ليث الريس اسما السيد -1

تظاهرت الخادمه بأنها تعدل ربطة عنق الزعيم، ثم همست قرب أذنه: سائقك معه مسدس يريد التخلص منك… لا تركب السيارة…رفعت نورا السعدي عينيها.

للمرة الأولى منذ بدأت العمل في القصر الكبير في حي الزمالك بالقاهرة، نظرت مباشرة في عيني الرجل الذي يخشاه الجميع…لم تكن عينا ليث الريس تُنسى بسهولة.

عينان بلون العسل الداكن، باردتان وحادتان كآلة حاسبة.

عينان لرجل عاش سنوات طويلة في عالمٍ يبتسم فيه الناس بينما يخفون خناجرهم خلف ظهورهم.

شعرت نورا بنبض قلبها يرتفع إلى حلقها.

فكرت في ليلى، أختها الصغرى، المستلقية شاحبة في غرفة العناية المركزة في مستشفى السلام.

فكرت في الفواتير الطبية التي لا تستطيع دفعها، في عملها صباحًا في مطعم، ومساءً في آخر، منذ أن فقدت والديها في حادثٍ على طريق الصعيد.

ثم فكرت في القصر الذي تقف فيه الآن…

وفي الحراس المسلحين الذين يتجولون في الممرات…

وفي الحرب التي قد تندلع لو قتل هذا الرجل الليلة.

ومع ذلك… لم تتراجع…وضعت كفها على صدره، وكأنها تعدل ربطة عنقه الرمادية، واقتربت شفتيها من عظمة ترقوته وهمست:

— سائقك معه مسدس… كاتم صوت. أخفاه بجوار لوحة القيادة. لا تركب تلك السيارة… سمعته يخطط لقتـ لك

لثانية واحدة…لم يتحرك ليث…لم يرمش.

لم يتنفس حتى.ظ.ظثم فجأة… قبض على رقبتها.

لم تكن قبضته طويلة بما يكفي لخنقها…

لكنها كانت كافية لتجعلها تفهم أنه يستطيع فعل ذلك بسهولة…دفعها بقوة نحو خزانة خشبية منحوتة، فدوى صوت الاصطدام في الغرفة.

شهقت نورا، وانفجر الخوف أخيرًا داخلها.

في تلك اللحظة كانت متأكدة أنها ارتكبت أسوأ خطأ في حياتها.

اقترب ليث منها، عيناه تلمعان بخطورة.

قال بصوت منخفض: ماذا قلتِ للتو؟

وضعت نورا يديها على صدرها محاولة التقاط أنفاسها.

— رأيتُه في المرآة… واقتربت منه سمعته —قالت بصوتٍ متقطع

فادي… سائقك. افتح درج السيارة. ط هناك مسدس “جلوك”كاتم صوت.

وطارق ليس مريضًا… كان ذلك مجرد عذر لتأخيرك.

يريدونك أن تخرج متأخرًا… عندما يختفي الجميع من المدخل.

ظل ليث ينظر إليها بدقة مخيفة.

كان رجلًا يعرف الكذب كما يعرف الناس قراءة الصحف.

يلاحظ أدق التفاصيل: ارتجاف الشفاه… حركة العين… اختلاف النفس عن الكلمات…لكن خوف نورا لم يكن تمثيلًا…ظكان حقيقيًا… خامًا… فوضويًا.

ببطء…

خفّ ضغط يده عن عنقها.

سقطت نورا على ركبتيها تسعل بينما تحترق رئتاها بالهواء.

لم يتجه ليث نحو النافذة.

لو كان أحد يراقبهما من الخارج، فمجرد نظرة قد تكشف أنه عرف كل شيء.

بدلاً من ذلك…

عدّل قميصه بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.

