المدير التنفيذي حكايات أسما ×3
الجزء السابع: الخائن من الداخل
أول ما مدير الأمن قال:
“شريف الحديدي هرب…”
القاعة كلها اتقلبت.
كل واحد بدأ يبص للتاني.
سيف وقف مرة واحدة.
وقال بصوت هادئ لكنه حاسم:
“اقفلوا كل مداخل الشركة.”
“ولا موظف يخرج.”
خلال دقائق…
اتقفلت البوابات الإلكترونية.
ورجال الأمن انتشروا في كل دور.
الموظفين بقوا يهمسوا بخوف.
حد بيقول:
“أكيد فيه جاسوس.”
وحد تاني:
“دي أول مرة الأمن يقفل الشركة.”
…
سيف طلب كل أعضاء مجلس الإدارة يرجعوا قاعة الاجتماعات.
أنا كنت قاعدة جنبه.
أول مرة أحس إنه واثق فيا بالشكل ده.
بص للجميع وقال:
“شريف ماكانش يقدر يهرب لوحده.”
“وفيه حد منكم ساعده.”
الكل اعترض.
واحد قال:
“إنت بتتهمنا؟”
رد سيف:
“أنا مش بتهم.”
“أنا عندي دليل.”
ضغط زر في جهاز التحكم.
الشاشة الكبيرة اشتغلت.
ظهر تسجيل من كاميرات السجن.
واضح فيه موظف لابس قبعة وكمامة.
دخل الزنزانة.
وبعد خمس دقائق…
خرج شريف متخفي في هدومه.
لكن قبل ما يخرج…
الكاميرا التقطت حاجة صغيرة.
خاتم فضي في إيده.
سيف كبر الصورة.
وبص ناحية أحد أعضاء المجلس.
قال:
“الخاتم ده نسخة وحيدة.”
كل العيون اتجهت لرجل اسمه…
نبيل السيوفي.
المدير المالي للشركة من خمسة وعشرين سنة.
نبيل وقف وهو متوتر.
“ده تشابه.”
سيف ابتسم.
وقال:
“يمكن.”
“بس الكاميرات بره السجن سجلت عربيتك.”
وشه اصفر.
بدأ العرق ينزل من جبينه.
وفجأة…
جري ناحية الباب.
لكن رجال الأمن مسكوه.
وقع على الأرض وهو بيصرخ:
“أنا عملت كده غصب عني.”
“شريف هدد يقتل ابني.”
…
أخدوه للتحقيق.
وبعد ساعة…
رجع مدير الأمن.
وقال:
“اعترف بكل حاجة.”
اتضح إن نبيل كان بيسرب كل أسرار الشركة لشريف من سنين.
ويساعده في تزوير العقود.
وسرقة ملايين الجنيهات.
لكن أخطر اعتراف…
ماكانش ده.
قال مدير الأمن:
“نبيل قال إن فيه خزنة تانية.”
سيف رفع رأسه.
“فين؟”
“تحت الفيلا القديمة.”
…
في نفس الليلة…
تحركنا للفيلا المهجورة.
كانت في أطراف القاهرة.
مكان مهجور من أكتر من عشرين سنة.
البوابة كانت مغطاة بالصدأ.
والحديقة كلها حشائش.
أمي أول ما شافت المكان…
وقفت.
وقالت وهي بتعيط:
“هنا…”
“هنا آخر مرة شفت كمال.”
سيف سندها.
ودخلنا.
نزلنا بدرج حجري قديم.
لحد ما وصلنا لباب حديد.
المفتاح النحاسي اللي جابه المحامي…
دخل بسهولة.
الباب اتفتح.
الغرفة كانت مليانة صناديق.
ولوحات.
ومستندات.
لكن في آخر الغرفة…
كان فيه صندوق خشب صغير.
عليه اسم واحد.
ليلى عبدالرحمن.
قلبي دق بعنف.
قلت:
“اسمي؟”
سيف بص للصندوق.
وقال:
“أبويا كان محضره من سنين.”
فتحناه.
لقينا سلسلة دهب رقيقة.
وصورة صغيرة.
ورسالة.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها:
«”إلى ابنة نجلاء…
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى القدر حرمني أشوفك.
يمكن ماكونش أبوك…
لكني كنت أتمنى أشوفك بتكبري.
وكل اللي أقدر أسيبهولك…
هو وعد.
إن اسمك هيفضل مرفوع طول ما اسم الحديدي موجود.”»
ماقدرتش أمسك نفسي.
انهرت في البكاء.
حتى سيف…
لف وشه يخبي دموعه.
لكن في اللحظة دي…
سمعنا صوت تصفيق.
التفتنا بسرعة.
كان شريف الحديدي واقف عند باب الغرفة.
ومعاه أربعة رجال مسلحين.
ابتسم وقال:
“أخيرًا…
وصلتوا للخزنة اللي كنت مستنيكم تفتحوها.”
ورفع مسدسه ببطء.
وقال لسيف:
“دلوقتي…
هات كل المستندات…
وإلا أول رصاصة هتكون في ليلى.”
