طفله الزعيم حكـايـات أسمـا ×2
دوى صدى الطلقة داخل النفق الحجري.
ثم حل صمت ثقيل.
مرعب.
توقفت الأنفاس.
وتجمد الجميع في أماكنهم.
حتى سارة.
—
أغمضت عينيها تلقائيًا.
منتظرة الألم.
لكن الألم لم يأتِ.
فتحت عينيها ببطء.
ثم نظرت حولها.
—
كان أنطونيو واقفًا.
لكن المسدس سقط من يده.
وتراجع خطوة للخلف.
ثم أخرى.
وبدأت بقعة حمراء تنتشر على كتفه.
—
التفت الجميع.
ليجدوا أحد حراس دومينيك قد أطلق النار في اللحظة الأخيرة.
—
استغل رجال دومينيك الفرصة فورًا.
واندفعوا نحو أنطونيو.
لكن الرجل كان أسرع مما توقعوا.
ضغط على زر صغير في معصمه.
وفجأة…
انطفأت الأنوار داخل النفق بالكامل.
—
تحول المكان إلى ظلام دامس.
وصراخ.
وفوضى.
—
أمسك دومينيك سارة بيده.
وأحاط ماركو بذراعه الأخرى.
وقال:
“ما تسيبنيش.”
—
تشبثت به بقوة.
بينما كانت تسمع خطوات رجال يركضون في كل اتجاه.
ثم انفجارًا صغيرًا.
ثم صرخات.
ثم عاد الضوء أخيرًا.
—
لكن أنطونيو اختفى.
مرة أخرى.
—
وقف دومينيك يلهث.
وعيناه تمتلئان بالغضب.
لكنه عندما التفت…
ورأى سارة لا تزال تضم ماركو وتحاول تهدئته…
هدأ شيء داخله.
شيء لم يشعر به منذ وفاة إيزابيلا.
—
بعد ساعات…
عادوا إلى القصر.
وكان الأطباء يفحصون الجميع.
أما ماركو…
فنام أخيرًا بين ذراعي سارة.
بعد ليلة بدت وكأنها عام كامل.
—
دخل دومينيك الغرفة.
وأغلق الباب خلفه.
ثم وقف صامتًا.
ينظر إليها.
—
رفعت رأسها.
وقالت:
“إيه؟”
—
ابتسم لأول مرة منذ أسابيع.
ابتسامة حقيقية.
وقال:
“ليه عملتي كده؟”
—
عرفت فورًا ما يقصده.
فخفضت عينيها.
وقالت:
“لأنه طفل.”
—
هز رأسه.
“مش ده السبب.”
—
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“كنتِ مستعدة تموتي علشانه.”
—
شعرت سارة بأن قلبها يتسارع.
وقالت بصوت خافت:
“لأن محدش حماه.”
ثم نظرت إلى ماركو.
وأضافت:
“زي بنتي.”
—
تجمد دومينيك.
—
لأول مرة تحدثت عن ابنتها بهذه الطريقة.
وبهذا الألم.
—
اقترب منها ببطء.
ثم جلس أمامها.
وقال:
“احكيلي عنها.”
—
لم يكن أحد قد سألها ذلك منذ موت الصغيرة.
الجميع كانوا يتجنبون الحديث.
أو يغيرون الموضوع.
لكن دومينيك سأل.
—
فبدأت تتكلم.
عن ضحكتها.
وعن أول خطوة.
وعن أول كلمة.
وعن الليلة التي فقدتها فيها.
—
ومع كل كلمة…
كانت الدموع تنزل من عينيها.
—
أما دومينيك…
فكان يستمع فقط.
دون مقاطعة.
دون أحكام.
—
وعندما انتهت…
كان الصمت أبلغ من أي كلام.
—
ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.
مد يده.
وأمسك يدها برفق.
وقال:
“أنا آسف.”
—
لم يكن يعتذر عن شيء فعله.
بل عن الألم الذي عاشته.
—
وانهارت سارة باكية.
لأنها لأول مرة شعرت أن أحدًا فهم حجم خسارتها.
—
مرت الأسابيع التالية بهدوء نسبي.
لكن أنطونيو لم يظهر.
ولم يختفِ تمامًا.
بل أصبح شبحًا يطارد الجميع.
—
وفي إحدى الليالي…
كان دومينيك يعمل في مكتبه.
عندما دخل أحد رجاله بسرعة.
وقال:
“لقيناه.”
—
رفع دومينيك رأسه فورًا.
“فين؟”
—
أجاب الرجل:
“في صقلية.”
—
ساد الصمت.
ثم وقف دومينيك ببطء.
—
لأن صقلية لم تكن مجرد مكان.