فتح درج مكتبه، وأخرج مسدسًا صغيرًا، فحصه بسرعة، ثم أخفاه خلف ظهره…عندما نظر إليها مرة أخرى…

اختفت الوحشية من وجهه…وحلّ محلها شيء أخطر بكثير….سألها: ما اسمك؟

— نورا السعدي.

قال وهو يتجه نحو الباب:

— اسمعيني جيدًا يا نورا..ستخرجين الآن من هذه الغرفة.

تنزلين إلى المطبخ… وتبدئين بتلميع الفضيات كأن شيئًا لم يحدث.

لا تنظري من أي نافذة… ولا تتحدثي مع أحد.

توقف لحظة ثم أضاف: وإذا سمعتِ طلقات نار…

استلقي على الأرض وغطـي رأسك.

أومأت نورا بصمت.

فتح الباب ثم قال دون أن ينظر إليها:

— إذا كنتُ ما زلت حيًا بعد عشر دقائق… سأرسل في طلبك.أما إن لم يحدث ذلك…

ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال: فاهربي لان…

صلي على محمد وال محمـد وتابع👇👇👇
نزلت نورا الدرج بسرعة بينما ساقاها ترتجفان كأنهما لا تحملان جسدها.
كانت أصوات الموسيقى الكلاسيكية ما تزال تنساب من القاعة الكبرى في الأعلى حيث يجتمع رجال السياسة ورجال الأعمال حول الطاولات الطويلة والكؤوس اللامعة وكأن العالم بخير.
لكنها كانت تعرف أن شيئًا مرعبًا يتحرك الآن داخل هذا القصر.
شيئًا قد يحول الليلة إلى مجزرة.
دخلت المطبخ الكبير، فاندفع نحوها دفء الأفران ورائحة الزبدة والثوم واللحم المشوي.
الطهاة يتحركون بسرعة، والخادمات يحملن الصحون الفضية، وأحدهم يصرخ لأن الصوص احترق.
كل شيء طبيعي.
وهذا ما جعل الرعب أسوأ.
اقتربت من طاولة الفضيات وبدأت تمسح الملاعق بقطعة قماش بيضاء كما أمرها ليث.
حاولت أن تتحكم في أنفاسها.
لكن عقلها ظل عالقًا عند عينيه.
لم يكن مثل الرجال الذين اعتادت رؤيتهم في المطاعم.
لم يكن متغطرسًا بطريقة صاخبة.
كان هادئًا أكثر من اللازم.
وهذا النوع أخطر دائمًا.
سمعت خطوات خلفها.
التفتت بسرعة فوجدت الخادمة عايدة تضحك وهي تحمل صينية كؤوس.
— مالك يا بنتي؟ وشك أصفر ليه؟
هزت نورا رأسها بسرعة.
— تعبانة شوية بس.
اقتربت عايدة وهمست:
— فوق في مصيبة شكلها. الحرس بيجروا من شوية.
تجمد الدم في عروق نورا.
لكنها أجبرت نفسها على الاستمرار في تلميع الشوك المعدنية.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
ثم انطفأت الموسيقى فجأة.
ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الكارثة.
رفعت نورا رأسها ببطء.
وفي اللحظة التالية دوى صوت طلقة مكتومة في القصر.
ثم صرخة.
ثم انفجار زجاج.
صرخت إحدى الخادمات وأسقطت طبقًا على الأرض.
اندفع الحراس في الممرات بالخارج وهم يصرخون بأوامر متداخلة.
شعرت نورا بأن قلبها توقف.
تذكرت كلمات ليث فورًا.
“إذا سمعتِ طلقات نار… استلقي على الأرض.”
سقطت فورًا خلف الطاولة وغطت رأسها بذراعيها بينما ارتفعت الأصوات في الأعلى.
طلقات أخرى.
