الملفات إلى مكان آخر.
مكان لا يعرفه أحد.
حتى طارق نفسه.
ابتسم الرائد لأول مرة.
وقال:
“متأخر يا محمود.”
—
في الداخل.
نظر محمود إلى ساعته.
ثم إلى الباب.
واختفت ابتسامته.
لأن شيئًا لم يسر كما توقع.
رفع هاتفه.
واتصل بأحد رجاله.
لكن لا رد.
اتصل بآخر.
لا رد.
ثم ثالث.
لا رد.
لأول مرة…
ظهر القلق في عينيه.
—
في الخارج.
أعطى الرائد الإشارة.
وانطلقت القوة.
تحطمت الأبواب.
وتردد صدى الصراخ داخل المستودع.
قفز الرجال إلى الداخل.
وانتشرت القوات في كل اتجاه.
أما سامي…
فلم ير شيئًا سوى مريم.
ركض نحوها بكل قوته.
وفي اللحظة نفسها…
أمسك محمود بفتاة صغيرة كانت بجواره.
ووضع سل..احًا في رأسها.
“مكانكم!”
توقف الجميع.
حتى سامي.
حتى الرائد.
حتى طارق.
كان المشهد متجمداً.
ثانية واحدة.
ثقيلة.
قاتلة.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
مريم نفسها.
الطفلة ذات الثماني سنوات.
ركضت فجأة.
ودفعت يد محمود بكل قوتها.
انطلقت الرصاصة.
لكنها أصابت السقف.
وفي اللحظة التالية…
اندفع طارق.
ثم سامي.
ثم رجال الشرطة.
في لحظة واحدة فقط.
وسقط محمود أرضًا.
وتناثر السلا..ح بعيدًا.
—
انتهى كل شيء خلال ثوانٍ.
لكن بالنسبة لسلمى…
بدت كأنها عمر كامل.
ركضت إلى ابنتها.
وضمتها بقوة.
بقوة جعلت مريم تبكي.
وجعلت سلمى تبكي أكثر.
“أنا هنا.”
“ماما…”
“أنا هنا يا حبيبتي.”
ولأول مرة منذ بداية الكابوس…
شعرت أن ابنتها آمنة.
حقًا آمنة.
—
أما محمود الجبالي…
فكان جالسًا مكبل اليدين.
ينظر إلى الجميع.
بهدوء غريب.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة.
وقال:
“فاكرين إنكم كسبتوا؟”
لم يرد أحد.
فأكمل:
“أنا مجرد آخر اسم عرفتموه.”
نظر الرائد إليه.
“تقصد إيه؟”
ابتسم محمود.
ثم قال:
“الناس اللي فوقي لسه موجودة.”
ساد الصمت.
لكن الرائد ابتسم هذه المرة.
وأخرج هاتفًا صغيرًا من جيبه.
ثم ضغط زر التشغيل.
فانطلق تسجيل صوتي واضح.
تسجيل لكل اعترافات محمود خلال الساعات الماضية.
كل الأسماء.
كل العمليات.
كل شيء.
اختفت الابتسامة من وجه محمود فورًا.
ولأول مرة…
ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
—
بعد أشهر…
أُغلقت عشرات القضايا.
وسقطت شبكات كاملة من الفساد.
وعاد كثير من الأطفال إلى أسرهم.
أما ليلى…
فبدأت حياة جديدة.
وأما مريم…
فعادت إلى مدرستها.
وإلى غرفتها.
وإلى دميتها المحشوة.
لكنها لم تعد الطفلة نفسها.
كانت أقوى.
وأشجع.
وأصدق.
—
وفي مساء هادئ بعد كل شيء…
جلست سلمى في الحديقة.
ومريم تلعب أمامها.
اقترب سامي وجلس على المقعد المجاور.
ساد صمت طويل.
ثم قالت سلمى:
“لسه في أسئلة كتير.”
ابتسم بحزن.
“عارف.”
“ولسه في وجع.”
“عارف.”
ثم نظر إلى مريم.
وقال:
“بس أهم حاجة إنها بخير.”
نظرت سلمى إلى ابنتها.
ثم أومأت ببطء.
لأن كل الأسرار.
وكل الأكاذيب.
وكل السنوات الضائعة.
لم تعد أهم من شيء واحد فقط.
أن مريم ما زالت هنا.
تضحك تحت ضوء الشمس.
حية.
وحرة.
بعد ثلاث سنوات…
كانت الشمس تميل نحو الغروب فوق حديقة المدرسة الدولية الجديدة التي انتقلت إليها مريم.