وانتهى الفصل على أخطر مواجهة بدأت بين أفراد عائلة الحديدي.
قبل ما الرصاصة الأولى تخرج…
سيف مد إيده قدامي من غير ما يبصلي.
وقال بهدوء:
“ارجعي ورا.”
قلت وأنا صوتي بيرتعش:
“مش هسيبك.”
رد من بين أسنانه:
“دي مش مناقشة.”
كان واقف بيني وبين المسدس.
كأنه مستعد يتلقى الرصاصة بدالي.
شريف ضحك باستهزاء.
وقال:
“زي أبوك بالظبط… لسه بيفكر ينقذ الناس.”
ثم وجه المسدس ناحيتي مباشرة.
“هاتوا المستندات.”
مدير الأمن حاول يتحرك.
شريف صرخ:
“ولا خطوة!”
الرجال الأربعة اللي معاه رفعوا أسلحتهم.
الموقف بقى على حافة الانفجار.
…
لكن سيف فجأة ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
استغربت.
إزاي يبتسم في اللحظة دي؟
قال لشريف:
“إنت لسه بتستعجل.”
رد شريف بعصبية:
“تقصد إيه؟”
قال:
“بص فوق.”
كلنا رفعنا رأسنا.
في نفس اللحظة…
اتفتحت فتحات صغيرة في سقف القبو.
ونزلت منها أضواء قوية.
وصوت جه من سماعات مخفية:
“تم تسجيل المكان بالكامل.”
شريف اتلفت حوله بصدمة.
سيف قال:
“من أول ما هربت… كنت عارف إنك هتيجي هنا.”
“وسبتلك تهرب مخصوص.”
شهقت.
حتى مدير الأمن بص له بدهشة.
شريف صرخ:
“كذاب!”
ابتسم سيف.
وضغط زرًا صغيرًا في ساعته.
وفجأة…
دخلت قوة خاصة من بابين سريين في القبو.
خلال ثوانٍ…
السيطرة كانت كاملة.
اتقبض على ثلاثة من رجال شريف.
لكن شريف نفسه…
خطفني بسرعة.
لف دراعه حوالين رقبتي.
وحط المسدس على رأسي.
وقال وهو بيصرخ:
“ولا حد يقرب!”
حسيت بأنفاسه السريعة.
وقلبي كان هيقف.
سيف ثبت عينيه في عيني.
وقال بهدوء غريب:
“ليلى… بصيلي.”
بصيت له.
قال:
“لما أقول دلوقتي…”
“وطي.”
مافهمتش.
لكن وثقت فيه.
فضل يكلم شريف ويشغله.
“خلصت يا عمي.”
“كل حاجة انتهت.”
شريف كان مركز معاه.
وفجأة…
سيف صرخ:
“دلوقتي!”
رميت جسمي لتحت بكل قوتي.
وفي نفس الثانية…
أحد أفراد القوة الخاصة أطلق رصاصة أصابت يد شريف فقط.
المسدس وقع من إيده.
ورجال الأمن طرحوه أرضًا.
اتقبض عليه للمرة الأخيرة.
…
بعد دقائق…
القبو رجع هادئ.
المحامي عادل بدأ يراجع المستندات.
وفجأة قال:
“يا سيف… تعالى.”
اقتربنا كلنا.
كان ماسك عقدًا قديمًا.
وعليه توقيع كمال الحديدي.
قال:
“دي أكبر مفاجأة.”
قرأ بصوت مرتفع:
“يتم تخصيص خمسين بالمئة من أرباح مؤسسة الحديدي الخيرية بشكل دائم لعلاج غير القادرين، ولا يجوز لأي وريث أو شريك إلغاء هذا البند.”
ابتسمت أمي لأول مرة من سنين.
وقالت:
“ده كمال… كان نفسه فلوسه تنفع الناس.”
سيف أغلق الملف برفق.
ثم نظر إليّ.
وقال أمام الجميع:
“ليلى…”
“المنصب اللي عرضته عليكي كان مجرد بداية.”
استغربت.
ابتسم وقال:
“من النهارده…”
“إنتِ الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الحديدي الخيرية.”
حاولت أرفض.
“أنا لسه بتعلم.”
قال:
“وأنا هكون أول واحد يعلمك.”
بعد ستة أشهر…
تحولت المؤسسة إلى واحدة من أكبر الجهات التي تمول علاج المرضى.
أمي تعافت تدريجيًا.
والموظفون الذين كانوا يسخرون مني أصبحوا يحترمونني بسبب عملي، لا بسبب منصبي.
أما شريف الحديدي…
فحُكم عليه بالسجن بعد إدانته في قضايا التزوير والاختلاس ومحاولة القتل.
وفي يوم افتتاح أول مركز علاج مجاني باسم كمال الحديدي…
وقفت أنا وسيف أمام لوحة الافتتاح.
ابتسمت وأنا أتذكر بقعة الماء الصغيرة التي دخلت لأمسحها في ذلك الصباح.