خطوات تركض.
صراخ رجل غاضب.
ثم فجأة…
هدير قوي اهتزت له جدران المطبخ.
انفجار.
شهقت الخادمات وبدأن بالبكاء.
أغمضت نورا عينيها بقوة.
كانت تعرف أن ذلك الانفجار جاء من الخارج.
من عند السيارات غالبًا.
مرّت دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم بدأ كل شيء يهدأ تدريجيًا.
بقيت نورا على الأرض لا تجرؤ على الحركة.
إلى أن سمعت صوتًا رجوليًا حادًا خلفها:
— نورا السعدي.
رفعت رأسها ببطء.
كان أحد رجال الحراسة يقف عند الباب.
بدلة سوداء.
سماعة في أذنه.
مسدس في يده.
قال ببرود:
— السيد ليث يريدك.
شعرت بمعدتها تنقبض.
وقفت بصعوبة وسارت خلفه عبر الممرات الطويلة.
كانت رائحة البارود تملأ المكان.
وعندما مرت بجانب الباب الرئيسي رأت آثار الرصاص على الجدران الرخامية.
إحدى السيارات السوداء في الخارج كانت مشتعلة بالكامل.
ورجل ممدد قرب الدرج والدم ينتشر تحت جسده.
أدارت نورا وجهها بسرعة قبل أن تتقيأ.
فتح الحارس باب المكتب.
دخلت ببطء.
كان ليث يقف قرب النافذة ممسكًا هاتفًا بيده بينما الدم يلطخ كم قميصه الأبيض.
لكن الدم لم يكن دمه.
رفع عينيه نحوها.
— اخرجوا.
غادر الحراس فورًا وأغلق الباب.
بقيت نورا واقفة قرب المدخل لا تعرف ماذا تقول.
اقترب منها ليث ببطء.
رغم الفوضى التي حدثت بدا هادئًا بصورة مخيفة.
قال:
— كنتِ محقة.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
سألها فجأة:
— من أخبرك؟
— لا أحد.
— إذن كيف عرفتِ؟
ترددت للحظة ثم قالت:
— كنت أقدم القهوة في الكراج الخلفي… وسمعت فادي يتحدث في الهاتف. قال إنك لن تصل حيًا الليلة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم سأل:
— لماذا حذرتِني؟
لم تعرف كيف تجيب.
لأنها هي نفسها لم تفهم السبب بالكامل.
ربما لأنها تعبت من رؤية الناس يموتون.
ربما لأنها رأت في عينيه شيئًا وحيدًا رغم كل تلك السلطة.
أو ربما لأنها خافت أن يتحول موته إلى حرب تأكل المدينة كلها.
همست أخيرًا:
— لأنك كنت ستُقتل.
ظل صامتًا للحظة.
ثم ضحك ضحكة خافتة بلا فرح.
— في عالمي يا نورا… الناس لا يخاطرون بحياتهم لإنقاذ رجل مثلي دون سبب.
أخفضت نظرها.
قال فجأة:
— كم راتبك هنا؟
تفاجأت بالسؤال.
— أربعة آلاف جنيه.
رفع حاجبه ببطء.
— وأختك؟
اتسعت عيناها.
— كيف عرفت عنها؟
— أعرف كل شيء يحدث داخل بيتي.
شعرت بالبرد يسري في جسدها.
اقترب أكثر وقال:
— كم تحتاج عمليتها؟
حاولت ألا تبكي.
— حوالي مئتين وخمسين ألف.
أخرج دفتر شيكات من درج مكتبه وكتب رقمًا بسرعة ثم دفعه نحوها.
نظرت نورا إلى الرقم وشعرت أن الأرض تميد بها.
ثلاثمئة ألف جنيه.
رفعت رأسها نحوه بصدمة.
قال ببرود:
— هذا ثمن الحقيقة.
هزت رأسها بسرعة.
— لا أستطيع أخذ هذا.