لم تعد تلك الطفلة الخائفة التي كانت ترتجف كلما سمعت صوت باب يُفتح.
أصبحت في الحادية عشرة من عمرها.
تضحك بصوت مرتفع.
وتجري مع صديقاتها.
وتحمل حقيبتها فوق كتفها بثقة.
وقفت سلمى تراقبها من بعيد.
وفي كل مرة تراها تضحك…
كانت تحمد الله بصمت.
لأن هناك وقتًا ظنت فيه أنها ستفقدها إلى الأبد.
—
أما الرائد كريم…
فقد تمت ترقيته بعد تفكيك الشبكة الإجرامية الكبرى.
وأصبح اسمه معروفًا في ملفات مكافحة الجرائم المنظمة.
لكن القض..ية التي بقيت الأقرب إلى قلبه لم تكن أكبر قض..ية.
بل كانت ق..ضية الطفلة التي أنقذها طبيب أطفال بسبب ملاحظة صغيرة لم يتجاهلها.
الدكتور أحمد السيوفي.
الرجل الذي بدأت عنده كل الخيوط.
—
أما ليلى…
فدخلت الجامعة.
وبدأت دراسة علم النفس.
وعندما سألها أحد الأساتذة يومًا عن سبب اختيارها هذا التخصص…
ابتسمت وقالت:
“عشان أعرف أساعد الناس اللي عاشوا نفس اللي عشته.”
ولأول مرة في حياتها…
قالت الجملة دون أن تبكي.
—
أما سامي…
فاستغرق وقتًا طويلًا حتى يتعلم كيف يعيش حياة طبيعية.
سنوات الهروب لا تختفي بسهولة.
لكن شيئًا واحدًا كان يعوضه عن كل شيء.
كل يوم جمعة.
كانت مريم تزوره.
وتجلس معه بالساعات.
تحكي له عن المدرسة.
وعن صديقاتها.
وعن أحلامها.
وفي كل مرة كانت تناديه:
“بابا سامي.”
كانت عيناه تمتلئان بالدموع.
—
أما طارق المنصوري…
فلم يخرج من السجن.
وخلال المحاكمة الطويلة ظهرت حقائق كثيرة.
حقائق سيئة.
وأخرى أقل سوءًا مما ظن الجميع.
ثبت أنه ارتكب جرائم.
وثبت أيضًا أنه أنقذ أشخاصًا في أوقات أخرى.
رجل امتلأت حياته بالظلام.
وببعض اللحظات القليلة من النور.
وفي آخر جلسة محاكمة…
طلب رؤية مريم.
رفضت سلمى في البداية.
لكن القرار تُرك لمريم نفسها.
وعندما دخلت غرفة الزيارة.
نظر إليها طارق طويلًا.
ثم قال:
“أنا آسف.”
كانت تلك أول مرة تسمع منه هذه الكلمة.
وأيضًا آخر مرة.
—
بعد ست سنوات…
وقفت مريم على منصة التخرج المدرسية.
والتصفيق يملأ القاعة.
بحثت بعينيها بين الحضور.
فرأت أمها أولًا.
تبكي من الفرح.
ثم رأت سامي.
يصفق لها بفخر.
ثم رأت مقعدًا فارغًا في آخر القاعة.
المقعد الذي كان سيجلس عليه والدها لو سارت الحياة بشكل مختلف.
نظرت إليه ثانية واحدة فقط.
ثم ابتسمت.
لأنها تعلمت شيئًا مهمًا.
أن الماضي لا يمكن تغييره.
لكن المستقبل يمكن بناؤه من جديد.
—
وفي مساء ذلك اليوم…
عادت سلمى إلى المنزل.
فتحت صندوقًا خشبيًا قديمًا.
كان يحتوي على كل ما تبقى من القض..ية.
صور.
أوراق.
رسائل.
ذكريات.
أغلقت الصندوق أخيرًا.
ثم حملته إلى المخزن.
ووضعته على الرف الأعلى.
للمرة الأخيرة.
لأن بعض الأبواب…
يجب أن تُغلق حتى تبدأ الحياة من جديد.
وعندما عادت إلى غرفة المعيشة…
سمعت ضحكة مريم من المطبخ.
ثم صوت سامي وهو يحاول إعداد العشاء ويحرق الطعام كعادته.
فضحكت.
ضحكة صافية.
هادئة.
حقيقية.
وأدركت أن النهاية السعيدة ليست أن يختفي الألم.
بل أن تتعلم كيف تعيش بعده.
تمت.
النهاية.