لم أكن أعرف وقتها…
أن خطوة واحدة بالخطأ…
ستقودني إلى الحقيقة، وتنقذ أمي، وتغير حياتي إلى الأبد.
الفصل الأخير: بعد سنة كاملة… رجع المكان لنفس البقعة
مرّت سنة كاملة.
والحياة اتغيرت بطريقة ماكنتش أتخيلها.
مؤسسة الحديدي الخيرية بقت تعالج آلاف المرضى كل شهر.
المستشفى الخيري الجديد فتح أبوابه.
وأمي…
بقت تمشي على رجليها من غير كرسي متحرك لأول مرة من سنين.
كل مرة أشوفها نازلة السلم لوحدها…
كنت أحمد ربنا في سري.
…
أما أنا…
فلسه كل يوم بدخل الشركة قبل الموظفين.
مش علشان أنضف.
لكن علشان أتأكد إن كل حاجة ماشية صح.
وفي صباح هادئ…
وقفت قدام نفس الممر.
نفس الأرضية الرخام.
ونفس باب الجناح الخاص.
ابتسمت.
وقلت لنفسي:
“سبحان الله…”
“كل الحكاية بدأت من هنا.”
وقبل ما أمشي…
لقيت عاملة نظافة جديدة.
واضح إنها لسه أول أسبوع ليها.
كانت مرتبكة جدًا.
وبتمسح الأرض بسرعة.
وفجأة…
وقع منها الجردل.
والمية دخلت تحت باب مكتب سيف.
وشها اصفر.
وقالت وهي هتعيط:
“يا نهار أبيض…”
“أنا اترفدت.”
ضحكت.
لأن المشهد كان نسخة من اللي حصل معايا.
قربت منها.
ومسكت إيديها.
وقلت:
“اهدي.”
“ولا تدخلي المكتب.”
“أنا هتصرف.”
بصتلي وهي مستغربة.
وقالت:
“حضرتك تعرفيني؟”
قلت مبتسمة:
“أنا كنت مكانك يوم من الأيام.”
…
في نفس اللحظة…
باب المكتب اتفتح.
وخرج سيف.
بص للمية.
وبعدين بص للبنت.
كانت مرعوبة.
قالت بسرعة:
“والله غصب عني يا فندم.”
ابتسم.
وقال:
“ولا يهمك.”
“كلنا بنغلط.”
البنت بصت له بعدم تصديق.
كانت مستنية صراخ.
أو خصم.
لكنها لقت رحمة.
…
بعد ما مشيت…
بصلي سيف وقال وهو بيضحك:
“فاكرة أول مرة دخلتي مكتبي؟”
ضحكت.
“للأسف… مستحيل أنساها.”
قال:
“أنا اللي مستحيل أنساها.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأنها كانت أول مرة أحس إن وعد أبويا هيتحقق.”
…
في المساء…
كان عندنا احتفال صغير.
كل موظفي الشركة حضروا.
حتى عمال النظافة.
والأمن.
والسائقين.
أصر سيف إن الكل يقعد على نفس الترابيزة.
من غير تفرقة.
وقف على المسرح.
وقال:
“نجاح أي شركة…
مش بيبدأ من مكتب رئيس مجلس الإدارة.”
“بيبدأ من أول شخص بيفتح الباب الصبح.”
ثم طلب مني أطلع جنبه.
كنت مكسوفة.
لكن طلعت.
ناولني درعًا صغيرًا.
مكتوب عليه:
“إلى ليلى عبدالرحمن… لأن الكرامة والإخلاص يصنعان المعجزات.”
صفق الجميع.
لكن أكتر لحظة أثرت فيا…
كانت لما شفت عمال النظافة واقفين بيبتسموا.
حسيت إنهم شافوا نفسهم فيا.
وإن محدش فيهم هيحس بعد النهارده إنه أقل من غيره.
…
بعد الحفل…
خرجت أقف في جنينة الشركة.
كانت السما مليانة نجوم.
وأمي وقفت جنبي.
وقالت وهي ماسكة إيدي:
“أبوك اللي رباكي…
كان هيبقى فخور بيكي.”
دموعي نزلت.
لأنها كانت أول مرة تذكره من غير وجع.
قلت:
“هو علمني إن قيمة الإنسان في أخلاقه.”
هزت رأسها.
وقالت:
“وعشان كده ربنا عوضك.”
…
قبل ما نمشي…
رجعت بصيت على المبنى كله.
افتكرت البنت اللي دخلت الشركة من سنة…
بهدوم بسيطة.
وخوف كبير.
وهمّ علاج أمها.
ماكنتش أعرف إن ربنا كان مخبيلي رزقًا أكبر من الفلوس…
كان مخبيلي الحقيقة.
والعدل.
وأسرة رجعت لبعض بعد سنين.
ومن يومها…
كل ما أشوف بقعة مية على الأرض…
أبتسم.
وأفتكر إن أوقات…
أصغر موقف في حياتنا…
بيبقى بداية أكبر معجزة.
تمت بحمد الله.