— بل تستطيعين.
— لماذا؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال شيئًا جعل قلبها يرتجف:
— لأنك الليلة الوحيدة التي اقتربت مني دون أن تحاول طعني.
ساد الصمت بينهما.
ثم فجأة فتح الباب بعنف.
دخل رجل ضخم يرتدي بدلة داكنة.
وجهه يحمل جرحًا قرب حاجبه.
قال بحدة:
— ليث. وجدنا واحدًا حيًا.
تحولت ملامح ليث فورًا إلى شيء بارد وقاسٍ.
سأل:
— أين؟
— في المخزن السفلي.
أومأ ليث ثم التفت إلى نورا.
— ابقي هنا.
وغادر مع الرجل.
لكن بعد ثوانٍ قليلة سمعت صراخًا قادمًا من أسفل القصر.
صرخة رجل يتألم.
ثم صوت ارتطام.
ثم صمت.
جلست نورا ببطء على الكرسي تحاول استيعاب ما يحدث.
كانت تعرف أن ليث الريس ليس رجل أعمال عاديًا.
القاهرة كلها تتحدث عنه.
إمبراطورية شركات.
علاقات مع سياسيين.
حراس مدججون بالسلاح.
وخصوم يختفون فجأة.
لكنها الليلة رأت الحقيقة بأعينها.
إنه يعيش وسط حرب مستمرة.
وبدون أن تشعر وجدت نفسها تتساءل إن كانت قد دخلت تلك الحرب الآن أيضًا.
مرّت عشر دقائق.
ثم عاد ليث.
كانت قبضتاه ملطختين بالدم.
لكنه بدا أكثر هدوءًا من قبل.
خلع سترته السوداء ووضعها على الكرسي.
سألها:
— تخافين مني؟
لم تستطع الكذب.
أومأت ببطء.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— جيد. الخوف يبقي الناس أحياء.
ثم جلس أمامها وقال:
— اسمعيني جيدًا. الرجل الذي حاول قتلي الليلة لم يكن يعمل وحده.
شعرت نورا بالتوتر يعود فورًا.
تابع:
— وشخص ما داخل القصر أخبرهم بتحركاتي.
همست:
— تقصد أن هناك خائنًا آخر؟
— نعم.
ثم ثبت عينيه عليها وأضاف:
— وقد يظن ذلك الخائن أنك تعرفين أكثر مما يجب.
تجمدت أنفاسها.
قال بهدوء قاتل:
— لهذا السبب لن تعودي إلى منزلك الليلة.
وقفت فجأة.
— ماذا؟
— ستبقين هنا حتى أجدهم.
— لا… أختي وحدها في المستشفى.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا.
بعد ثوانٍ قال:
— انقلوا ليلى السعدي إلى جناح خاص. وأي طبيب تحتاجه أحضروه الليلة.
ثم أغلق الخط ونظر إلى نورا.
— الآن أختك بأمان.
كانت تنظر إليه غير مصدقة.
كيف يستطيع تغيير حياة الناس بمكالمة واحدة؟
اقتربت من المكتب ببطء.
— لماذا تفعل هذا كله لأجلي؟
صمت لثوانٍ.
ثم قال بصوت منخفض:
— لأنني مدين لك بحياتي.
قبل أن تتمكن من الرد دوى صوت رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة فتغيرت ملامحه فورًا.
أجاب بصوت بارد:
— ماذا؟
ثم صمت وهو يستمع.
لكن نورا رأت شيئًا نادرًا جدًا يظهر في عينيه.
الصدمة.
أنزل الهاتف ببطء.
سألته:
— ماذا حدث؟
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول:
— هاجموا المستشفى.
شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
— ليلى؟