بل كانت البداية.
المكان الذي بدأت فيه عائلة رومانو.
والمكان الذي دفنت فيه أسرارها.
—
لكن قبل أن يتحرك…
نظر إلى صورة موضوعة فوق مكتبه.
—
الصورة كانت لسارة وماركو.
في الحديقة.
يضحكان.
—
توقف للحظة.
ثم أدرك شيئًا مهمًا.
—
لقد أمضى سنوات يطارد السلطة.
والمال.
والانتقام.
—
لكن لأول مرة…
صار لديه شيء يخشى فقدانه أكثر من حياته.
—
وفي تلك الليلة…
اتخذ قرارًا سيغير كل شيء.
—
ذهب إلى غرفة سارة.
وطرق الباب.
—
فتحت له.
مستغربة.
—
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“لازم أسافر.”
—
شعرت بانقباض في قلبها.
“علشان أنطونيو؟”
—
هز رأسه.
—
ثم أضاف بهدوء:
“بس قبل ما أمشي…”
—
توقف.
وكأنه يبحث عن الكلمات.
—
ثم قال أخيرًا:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
—
نظرت إليه.
وقلبها ينبض بسرعة.
—
فقال:
“اليوم اللي ركبتِ فيه الطيارة…”
“أنقذتِ ابني.”
—
ثم ابتسم.
وأضاف:
“لكن الحقيقة…”
“إنك أنقذتيني أنا كمان.”
—
وشعرت سارة أن العالم كله صمت حولها.
بينما كانت تسمع تلك الكلمات.
الكلمات التي انتظرتها روحها دون أن تعرف.
—
لكنها لم تكن تعرف بعد…
أن الرحلة القادمة إلى صقلية…
لن تنهي الحرب فقط.
بل ستكشف سرًا قديمًا عن ماركو نفسه.
سرًا قادرًا على قلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
وكان أنطونيو ينتظر هناك…
ومعه الحقيقة الأخيرة.
لم تنم سارة تلك الليلة.
بعد كلمات دومينيك الأخيرة.
وبعد النظرة التي رأتها في عينيه قبل أن يغادر.
كانت تعرف أنه يحبها.
وربما كان يعرف أنها أصبحت تحبه أيضًا.
لكن الخوف كان أكبر من الاعتراف.
الخوف من الفقد.
الخوف من أن يصبح شخص آخر جزءًا من قلبها…
ثم يختفي كما اختفى كل من أحبّتهم من قبل.
—
مع شروق الشمس…
كانت الطائرة الخاصة تستعد للإقلاع نحو صقلية.
لكن دومينيك لم يكن وحده.
لأن ماركو رفض الابتعاد عن سارة.
بكى.
وصرخ.
ورفض البقاء مع أي شخص آخر.
وفي النهاية…
استسلم دومينيك.
وهكذا وجدت سارة نفسها جالسة مرة أخرى داخل طائرة رومانو.
لكن هذه المرة…
لم تكن غريبة.
—
كانت تحمل ماركو النائم.
بينما يجلس دومينيك مقابلها.
يراقبهما بصمت.
—
وبعد ساعات…
ظهرت سواحل صقلية تحتهم.
جبال خضراء.
وبيوت حجرية قديمة.
وقرى تبدو وكأن الزمن توقف فيها.
—
لكن ما إن هبطت الطائرة…
حتى أدرك الجميع أن الأمور أخطر مما توقعوا.
—
اقترب أحد رجال دومينيك.
وهمس في أذنه:
“في مشكلة.”
—
رفع دومينيك رأسه.
“إيه؟”
—
أجاب الرجل:
“أنطونيو ساب رسالة.”
—
أعطاه ظرفًا أبيض.
—
فتحه دومينيك.
وقرأ.
—
ومع كل كلمة…
كانت ملامحه تزداد برودًا.
—
سألته سارة:
“قال إيه؟”
—
رفع عينيه إليها.
ثم قال:
“بيقول إنه مش هيهرب.”
“وإنه مستنينا.”
—
ثم أضاف:
“في بيت العيلة القديم.”
—
ساد الصمت.
—
بيت العائلة.
—
المكان الذي نشأ فيه هو وأنطونيو.
المكان الذي شهد أول أسرار رومانو.
وأول جرائمهم.
وأول خياناتهم.
—
بعد ساعة…
وصل الموكب إلى القصر القديم.
—
كان ضخمًا.
مهيبًا.
ومهجورًا.
—
نوافذه مكسورة.
وجدرانه متشققة.
لكن هيبته لا تزال موجودة.
—
نزل دومينيك أولًا.
ثم سارة.
وهي تحمل ماركو.
—
وفجأة…
توقف الطفل.
—
نظر نحو القصر.
—
ثم بدأ يبكي.
بكاءً مختلفًا.
غريبًا.
—
عبس دومينيك.
لأن ماركو لم يزر هذا المكان في حياته.
—
فلماذا يتصرف كأنه يعرفه؟
—
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
—
انفتح باب القصر ببطء.
—
وظهر أنطونيو.
—
وحيدًا.
دون حراس.
دون أسلحة ظاهرة.
—
وقف فوق الدرج الحجري.
ينظر إليهم.
—
ثم قال:
“أخيرًا جيت.”
—
أمسك رجال دومينيك أسلحتهم فورًا.
لكن أنطونيو رفع يديه.
—
وقال:
“أنا مش جاي أحارب النهارده.”
—
ضحك أحد الحراس بسخرية.
—
أما دومينيك فقال:
“إنت قتلت مراتي.”
—
هز أنطونيو رأسه.
—
ثم قال:
“دي الحقيقة اللي اتقالتلك.”
—
تجمد الجميع.
—
وأضاف:
“بس مش الحقيقة الكاملة.”
—
شعر دومينيك أن شيئًا ما خطأ.
—
شيء كبير.
—
قال ببطء:
“اتكلم.”
—
نظر أنطونيو إلى ماركو.
ثم إلى سارة.
ثم عاد إلى أخيه.
—
وقال:
“ماركو مش ابنك.”
—
انفجر الغضب في عيني دومينيك.
—
لكن أنطونيو أكمل بسرعة:
“اسمعني قبل ما تقتلني.”
—
ساد الصمت.
—
ثم قال الجملة التي هزت العالم كله:
“إيزابيلا كانت حامل.”
“بس الطفل مات قبل الولادة.”
—
شحب وجه دومينيك.
—
لا.
—
هذا مستحيل.
—
قال أنطونيو:
“الأطباء أخفوا الحقيقة.”
“وإيزابيلا انهارت.”
—
بدأت يد دومينيك ترتجف.
—
أما سارة…
فكانت تشعر أن قلبها سيتوقف.
—
وأكمل أنطونيو:
“في نفس الليلة…”
“اتولد طفل تاني.”
—
نظر الجميع إلى ماركو.
—
وقال:
“الطفل ده.”
—
ساد صمت مرعب.
—
ثم أكمل:
“إيزابيلا تبنّته سرًا.”
—
شحب وجه دومينيك.
—
لأن جزءًا منه تذكر أشياء قديمة.
أشياء تجاهلها.
أسئلة لم يطرحها.
وثائق لم يرها بنفسه.
—
لكن أنطونيو لم ينتهِ.
—
بل قال شيئًا أخطر.
—
“وأمه الحقيقية…”
—
ثم أشار بإصبعه نحو سارة.
—
تجمدت.
—
وتوقفت أنفاسها.
—
وقال:
“هي.”
—
انفجر الصمت.
—
ثم بدأت الأرض تهتز تحت أقدام الجميع.
—
لأن الحقيقة التي ظلت مدفونة سنوات طويلة…
خرجت أخيرًا إلى النور.
—
أما سارة…
فلم تستطع حتى الكلام.
—
كانت تنظر إلى ماركو.
ثم إلى أنطونيو.
ثم إلى دومينيك.
—
وكل ما تعرفه عن حياتها…
بدأ ينهار في لحظة واحدة.
—
لكن أنطونيو لم يكن قد قال كل شيء بعد.
—
لأن السر الأخير…
كان أخطر من ذلك كله.
وكان على وشك أن يكشفه.
ساد صمت مطبق.
حتى الرياح التي كانت تعصف حول القصر بدت وكأنها توقفت.
سارة كانت عاجزة عن التنفس.
حدقت في أنطونيو.
ثم هزت رأسها بعنف.
“لا.”
خرجت الكلمة هامسة.
مرعوبة.
مكسورة.
“لا… مستحيل.”
—
أما دومينيك…
فبقي واقفًا كتمثال من الحجر.
وعيناه لا تفارقان أخاه.
قال بصوت منخفض:
“لو دي لعبة جديدة…”
“أقسم بالله هقتلك.”
—
لكن أنطونيو لم يبتسم هذه المرة.
ولم يسخر.
بل بدا متعبًا.
لأول مرة منذ سنوات.
وقال:
“افتح الملف اللي في الظرف.”
—
أخرج دومينيك الأوراق التي كانت داخل الرسالة.
وبدأ يقلبها.
نتائج مختبرات.
سجلات مستشفى.
تقارير قديمة.
أسماء أطباء.
وتواريخ.