أمسك ليث معطفه فورًا واتجه نحو الباب.
قال للحراس بالخارج:
— جهزوا السيارة الآن.
ثم التفت إلى نورا.
— ستأتين معي.
اندفعت نحوه وقلبها يكاد ينفجر.
— إذا أصابها شيء…
قاطعها ببرود حاسم:
— لن أسمح بذلك.
بعد دقائق كانت السيارة السوداء تشق شوارع القاهرة بسرعة جنونية.
الأضواء تنعكس على زجاج النوافذ بينما سيارات الحراسة تحيط بهم.
جلست نورا في المقعد الخلفي ويداها ترتجفان.
أما ليث فكان يراقب الطريق بصمت قاتل.
وفجأة قال:
— الشخص الذي يهاجمني لا يريد المال.
نظرت إليه.
— ماذا يريد إذن؟
أجاب دون أن يرمش:
— يريد رؤيتي أتألم.
وصلوا إلى المستشفى.
كان المكان يعج برجال الأمن.
ممرضات مذعورات.
أطباء يركضون في الممرات.
وفور دخول ليث توقف الجميع عن الكلام.
ذلك الصمت نفسه الذي يسبق العاصفة.
ركضت نورا نحو جناح أختها.
فتحت الباب بعنف.
ووجدت ليلى نائمة على السرير بينما تقف ممرضة قربها.
شهقت نورا براحة وكادت تبكي.
لكن الممرضة قالت بسرعة:
— كانوا هنا قبل دقائق. رجلان سألا عنها ثم اختفيا عندما وصل الأمن.
استدارت نورا نحو ليث بخوف.
قال ببرود:
— إنهم يرسلون رسالة.
ثم نظر إلى الحارس قرب الباب.
— ضاعفوا الحراسة.
اقتربت نورا من سرير أختها وأمسكت يدها الصغيرة.
كانت ليلى شاحبة وضعيفة.
همست نورا وهي تحارب دموعها:
— أنا هنا.
وقفت للحظة تشعر بثقل العالم فوق كتفيها.
ثم شعرت بوجود ليث خلفها.
قال بصوت منخفض:
— من هذه اللحظة… أي شخص يقترب منك دون إذني يعتبر تهديدًا.
رفعت عينيها إليه.
وكانت تلك اللحظة التي أدركت فيها شيئًا خطيرًا للغاية.
لقد أصبحت جزءًا من عالمه الآن.
وعالم ليث الريس لا يسمح بالخروج بسهولة.
جلست نورا قرب سرير ليلى لساعات طويلة بينما ضوء الأجهزة الطبية يومض بلون أخضر خافت داخل الغرفة المعقمة.
كانت أصابع أختها باردة وضعيفة بين يديها.
لكنها كانت تتنفس.
وهذا وحده كان كافيًا لتمنع نفسها من الانهيار.
خارج الغرفة وقف رجال ليث المسلحون في الممر كتماثيل سوداء صامتة.
حتى الأطباء صاروا يتحركون بحذر عندما يمر ليث قربهم.
كان يقف الآن عند النافذة في آخر الممر ممسكًا هاتفه بينما يتحدث بصوت منخفض وخطير.
راقبته نورا من بعيد.
كل شيء فيه يوحي بالسيطرة.
الطريقة التي يقف بها.
الطريقة التي ينظر بها للناس.
حتى صمته كان يبدو كأمر.
وفجأة رفع عينيه نحوها.
شعرت كأنها ضبطت نفسها تفعل شيئًا ممنوعًا.
لكن بدل أن يشيح بنظره اقترب منها ببطء.
قال:
— يجب أن تنامي قليلًا.
هزت رأسها فورًا.
— لا أستطيع.
— لم تنامي منذ متى؟
صمتت.
ابتسم بسخرية خفيفة.
— إذن منذ فترة طويلة.
جلست نورا مستقيمة وقالت بتوتر:
— لماذا يلاحقونني أنا؟ أنا لم أفعل شيئًا.
استند ليث إلى الجدار المقابل لها.