—
ثم توقف عند صفحة معينة.
شحب وجهه.
لأنه عرف التوقيع.
كان توقيع طبيب العائلة القديم.
الرجل الذي مات منذ سبع سنوات.
—
أما سارة…
فكانت ترتجف.
قالت بصوت مبحوح:
“أنا… أنا بنتي ماتت.”
—
نظر إليها أنطونيو.
وقال بهدوء:
“ده اللي قالوهولك.”
—
بدأت الدموع تنزل من عينيها.
—
تذكرت تلك الليلة.
تذكرت المخاض الصعب.
تذكرت فقدانها للوعي.
تذكرت استيقاظها بعد ساعات.
وتذكرت الممرضة التي أخبرتها أن طفلتها لم تنجُ.
—
لكنها لم تر الجثمان.
أبدًا.
—
ولم يسمح لها أحد بحمله.
أو توديعه.
—
همست:
“يا رب.”
—
ثم سقطت على أقرب مقعد.
وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
—
اقترب أنطونيو خطوة.
وقال:
“في الليلة نفسها…”
“كان في ناس بيدوروا على وريث لعيلة رومانو.”
—
نظر إلى دومينيك.
ثم أكمل:
“إيزابيلا كانت على وشك الانهيار بعد فقدان طفلها.”
“والأطباء خافوا عليها.”
—
أغلق دومينيك عينيه.
لأنه بدأ يرى الصورة كاملة.
—
قال أنطونيو:
“حد اقترح حل.”
“حل مجنون.”
—
“طفل بلا عائلة.”
“وأم فقدت طفلها.”
—
ثم أشار إلى ماركو.
“فتم استبدال الأقدار.”
—
شهقت سارة.
—
أما ماركو…
فكان نائمًا في حضنها.
غير مدرك أن العالم كله يتغير حوله.
—
لكن دومينيك سأل السؤال الأهم.
“ليه؟”
—
رفع أنطونيو رأسه.
وقال:
“لأن أمه الحقيقية كانت مستهدفة.”
—
نظر إلى سارة.
وأضاف:
“كان في ناس عايزين الطفل يموت.”
—
تجمدت.
“أنا؟”
—
هز رأسه.
“إنتِ كنتِ شاهدة على جريمة كبيرة من غير ما تعرفي.”
—
ثم أخرج صورة قديمة.
—
صورة لسارة وهي مراهقة.
تقف بجوار والدها.
—
نظر دومينيك إلى الصورة.
ثم إلى أنطونيو.
—
وقال:
“إيه علاقة أبوها؟”
—
رد أنطونيو:
“أبوها كان المحاسب اللي اكتشف عمليات غسيل الأموال الخاصة بأعدائنا.”
—
ثم تنهد.
وأضاف:
“ولما عرفوا إنه جمع أدلة ضدهم…”
“قرروا يمسحوا عيلته كلها.”
—
شعرت سارة بأن رأسها يدور.
—
كل شيء.
كل شيء في حياتها كان كذبة.
—
وفجأة…
تحرك ماركو.
—
فتح عينيه الصغيرتين.
ونظر إلى سارة.
—
ثم ابتسم.
—
الابتسامة نفسها التي كانت تجعل قلبها يذوب كل مرة.
—
ومد يديه نحو وجهها.
—
في تلك اللحظة…
انكسرت آخر مقاومة داخلها.
—
احتضنته بقوة.
وبكت.
—
ليس لأنها اكتشفت الحقيقة.
—
بل لأنها أدركت شيئًا آخر.
—
سواء كان ابنها بالدم.
أو ابنها بالقدر.
—
فهي تحبه.
—
وستحبه دائمًا.
—
أما دومينيك…
فكان ينظر إليهما بصمت.
—
ثم أدرك الحقيقة التي أخافته أكثر من أي حرب.
—
لو كان ماركو ابن سارة حقًا…
فهذا يعني أن القدر ربطهما منذ البداية.
قبل الطائرة.
وقبل اللقاء.
وقبل كل شيء.
—
لكن أنطونيو قال فجأة:
“لسه في حاجة أخيرة.”
—
رفع الجميع رؤوسهم نحوه.
—
وقال:
“الشخص اللي دبّر العملية كلها…”
“لسه عايش.”
—
تصلبت ملامح دومينيك.
—
“مين؟”
—
نظر أنطونيو مباشرة في عيني أخيه.
—
ثم قال الاسم.
—
الاسم الذي جعل الدم يتجمد في عروق الجميع.
—
“إيزابيلا.”
—
وساد صمت مرعب.
—
لأن المرأة التي دفنوها منذ سنوات…
قد تكون لم تمت أصلًا.