— لأنك رأيتِ أكثر مما ينبغي.
— لكنني لم أرَ وجوههم حتى.
— هذا لا يهم.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال فجأة:
— هل تثقين بي؟
تفاجأت بالسؤال.
وكادت تضحك من غرابته.
رجل مثله يسأل عن الثقة.
قالت بحذر:
— لا أعرفك أصلًا.
أومأ ببطء وكأنه توقع الإجابة.
ثم قال:
— جيد. لا تثقي بأحد بسرعة.
وقبل أن تضيف شيئًا اقترب أحد الحراس بسرعة وهمس في أذن ليث.
تغير وجهه فورًا.
سأل ببرود:
— متأكد؟
أومأ الحارس.
نظر ليث إلى نورا.
ثم قال:
— ابقي هنا.
لكنه لم ينتظر ردها وغادر مع رجاله بسرعة.
شعرت نورا بانقباض في معدتها.
مرت خمس دقائق فقط قبل أن تسمع أصوات صراخ في الطابق السفلي.
ثم ركض.
ثم صوت إطلاق نار مكتوم.
وقفت فورًا وقلبها يخبط بعنف.
الممرضة داخل الغرفة شهقت بخوف وأغلقت الباب.
لكن نورا لم تستطع البقاء.
خرجت إلى الممر رغم ارتجافها.
كان رجال الأمن يتحركون بسرعة والأسلحة بأيديهم.
ثم فجأة رأت رجلًا ملثمًا يركض من نهاية الممر.
كان يحمل مسدسًا.
وقبل أن تتمكن من الصراخ أمسكها الرجل بعنف من ذراعها وجذبها نحوه.
صرخت نورا بينما وضع المسدس قرب رقبتها.
قال بصوت خشن:
— لا تتحركوا وإلا قتلتها.
تجمد الحراس في أماكنهم.
سمعت نورا دقات قلبها تصرخ داخل أذنيها.
الرجل بدأ يتراجع بها نحو الدرج.
وكانت تشعر ببرودة فوهة السلاح على جلدها.
ثم ظهر ليث.
خرج من زاوية الممر ببطء شديد.
عيناه ثابتتان على الرجل.
قال بصوت هادئ بشكل مرعب:
— اتركها.
ضحك الملثم بعصبية.
— ابتعد وإلا فجرت رأسها.
لكن ليث استمر بالتقدم.
خطوة.
ثم أخرى.
شعرت نورا بالخوف أكثر من الرجل نفسه.
لأن وجه ليث كان خاليًا تمامًا من التردد.
قال الملثم بعصبية أكبر:
— قلت توقف.
وفجأة…
حدث كل شيء بسرعة خاطفة.
ليث أخرج مسدسه.
طلقة واحدة فقط.
انفجر الدم من كتف الرجل.
صرخ وسقط سلاحه.
وفي اللحظة نفسها جذب ليث نورا نحوه بعنف حتى ارتطم جسدها بصدره بينما انقض الحراس على المهاجم.
كانت أنفاسها متقطعة بجنون.
تشبثت بقميص ليث دون وعي.
بينما كان ذراعه يحيط خصرها بقوة.
سمعت صراخ الرجل وهو يُسحب عبر الممر.
ثم عم الصمت.
أدركت فجأة قربهما.
رفعت رأسها ببطء.
وكان ينظر إليها بطريقة جعلت قلبها يضطرب أكثر.
سألها بهدوء:
— هل أصبتِ؟
هزت رأسها بسرعة.
لكنه ظل ممسكًا بها لثوانٍ إضافية.
كأنه يتأكد بنفسه أنها ما زالت موجودة.
ثم تركها ببطء.
قال للحراس:
— خذوه إلى المخزن.
ثم التفت إليها.
— تعالي معي.
دخلت خلفه إلى غرفة فارغة في آخر الممر.
أغلق الباب.
استدارت نحوه فورًا وقالت بانفعال:
— كدت تموت بسببي.
اقترب منها ببطء.
— أنا معتاد على ذلك.
— لكنهم يريدون إيذائي للوصول إليك.
— نعم.
قالها ببساطة مخيفة.
شعرت بالغضب فجأة.
— وكيف تقولها بهذه البرودة؟
ثبت عينيه عليها.
— لأن الخوف لا يغير الحقيقة.
اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه.
— اسمعيني جيدًا يا نورا. من اللحظة التي حذرتِني فيها داخل القصر… لم تعودي فتاة عادية تعمل في مطعمين لتدفع فواتير المستشفى.
شعرت بقلبها ينقبض.
تابع بصوت منخفض:
— لقد دخلتِ لعبة لا ترحم أحدًا.
همست:
— وأنا لم أختر ذلك.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— ولا أنا.
ساد الصمت بينهما.
كانت قريبة منه جدًا الآن.
قريبة لدرجة أنها استطاعت رؤية الخط الرفيع قرب حاجبه الأيسر.
ندبة قديمة.
ورأت التعب المخفي خلف قسوته.
تساءلت فجأة كم مرة اضطر هذا الرجل لأن يقتل كي يبقى حيًا.
ثم انتبهت لنفسها بسرعة وابتعدت خطوة.
لكن ليث أمسك معصمها قبل أن تبتعد بالكامل.
تجمدت أنفاسها.
قال بهدوء:
— هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.
— ماذا؟
— الرجل الذي أمسكناه الليلة اعترف باسم الشخص الذي أمر بقتلي.
شعرت بالتوتر يعود فورًا.
— من هو؟
صمت للحظة.
ثم قال:
— أخي.
اتسعت عيناها بصدمة.
— أخوك؟
ترك معصمها واتجه نحو النافذة.
كانت القاهرة تلمع ليلًا خلف الزجاج.
قال بصوت بارد:
— كريم الريس. شقيقي الأصغر.
لم تستطع نورا الكلام.
تابع:
— حاول قتلي مرتين من قبل. لكن هذه أول مرة يقترب لهذا الحد.
— لماذا؟
ضحك ضحكة قصيرة بلا روح.
— المال. النفوذ. الكراهية القديمة. اختر أي سبب يعجبك.
ثم استدار نحوها.
— لكنه الآن يعرف أنك أنقذتِ حياتي.
شعرت بالخوف يزحف داخلها من جديد.
اقترب ليث وقال بحسم:
— وهذا يعني أنني إن تركتك وحدك… ستموتين.
ساد الصمت الثقيل.
ثم قال شيئًا جعل قلبها يتوقف للحظة:
— لذا ستنتقلين إلى منزلي حتى ينتهي هذا الأمر.
تراجعت خطوة فورًا.
— ماذا؟
— إنه المكان الوحيد الآمن.
— لا. مستحيل.
— ليس طلبًا.
اشتعل الغضب داخلها.
— لا يمكنك التحكم بي هكذا.
اقترب منها أكثر.
— أيمكنني؟ رأيتِ بنفسك ما حدث قبل دقائق.
رفعت رأسها بعناد رغم خوفها.
— أنت مخيف ومتعجرف وتعتقد أن الجميع أوامر تتحرك أمامك.
نظر إليها بصمت طويل.
ثم بشكل مفاجئ جدًا…
ابتسم.
ابتسامة حقيقية هذه المرة.
خفيفة وخطرة ودافئة بشكل أربكها أكثر من غضبه.
قال:
— وأنت أول شخص يصرخ بوجهي منذ سنوات.
شعرت نورا بتوتر غريب يجتاحها.
ثم فجأة انفتح الباب.
دخل الحارس بسرعة.
— سيدي… لدينا مشكلة.
اختفت الابتسامة من وجه ليث فورًا.
— ماذا الآن؟
قال الحارس بقلق:
— كريم الريس اختفى.
ساد الصمت.
لكن نورا شعرت بشيء مرعب يتغير في الجو كله.
وجه ليث أصبح باردًا بصورة قاتلة.
ثم قال بهدوء أخطر من الصراخ:
— أغلقوا كل مخارج القاهرة.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *